في مصير الكتاب الورقيّ

أحمد فرحات*
في أواسط القرن السادس عشر اخترعَ الألمانيّ يوهانس غوتنبرغ نظامَ الطباعة بصيغتِها النهائيّة، فأَحدث بذلك تحوّلاتٍ جذريّة في عالَم نشْرِ الفكر والإبداع، جسَّدها بالطبع ظهورُ الكتاب الورقيّ كما نَعرفه اليوم، واستطراداً ولادة الصحف والمجلّات والدوريّات الأدبيّة والعلميّة على اختلافها، الأمر الذي جَعَلَ آليّات المعارف والثقافات تَنتقل بيسرٍ وسهولة إلى أيدي البشر وعقولهم في مُختلف البلدان والقارّات. كما عزّزت الطباعةُ من النُّظمِ التعليميّة والبحثيّة وتعميمِ المَكتبات العامّة والخاصّة وازدياد جمهور المتعلّمين والمثقّفين والمفكّرين بوجهٍ عامّ.
ولا غرْوَ في القول إنّ انتقالَ البشريّة من زمن المخطوطات إلى زمن المطبوعات أَحْدَثَ، ولا شكّ، ثورةً كونيّةً عارِمة ذَهبتْ بعيداً في الذكاء والمخيال الإنسانيَّيْن، جَعلتِ المُبدعين ورجال الفكر يعيشون بانسجامٍ تامٍّ مع اقتحامِ الواقع أو الحياة بأبعادها التاريخانيّة والمستقبليّة كافّة.
كما جَعلت جمهورَ القرّاء العريض والآخذ بالاتّساع أكثر فأكثر، يعيش ويتمثّل مُختلف خمائر فكر الذّات وفكر الآخر، وخصوصاً على مستوى الصراعات الإيديولوجيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأدبيّة والثقافيّة والمعلوماتيّة... إلخ.
كما أنّ الطباعة عيَّنت مغارسَ مُتباينة في أرض الأفراد والجماعات تمكّنت عَبْرَها من تفجيرِ وإعادةِ صوْغِ بنى الوحدات التاريخيّة وأشكال التشميل المعرفيّة كافّة.
وقد يكون من اليقين القطعيّ القول إنّ روائع القدماء جميعاً، لم تَعرف حقَّ الرواج والانتشار إلّا بعد ولادة عصر الطباعة وانتشار الكُتب.. واستطراداً تعميم تبادُل اللّغات والتّرجمات عَبْرَها، الأمر الذي حَرَّضَ على الكتابة والإبداع أكثر، فباتَ التمرُّس بالكتابة بَعد اختراع آليّات الطباعة واكتمال المطبعة، يَتساوى مثلاً والتمرُّس بالحياةِ نفسها.
وعلى الرّغم من ذلك، لم تَختفِ أيّةُ وسيلة اتّصال استخدَمها الإنسانُ حتّى الآن.. فبَعد ظهور الطباعة، وكما يقول الأميركي ألفين كيرتان، لم يَختفِ الاتّصالُ الشفوي أو بوساطة المخطوطات.. لا بل قد تؤدّي الوسيلةُ الجديدة إلى ازدهارِ وسيلةٍ قديمة، كما حَدث لأدبِ المُراسَلة مثلاً. وعندما بَدأ الناسُ يقرأون كثيراً، وَجدوا مادّةً غزيرةً يتحدّثون بها وعنها، وأَصبح الحديثُ مهارةً اجتماعيّة عالية القيمة.
وفي عصر التلفزة والاتّصالات الإلكترونيّة لم تضمر بالقطع القراءة التقليديّة، بخاصّة ذات المَنزع النقدي العالي منها، والتي تُقنعكَ على سبيل المثال لا الحصر، بأنّه ليس من العبث أن تظلَّ كتابات أفلاطون مقروءة وكأنّها كُتبت بالأمس بعد مرور أكثر من ألفَيْ عامٍ عليها. على أنّنا واجدون في كلّ عصر، وبثقةٍ ساطعة، أنّ هناك وسيلةَ اتّصالٍ تطغى على غيرها، باعتبارها أفضل وسيلة لاكتساب المعرفة ونقْلها. وخلال القرون الخمسة الماضية، كانت الوسيلةُ الطاغية هي الكلمة المطبوعة، حتّى قيل إنّ كلّ ما هو مطبوع هو بالضرورة حقّ وصادق.
وربّما، لا بل بالتأكيد زادتْ نِسبُ الكتبِ المطبوعة (فضلاً عن ازدياد عدد الصحف والدوريّات في كلّ بلدٍ في العالَم) في زمنِ التكنولوجيا الإلكترونيّة الجديدة، حيث أَسهمت هذه الوساطةُ السريعة والمُتحرّكة، مثلاً، في تطويرِ حتّى الأداء الطباعيّ العملي، بدءاً من آليّات صفّ المادّة وتصحيحها وإخراجها، وانتهاءً بتوظيف الصور الملوَّنة وغَير الملوّنة خلالها.
كما أنّ شبكات الإنترنت ساعدت بدَورها في تسهيلِ العثور على الكُتب "المفتقدة" أو "الضائعة" والمَراجع البحثيّة من خلال اشتمالها على الفهْرَسة المنظَّمة لمئات آلاف العناوين، الأمر الذي قوّى من عضدِ دَوْرِ النشر، وضاعفَ من جريرة طباعة الكُتب الورقيّة وفي مُختلف الحقول والفضاءات المعرفيّة، فإذا بنا أمام سيلٍ لا يتوقّف منها حتّى اللّحظة.
أوكتافيو باث: الكتاب الورقيّ صديقي الدّائم
بدهي إذاً أنّ الكلمة المطبوعة غير مهدَّدة كما قد يظنّ كثيرون.. لا بل إنّ قيمتَها تزدادُ في صلب العمليّة التقنيّة التي تُطوِّر من ظهورها؛ فعندما نريد مثلاً قراءة شيء ما على شاشة الحاسوب، تُرانا على الفور نحوّله إلى الطّابعة، فتتظهَّر إذ ذاك سطورُه على الورق الأبيض، هذا الذي نَسحبه استطراداً بأيدينا، ونتعامل معه كتعامُلِنا مع صفحاتِ كتابٍ وَرَقيٍّ ناجز، نقرأ هكذا مادّته، وتظلّ الكلماتُ فيه تَفرض هيبتَها علينا، وكذلك تَفرض حنينَها الرومانسي مع كلّ ما يعتور هذا الحنين من تردُّدٍ وتوتُّرٍ "جديدَيْن".
مقطع القول، الكتاب الورقيّ سيظلّ حيّاً، وستظلّ أفاعيله تخترق عقولنا ووجداناتنا بيسرٍ ونفاذ، ولا شيء سيتعالى عليه، ولا على ما يزرعه في جذر الرؤية العامّة لمتناوليه الثّقاة.
يقول المفكّرُ والفيلسوفُ اللّبناني علي حرب "إنّ النصّ الإلكترونيّ لن يلغي النصَّ الورقيّ، لأنّ لكلّ واحدٍ منهما متعته ومخياله، ولا أخال أنّ المرء يَستمتع بما فيه الكفاية بقراءة رواية مثلاً على الشاشة.. فالأمر معه يحتاج هنا إلى عُمقِ تأمّل، وطول أناة، وربْطٍ بين الأحداث، لا توفّره على جري العادة، آليّاتُ القراءة المحكومة بالسرعة على الشاشة".
ويُمعن علي حرب في دحْضِ فكرة موت الكتاب الورقيّ بالقول إنّ بيل غايتس صاحب أكبر شركة لإنتاج برامج المعلومات قد اختارَ الكتابَ الورقيّ كي يَعرض آراءه حول الإمكانيّات التي تُقدّمها ثورةُ المعلومات والتبادُلات الرقميّة أمامَ البشر في غَير مجال.
بدوره، وفي العام 1989 كان الشاعر المكسيكي - العالَميّ أوكتافيو باث (نوبل للآداب 1990) قد استشعَر "خطر زوال الكتاب الورقيّ" وقال لي على هامش الحوار البانوراميّ الذي أجريته معه في باريس في العام 1989 (الحوار منشور في مجلّة "الفيصل" السعوديّة - عدد أيّار/ مايو 2020): "لا أتمنّى الوصول إلى مرحلةٍ أرى فيها الناسَ وقد تخلّوا عن نظام القراءة عبر الكتاب الورقيّ. ومثلما لم أَستسغ أنا شخصيّاً الكتاب الذي على أسطوانة أو على تسجيلٍ شرائطي مختلف الأحجام، أو عَبر نظام الفونوغراف وخلافه... إلخ؛ فلم ولن أستسيغ حتماً ظاهرة الكتاب الإلكتروني بإكسسواراته المضادّة لأيّ عَيْنٍ تأمّليّة أو قلبٍ عاطفيّ حسيّ، فالقراءة عندي هي عبارة عن طقسٍ خصوصيّ حميم لا يوفّره إلّا صديقي الدّائم: الكتاب الورقيّ".
ما سبق يَقتضي منّي الإيضاح أكثر، ويلزمني بأن أروي ما حدث معي شخصيّاً في اليابان، البلد الأكثر تطوُّراً في العالَم لجهة استحداث وسائط تكنولوجيا الإلكترونيّات الجديدة.. فلقد دخلتُ في طوكيو مبنىً خاصّاً ببيع الكُتب يتألّف من خمسة طوابق كبيرة ومفصَّلة تفصيلاً فائق الأناقة والتنظيم.. وهناك شاهدتُ اليابانيّين يدبّون دبيبَ النمل أمام منصّات الكُتب الورقيّة المعروضة.. طرْداً وعكساً.. يَتصفّحونها ويَتخاطفون منها ما يريدون. تقدّمتُ من أحدهم وكانت بادية عليه أمارات الوقار الثقافيّ وسألته: أيعقل كلّ هذا الإقبال على الكتاب الورقيّ في بلادكم أنتم أهل الطفرات التكنولوجيّة المتشعّبة وبامتياز فوق العادة؟.. ابتسمَ الرجل وأجابني بإنكليزيّةٍ فخمة بما ترجمته: حتّى العالِم الياباني الذي يُسهم إسهاماً مباشراً في تفجير ثورة الكومبيوتر وعالمه الدقيق والسريع.. حتّى هذا العالِم يَميل إلى اقتناء الكتاب الورقيّ وتعزيزِ مكتبته الشخصيّة بالجديد منه. إنّنا أيّها الصديق الضيف لا نستطيع كيابانيّين أن نتخلّى عن الطّاقات الإيحائيّة التي يُمكن للكتاب الورقيّ أن يُثبّتها عميقاً فينا؛ فنحن نتقصّى أسطورتَنا المعرفيّة الماضية وأسطورتَنا المعرفيّة الحاليّة وتلكم المستقبليّة.. من خلال هذه العلاقة الحميمة والوشيجة بالكِتاب. وحدها الكلمة المطبوعة يا صاحبي تعصف بالياباني وتُقيم فيه ذلكم الرابط الأصيل بين أناه ومصيرها.
وأَردف محدّثي الياباني (عرفتُ في ما بعد أنّه كاتبٌ ياباني يدعى "بوشيرو ديماهاوا") يقول: أكثر الناس ارتباطاً بالعِلم والثورات العلميّة في اليابان أقربهم إلى الشعر والحُلم والغنائيّة.. هؤلاء لا ينتهون من كشوفات حبّهم للكُتب، ولا من عقْدِ القِرانات البصريّة مع الكلمات؛ فالمادّة الأدبيّة أو العلميّة المدوَّنة على ورقٍ "قديم" أو "حديث"، هي بالضرورة مادّة رفيعة وذات مُبادلاتٍ سامية.
ماذا أقول لك بَعد أيّها الصديق الضيف؟.. إنّ إلهامات الكتاب الورقيّ تتضافَر كلّها أمامي لصوْغ الأثر.. أثري الذي سأتولّى أنا تدبيره لاحقاً، أي بعد رحلة الاستيعاب العقليّ والقلبيّ على السواء. وإيّاك.. إيّاك أن تصدّق بأنّ تقدُّمَ العلم أو تطوّره مرهون بالخلاص من الضمير الداخليّ، ومن معطيات العجائب والأسرار.. وكذلك من الإرث العذريّ للمعرفة التي يقدّمها لك الكتاب الورقيّ المباشر. نحن أهل اليابان لا يُمكننا أن نتخلّى عن التقاليد، حتّى ولو امتلكنا في الصميم تخوم المستقبلات كلّها.
أجل هذا ما قاله لي بالتمام الكاتب الياباني "بوشيرو ديماهاوا".. ويستحوذ عليّ شعورٌ الآن، وأنا أُراجع رنينَ كلماته في بالي، بأنّ الإنسان الأنموذج، الواثق من تقدّمه الحضاريّ في هذا العالَم، لا يُمكن له أن يعرى من نفسه، وخصوصاً في سياق متغيّرات التاريخ التي يصنعها بنفسه، أو يشارك هو في صنْعها.. لا فَرق.
ودائماً بالنسبة إلى اليابانيّين، نَجد تلكم النّزعة من صوفيّة المُنطلقات والمَرامي في مشروعاتهم العلميّة وغَير العلميّة. وبما أنّ المستحيل غير موجود في معاركهم التكنولوجيّة فائقة الدقّة، فإنّ لغة الروح المشحونة بطاقاتٍ أخلاقيّة وشِعريّة يَستحيل عليها أن تَغيب عن سياقاتهم، الأمر الذي يُنتج لنا ثماراً حضاريّة غير عاديّة لشخصيّةٍ حضاريّة غَير عاديّة أيضاً؛ يُحاول كثيرون في العالَم إذكاءَ فضولهم لفهمِها على حقيقتِها، أي في منظورها التاريخي الطويل والموصول.
إنّ المؤآلَفة بين "المتناقضات" وتوحيد الرؤية التي تبدو من الخارج "متنافرة" فقط، تُهيْكِل مبنى الشخصيّة الحضاريّة اليابانيّة وروحها في الإجمال، وتَمنحها دوماً خطّةً مضادّة لليأس والذبول والضياع وانحراف الحداثة عن جدّتها أو منافع الأسئلة المتدفّقة منها، وما أكثرها.
... ويجعلك هذا الياباني المُثقل بالمقدّس والتراث، يَجعلكَ على الدوام تراه وكأنّه يعيش من أجل المستقبل فقط.
بعد هذا كلّه، أظنّ أنّني لا أجازف بالقول إذا ما قلت، إنّ الأنموذج البشريّ اليابانيّ هو الذي يُعطينا الأمل بإزاء تحدّي كلّ أمرٍ مُستعْصٍ، ويَدفعنا مثله بالتالي إلى ألّا نَخسر ملحمةَ كلّ شيء جميلٍ وحميمٍ فينا.. ويُشجّعنا بالتالي، وهنا الأهمّ، على مجرّد كسْر (ولو في الحُلم) غياب تلكم الولادة الحضاريّة العربيّة المُفارِقة والتي طالَ انتظارها بالتأكيد.
*مؤسّسة الفكر العربي