"فيسبوك" وصراع السرديّتَيْن الفلسطينيّة والإسرائيليّة

news image

 

الحبيب استاتي زين الدّين*

منذ أن أَشار فريدريك هيغل (Friedrich Hegel) إلى أنّ الذّات لا تَنبثق إلّا في مرآة الآخر، وأنّ الوعي بالذّات مشروطٌ بالاعتراف المُتبادَل، ظلَّت إشكاليّةُ الاعتراف حاضرةً في صورٍ تاريخيّة مُختلفة: من ساحات المدينة، ومنابر السياسة، إلى فضاءات الشبكات الرقميّة. فالإنسان، في جوهَرِه، يسعى إلى تثبيت قيمَتِهِ عَبْرَ علاقةٍ بالآخر تَمنحه الاعترافَ وتؤكِّد حضورَه. غير أنّ أشكالَ هذا الاعتراف لم تَعُد، في زمن الشبكات، تقوم على اللّقاء المباشر أو الانتماء المؤسّسيّ التقليديّ، بل باتت تتكوَّن داخل فضاءات افتراضيّة تُعيد توزيعَ رموز المكانة والشرعيّة، حيث يُقاس الاعتراف بــ "الإعجابات" و"المُتابعات" و"المُشارَكات".

هنا يغدو ما يُمكن تسميتُه بـ "الاقتصاد الرقمي للاعتراف" تجسيداً مُعاصراً لِما وصَفه زيغمونت بومان (Zygmunt Bauman) بــ "الحداثة السائلة"، حيث تتّخذ الهويّةُ في فضاء الشبكات أشكالاً سائلة ومتغيّرة في طُرق التعبير والتمثيل، وإنْ ظلَّت في الحالة الفلسطينيّة مُحتفِظَةً بجوهرها المُقاوِم وثوابتِها التاريخيّة.

لكنّ هذه السيولة لا تَعكس حياداً، بل تتحوَّل مباشرةً إلى ميدانٍ لصراع السرديّات .وتُبرِز الحالةُ الفلسطينيّة -الإسرائيليّة بجلاءٍ أنّ الفضاءَ الرقمي ليس مجرّد انعكاس للواقع، بل هو قوّة مولِّدة له. فحين يُحجَب محتوىً يُوثِّق الانتهاكات في غزّة، أو يُزال حسابٌ يَروي مُعاناة الفلسطينيّين بدعوى "خرْق المعايير"، في الوقت الذي تُترك فيه السرديّات الإسرائيليّة لتَنتشرَ بلا عوائق، يُصبح الاعترافُ مرهوناً بخوارزميّاتٍ تُمارِس سلطةً ناعمة. وكأنّ المنصّة لا تَكتفي بوظيفتِها كوسيطٍ ناقل، بل تتحوَّل إلى فاعلٍ سياسي يَرسم حدودَ الظهور والإقصاء.

هذا التفاوُت في الاعتراف الرقمي يُعيدنا إلى ما التقطه مانويل كاستلز (Manuel Castells) حين رأى أنّ السلطةَ في عصر الشبكات تَنبع من القدرةِ على تشكيل المعنى داخل فضاء التدفّقات. ويَفعل، مثلاً، فيسبوك facebook ذلك بإعادة رسْم حدود الرؤية والاعتراف وتمكين سرديّاتٍ بعيْنِها، فتَنشأ فجوةٌ مَعرفيّة تُترجِم اختلالاً في ميزان القوى الرمزيّة. وهكذا تغدو الشبكاتُ الاجتماعيّة ميداناً للهيْمَنةِ، حيث تتقاطع الخوارزميّات والسياسة، والاعتراف والقوّة.

والمُفارَقة أنّ الحريّة النسبيّة التي تُتيحها هذه المنصّات تُمكِّن الأفرادَ والجماعات من إعادة كتابة ذواتهم وتاريخهم، حتّى في مُواجَهة الإقصاء المُمنْهَج. وهنا يعود السؤالُ الفلسفي القديم بصيغةٍ معاصرة: مَن نحن حين لا نكون سوى ما تَسمح خوارزميّاتُ الآخر أن يَرى فينا؟ وإذا فُكِّك هذا السؤال فلسفيّاً في ضوء المُمارسة الإجرائيّة لفيسبوك، يَتبيّن أنّ مسارات الاعتراف لا تُرسَم عشوائيّاً، بل تُدار عبر ثلاث آليّاتٍ مركزيّة: المُراجَعة الخوارزميّة، والمُراجَعة البشريّة، والتبليغ الجماعي. فهذه الآليّات هي البنية النّاظمة لميزان السرديّات: تُحدِّد ما يَبرز وما يُقصى، وتُحوِّل الاعترافَ من مطلبٍ إنساني إلى نتيجةٍ مفروضة غير متكافئة داخل فضاءٍ تحكمه الخوارزميّاتُ وتقيّده السياسات.

المُراجعة الخوارزميّة

تُعتبر وسائطُ التواصل الاجتماعي من أكثر الشبكات الرقميّة توظيفاً للذكاء الاصطناعي في إدارة عمليّاتها، ومن ضمنها فيسبوك الذي يتجاوز عددُ مُستخدميه ثلاثة مليارات، ما يَجعل من الصعب مراقبته بالطرق التقليديّة. وتَنبع صعوبةُ التحكُّم في المحتوى من عوامل عدّة تَشمل الحَجْمَ الهائل للمعلومات والفروق الدقيقة في التعبير البشري. تقوم المُراجَعةُ الخوارزميّة على مصنّفاتِ تشخيصٍ آليّ تَرصد النصوصَ والصورَ والفيديو، وتُولِّد درجاتِ ثقة تقود إلى إزالةٍ آليّة في الحالات الواضحة أو إحالتها إلى مُراجَعةٍ بشريّة في حالاتٍ أخرى.

لا تَعمل هذه الخوارزميّات في بيئةٍ مُحايدة، بل تُصمَّم وفْقَ معايير تَحمل خلفيّاتٍ ثقافيّة وحساباتٍ سياسيّة واقتصاديّة. وهذا ما يَجعلها تُعيد إنتاجَ التفاوُت القائم بدلَ تجاوزِه. فاللّغة العربيّة، مثلاً، تعاني من ضعف التمثيل في أنظمة الذكاء الاصطناعي مُقارنةً بالإنكليزيّة أو العبريّة، وهو ما يفضي إلى تبايناتٍ واضحة في مستوى فعاليّة الإنفاذ.

في الحالة الفلسطينيّة - الإسرائيليّة، يَظهر الخللُ حين تُحجَب تلقائيّاً كلماتٌ عربيّة شائعة في السرديّة الفلسطينيّة مثل "شهيد"، أو "مُقاوَمة"، أو "الاحتلال"، وحتّى أسماء أماكن ارتبطَت بالذاكرة النضاليّة مثل "جنين"، "نابلس"، أو "حيّ الشيخ جرّاح". بل إنّ بعض المنشورات التي تتضمَّن صوراً لأطفالٍ ضحايا أو بيوتٍ مهدّمة تُصنَّف على أنّها "محتوى عنيف"، على الرّغم من أنّها مجرّد توثيق للواقع. في المقابل، يُسمح بتداوُلِ مفرداتٍ إسرائيليّة تُحرِّضُ على العنف ضدّ الفلسطينيّين مثل "الفئران"، أو "الوحوش"، أو "القضاء على غزّة"، أو أسماء عمليّات عسكريّة مثل "الجرف الصامد" و"حارِس الأسوار"، بل وحتّى مقاطع فيديو أو صور الجنود وهُم يَرفعون الأعلام أو يحتفلون فوق أنقاض المباني المدمَّرة، من دون أن تُعتبَر "تمجيداً للعنف" .هكذا يتجلّى الانحيازُ المُضمَر في التصميم الخوارزمي، حيث يتحوَّل ما يُفترَض أنّه أداة تقنيّة مُحايِدة إلى فاعلٍ سياسي يُعيد توزيع الشرعيّة الرقميّة بشكلٍ غير متكافئ، عَبْرَ تعزيز حضورِ سرديّةٍ وإقصاءِ أخرى.

وسبق لمنظّمة هيومن رايتس ووتش (Human Rights Watch) أن خلصت إلى أنّ الفترة التي تَلَت 7 تشرين الأوّل/ أكتوبر 2023 شهدتْ مَوجةً واسعةً من الإزالة والحجْب وخفْض التوزيع، استهدَفت بالأساس المضامين السلميّة الدّاعمة للفلسطينيّين. فقد أَحْصَت المنظّمةُ خلال تشرين الأوّل/ أكتوبر وتشرين الثاني/ نوفبر 2023 أكثر من 1050 حالة، منها 1049 مرتبطة بمحتوىً مؤيّد للفلسطينيّين. وتنوَّعت الإجراءاتُ بين الإزالة المباشرة والحرمان من الاستئناف، ما يَعكس اعتماداً مفرطاً على الأتْمَتة، فضلاً عن توسُّع تطبيق سياسة "المنظّمات والأفراد الخطرين." وقد أَظهر مجلسُ الإشراف في 26 آذار/ مارس 2024 أنّ الحظر الشامل على كلمة "شهيد" يؤدّي إلى إزالة تعبيرات مشروعة عندما تُهمَل الدلالة السياقيّة. وأوصى بإنهاء الحظر الشامل واعتماد مراجعة سياقيّة أكثر دقّة، ما يؤكِّد أثرَ التعريفات الفضفاضة في تقييدِ الخطاب المَحميّ قانونيّاً. إنّ المراجعة الخوارزميّة، بهذا المعنى، ليست أداةً محايدة، بل مُمارسة سلطويّة تُعيد توزيع ما يُمكن أن يُقال، وما لا يُمكن أن يُقال، وفق منطقٍ يلتقي مع البنيات الثقافيّة والسياسيّة المُضمَّنة في البرْمجة نفسها.

المُراجَعة البشريّة

عندما تعجز الخوارزميّات عن الحسم، يُحال المحتوى إلى فِرَقٍ من المُراجعين البشريّين. وعلى الرّغم من أنّ هذه الخطوة تبدو ضمانةً للحياد، إلّا أنّ واقعَها مُختلف؛ إذ يَعمل هؤلاء ضمن أطرٍ تنظيميّة تَضبطها الشركة، وغالباً ما يَخضعون لضغوطٍ ثقافيّة وسياسيّة. فقراراتُهم لا تَعكس دائماً قواعد عامّة مجرّدة، بل تَميل إلى التكيُّف مع حساسيّاتٍ معيّنة مُرتبطة بالمجال الجيوسياسي أو بتوجّهات السوق.

وتُظهِر تقاريرٌ عديدة أنّ المُراجَعة البشريّة على فيسبوك ليست معزولةً عن الانحياز المؤسّسي، إذ يُمنح المحتوى الإسرائيلي أحياناً هامشاً أوسع من التسامُح، بينما يُزال المحتوى الفلسطيني بوتيرةٍ أسرع تحت ذريعة "خَرْق المعايير". وبذلك، تُصبح المراجعةُ البشريّة استمراراً لهيْمَنةٍ غير مُتكافئة، حيث تتقاطع قراراتُ الأفراد العاملين مع البنية الخوارزميّة لتُنتِجَ نظاماً مزدوجاً من الرقابة: آلي - بشري. كما أنّ اعتماد هذه المراجعات على فِرَقٍ غالباً ما تعمل في بيئاتٍ بعيدة جغرافيّاً ولغويّاً عن سياق المنطقة، يزيد من احتمالاتِ سوء الفهْم وتكريس الفجوات. وهذا يُفسِّر، مثلاً، تراخي المنصّة في التعامل مع خطاب الكراهية والتحريض عندما يَصدر بالعبريّة، مقابل صرامة أكبر في التعامُل مع المحتوى العربي. وفي هذا المعنى، لا تَختلف المراجعةُ البشريّة عن الخوارزميّة إلّا في الدرجة، إذ كلاهما يُعيد إنتاج عدم التكافؤ داخل الفضاء العمومي.

إنّ المُراجَعة البشريّة ليست مجرّد إجراء تقني، بل هي فعلٌ سياسي بامتياز. فهي تَرسم، عن قصدٍ أو في إطار برمجةٍ مؤسّسيّة مسبقة، حدودَ الشرعيّة داخل الفضاء العمومي، وتُعيد تحديدَ إمكانات الحضور الرقمي للأفراد والجماعات. ومن ثمّ، تُسهم في إعادة إنتاج علاقات القوّة ذاتها التي تُميِّز المجالَ الواقعي، مؤكّدةً أنّ المنصّةَ لا تعمل كوسيطٍ محايد، بل كجزءٍ من منظومةٍ أوسع للهيْمنة الرمزيّة.

التبليغ الجماعيّ

تتمثّل الآليّةُ الثالثة في التبليغ الجماعي، وهي مُمارَسة يُباشرها المُستخدِمون أنفسهم عبر تنظيم حملاتٍ مُتزامنة للتبليغ عن محتوىً بعيْنه. وعلى الرّغم من أنّ المنصّة تَطرح هذا الخيار باعتباره أداةً لحماية المُجتمع من الإساءة، فإنّه يتحوَّل في الواقع إلى سلاحٍ بيَدِ الجماعات المنظَّمة. ففي الحالة الفلسطينيّة - الإسرائيليّة، يُستخدم التبليغ الجماعي كوسيلةٍ لإقصاء أصواتٍ ناقدة أو رواياتٍ مضادّة، ما يؤدّي إلى تعطيلِ حساباتٍ أو حجْبِ منشوراتٍ، حتّى لو لم تُخالِف فعليّاً المعايير المُعلَنة. وفْقَ هذا التصوُّر، يُعاد توظيف المُشارَكة الجماعيّة - التي يُفترض أن تكون تعبيراً عن الديمقراطيّة الرقميّة - لتُصبحَ وسيلةَ إقصاءٍ جماعي؛ فتتقاطَع هذه المُمارَسةُ مع الخوارزميّات والمُراجَعة البشريّة لتُنتِجَ دائرةً مُغلقة من الإنفاذ تَحكمها آليّاتُ القوّة أكثر ممّا تَحكمها مبادئ الحياد أو المُساواة. وهكذا يُصبح الفضاءُ الرقمي امتداداً لصراعاتٍ واقعيّة، حيث تتحوَّل الأدواتُ التقنيّة إلى أدواتٍ سياسيّة تُسهِم في إعادة إنتاج علاقات الهيْمَنة.

من هنا يتّضح أنّ الآليّات الثلاث ليست مجرّد إجراءاتٍ تقنيّة، بل بنيات سلطة تُعيد إنتاج اختلالاتٍ قائمة في المجال الواقعي. فالمُراجعة الخوارزميّة تُظهر كيف تتحوَّل البرمجة إلى سياسة؛ والمراجعة البشريّة تَكشف انخراطَ الأفراد في معايير مؤسّسيّة غير مُحايدة؛ والتبليغ الجماعي يُبرِز كيف يُمكن للمُستخدِمين أنفسهم أن يُصبحوا أدواتٍ في صراع السرديّات. ومن هنا يُمكن القول إنّ الفضاءَ الرقمي، وبخاصّة فيسبوك، لا يُمثّل مجرّد انعكاسٍ للواقع، بل يُشكِّل امتداداً له بآليّاتٍ مُضاعفة: فهو يُعيد إنتاج علاقات القوّة القائمة، ويحوِّلها إلى أنماطِ اعترافٍ رقميّة موزَّعة على نحوٍ غير متكافئ.

إنّ هذا الربط بين الآليّات الثلاث يَكشف أنّ مسألة الاعتراف في الشبكات الاجتماعيّة لم تَعُد مجرّد تبادُلٍ رمزيّ بسيط، بل أصبحت جزءاً من بنيةٍ سلطويّة معقّدة. فكلّ آليّة تُسهم، بطريقتها، في إعادة توزيع الشرعيّة والاعتراف: الخوارزميّات تُحدِّد القابليّة للظهور، والمُراجعات البشريّة تُضفي طابعاً مؤسّسيّاً على قراراتِ الإقصاء أو السماح، والتبليغات الجماعيّة تُضيف عنصرَ الضغط الجماهيري الذي قد يُستخدَم لتصفيةِ حساباتٍ سياسيّة أو ثقافيّة.

وبذلك، فإنّ هذه الآليّات لا تعمل مُنفصلةً، بل تتشابَك في دائرةِ إنفاذٍ معقّدة تَعكس التوتُّر بين التقنيّة والسياسة. فهي من جهة تَمنح المنصّةَ قدرةً هائلة على الضبْط والمراقبة، ومن جهةٍ أخرى تَكشف حدودَ الحياد المزعوم، إذ تُظهِر أنّ الحيادَ ذاتَه هو خطابٌ يُخفي وراءه مصالِح مُهيْمِنة. وهنا يصبح السؤال: كيف نُعيد قراءة هذه النتائج في ضوء الأدبيّات النظريّة التي تناوَلت سلطةَ المنصّات والفضاءات الرقميّة؟ وهل يُمكن القول إنّ ما يحدث على فيسبوك يَتطابق مع ما حذَّر منه المنظّرون حول "رأسماليّة المُراقبة" و"حكومات المنصّات"؟

انسجامٌ أم تعارضٌ مع الأدبيّات النقديّة

إنّ ما أشرنا إليه في الفقرات السابقة يتقاطع بوضوح مع الأدبيّات النقديّة التي تناولَت علاقةَ السلطة بالفضاءات الرقميّة. فالمُراجعة الخوارزميّة تؤكِّد أطروحةَ شوشانا زوبوف (Shoshana Zuboff) حول "رأسماليّة المُراقَبة"، حيث تُستثمر البيانات والخوارزميّات لتشكيل السلوك، ليس عَبْرَ مراقبة الأفراد فقط، وإنّما أيضاً عَبْرَ إعادة هندسة أنماط التواصُل والمعنى. إنّها آليّةٌ لضبْطِ ما يُرى وما يُحجَب، وهي بهذا المعنى تقنيّةٌ للحكم السلوكي تجعل من المنصّة شريكاً في صَوْغِ المجال العمومي، لا مجرّد وسيطٍ ناقل. أمّا المراجعة البشريّة فتَنسجم مع وجهة نظر كيت كلونيك (Kate Klonick) حول "حكومات المنصّات"، حيث تتولّى الشركاتُ مهامَّ التشريع والتنفيذ والقضاء في فضاءٍ خاصّ يشبه النظامَ القانوني الموازي. فقرارات فِرَق المُراجَعة البشريّة، حتّى وإن اتُّخذت في إطار إجراءاتٍ إداريّة، تَعكس موازين سياسيّة وثقافيّة متجذّرة، وتُنتِج بالتالي نظاماً شبه - قانوني يُعيد رسْم حدود الاعتراف بسرديّةٍ ما. ويُظهر التبليغُ الجماعي وجاهةَ تنبيهات

تارلتون جيلسبي (Tarleton Gillespie) من زيف خطاب الحياد، حيث تتحوَّل الأدواتُ التقنيّة والاجتماعيّة إلى وسائل لتحييدِ وجهاتِ نظرٍ وتمكينِ أخرى. فبدلاً من أن تكون المُشاركة الجماعيّة فعْلاً ديمقراطيّاً، تُصبح أداةً لإنتاج إقصاءٍ مضاعف، ولاسيّما حين تَستخدمها جماعاتٌ مُنظَّمة في سياقاتٍ صراعيّة مثل الحالة الفلسطينيّة - الإسرائيليّة.

وإذا نَظرنا إلى قابليّة هذه الآليّات للتأثُّر بالضغوط الجيوسياسيّة، فإنّنا نَلمس مباشرةً ما أَشار إليه إيفغين موروزوف (Evgeny Morozov) بشأن إنتاج "استثناءاتٍ" إنفاذيّة تُقوِّض خطابَ التحرُّرِ وتُكيِّفهُ مع موازين القوى. ففي أوجِ العدوان على غزّة مثلاً، ظَهَرَت حالاتٌ عديدة أُزيل فيها محتوىً موثَّق لانتهاكاتٍ ضدّ المدنيّين، بينما تُركت خطاباتٌ تحريضيّة أو تبريريّة من دون مُعالَجة. هذه المُفارَقة تُبرِز هشاشةَ خطاب الحياد وتَكشف أنّ ما يُقدَّم كإجراءاتٍ تقنيّة هو في الجوهر استجابةٌ سياسيّة مشروطة. كما نَجِد في تفاوُتِ تطبيق السياسات بين اللّغات والثقافات - حيث يشدّد الإنفاذ على المحتوى العربي أكثر ممّا يشدّد على العبري - مثالاً صارخاً على ما أوضحه كريستيان فوكس (Christian Fuchs) من إعادة إنتاجِ هَيْمَنَةٍ مركزيّة غربيّة قائمة على قوائم مرجعيّة وتفاوت القدرات اللّغويّة. فالفجوات اللّغويّة ليست مسألة تقنيّة بحتة، بل تُترجَم إلى فجواتٍ في الاعتراف وفي القدرة على الحضور داخل الفضاء الرقمي العمومي.

ترتيباً على ما تقدَّم، يبدو جليّاً أنّ ما كَشفه تحليلُ الآليّات الثلاث يلتقي مع هذه الأطروحات في التأكيد على أنّ فيسبوك لم يَعُد وسيطاً ناقلاً مُحايداً، بل فاعلاً سياسيّاً - إعلاميّاً يَمتلك أدواتٍ معياريّة وخوارزميّة وإجرائيّة لإعادةِ رسْمِ حدود النقاش العامّ وشروطه. إنّ الفضاء الرقمي ليس مجرّد انعكاسٍ افتراضي للواقع، بل ساحة فعليّة تتقاطَع فيها التقنيّةُ مع السياسة، والاعترافُ مع السلطة، والهويّاتُ مع صراع السرديّات.

بهذا المعنى، يُمكن فَهم ما يدور على منصّات التواصل الاجتماعي بوصفه تواصلاً بين بشرٍ يَستخدمون أدواتٍ طوَّرَتْها مؤسّساتٌ تجاريّة كبرى، هي في الجوهر شركات لها مالكون وموظّفون، أي كياناتٍ اقتصاديّة تَضمّ أصحابَ عملٍ وعامِلين، لكنّها في الوقت ذاته منصّاتٌ رقميّة تَستضيف مُستخدِمين نَشطين. وفي نَظَرِ الباحث عزمي بشارة، لا تُشكِّل هذه المنصّات واقعاً افتراضيّاً أو موازياً، بل هي جزء لا يتجزّأ من واقعِ الاقتصاد والسياسة والثقافة وأنماط الوعي السائدة، تتأثَّر بها وتؤثِّر فيها. والشرط المعرفي لتحليل هذا الواقع هو تجاوُز الهالة الغامضة التي قد تُحيط به، ونَزْع "السحر" عن موضوعه.

في هذا الإطار، حتّى وإن كنتُ أتّفق مع فكرة أنّ مصلحة مالكي شبكات التواصُل والفاعلين الكبار في اقتصاد الإنترنت تتمثّل في الإبقاء، ولَو نسبيّاً، على مستوىً مرتفع من حريّة التعبير، لِما لذلك من دَورٍ في جذْبِ المُستخدِمين، واستبقاء انتباههم، وجمْع البيانات، فإنّ الواقعَ يَكشف أنّ هذه الحريّة ليست مُطلَقة؛ إذ تُقيَّد بتداخُلِ المصالح مع السلطات وضغوطها، وباتّفاقات مع أطرافٍ سياسيّة واقتصاديّة أخرى. وهكذا يُصبح تمكين المُستخدِمين من التفاعُل مصدرَ قوّة المنصّات مُقارَنةً بوسائل الإعلام التقليديّة، لكنّه في الوقت نفسه قوّة محكومة بشروطٍ غير متكافئة. فالخوارزميّات وثقافة البيئة التواصليّة تَجعل المُستخدِم غالباً مُتلقّياً أكثر ممّا يتوقَّع، ومُشارِكاً أقلّ ممّا يَظنّ. وتبدو هذه المُفارَقة أوْضح في الحالة الفلسطينيّة، حيث توظَّف أدوات الإنفاذ لتعزيزِ هيْمنةِ السرديّة الإسرائيليّة، في الوقت الذي يُواصِل فيه الفاعلون الفلسطينيّون والمُتضامنون معهم إنتاجَ سرديّاتهم كفعلِ صمودٍ ومقاوَمة رمزيّة.

*أكاديمي مغربي 

 

تعليق بث

المنصّة لم تَعُد مرآةً للواقع بل ماكينةً تُنتجُه: حين تُفوِّض الخوارزميّاتُ الاعترافَ وتُوزّع الشرعيّة، يتحوّل صراعُ فلسطين إلى صراعٍ على حقّ الظهور. الاستجابة الفعّالة ليست الضجيج؛ بل سرديّةٌ موثّقةٌ بالبيانات، وأرشفةٌ تُقاوم الحذف، وكشفٌ منهجيّ لأخطاء الإنفاذ، وتقاضٍ انتقائي يرفع كلفة الانحياز ويُعيد الحقّ إلى مساحته العامّة.