صراع القوى الكبرى على الموانئ العالَميّة
عدنان كريمة*
إذا كانت الإمبراطوريّاتُ تَبدأ فتراتُ ازدهارِها من خلال تعاظُم دورها الاقتصاديّ في الداخل، ثمّ تمتدّ تالياً إلى الخارج، ومن تلك النقطة تمضي قُدماً في عالَمِ العَسْكَرة، فإنّ الصين تسلك هذا الطريق. وعلى الرّغم من احتدام "الحروب التجاريّة" وتوسّعها لبناء تحالفاتٍ جديدة وفْقَ ما تقتضيه التطوُّرات "الجيوسياسيّة"، فهي لا تفكّر حاليّاً في خَوْضِ معارك عسكريّة مع الولايات المتّحدة، انطلاقاً من أنّ مَعركتها الأساسيّة والرئيسة هي اقتصاديّة.
وبما أنّ الموانئ هي بوّابات لا بدّ من المرور عبْرها لبلوغ نقطة الذروة في قيادة الاقتصاد العالَمي، لذلك تَعتبر الصين أنّ بسْطَ نفوذها في البحار هو رمزٌ لصراعٍ أوسع، خصوصاً أنّها تعتمد على رأس المال الحكوميّ، والتكامل الاقتصاديّ لضمان السيطرة على طُرق التجارة، في حين تَحشد الولايات المتّحدة رأسَ المال الخاصّ وتحالفاتِها الدوليّة للتصدّي لهذا النفوذ المُتصاعد. مع الإشارة إلى أنّ التحكُّم في الموانئ لا يهدف إلى الربح المالي فقط، بل أيضاً إلى استخدام ما يُسمّى بـ "القوّة النّاعمة" في ملفّات سياسيّة وعسكريّة.
في ظلّ أكبر اضْطراب في قواعد التجارة العالميّة، وهو غير مسبوق منذ أكثر من ثمانين عاماً، نتيجة فرْض إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب رسوماً جمركيّة، تَشتدّ حدّة "الحروب التجاريّة". لكنّ اللّافت أنّ التجارة العالَميّة سجَّلت نموّاً بقيمة 300 مليار دولار في النصف الأوّل من العام الحالي، مدفوعةً بزيادة كبيرة في واردات الولايات المتّحدة بنسبة 14 في المائة، وصادرات الاتّحاد الأوروبي بنسبة 6 في المائة، وذلك وفق أحدث تقريرٍ صادرٍ عن مؤتمر الأمم المتّحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد).
وكَشف التقرير عن تحوّلٍ في أنماط النموّ التجاري، إذ تفوَّقت اقتصادات الدول المتقدّمة على نظيراتها النامية في الربع الأوّل، بعد فترة شهدت تفوّقاً لاقتصادات الجنوب العالَمي. كذلك شهدت الفترة الماضية اتّساعاً في الاختلالات التجاريّة، حيث سجَّلت الولاياتُ المتّحدة مزيداً من العجز، مقابل تحقيق الصين والاتّحاد الأوروبي فوائض متزايدة؛ ما أدّى إلى ارتفاع حجْم الفجوات الثنائيّة والميزان التجاري بين الولايات المتّحدة وشركائها الرئيسيّين، وأهمّها الصين التي بلغ العجز الأميركي معها 360 مليار دولار سنويّاً، ومع الاتّحاد الأوروبي 276 مليار دولار، ومع فييتنام 116 مليار دولار.
في هذا السياق، حذَّرت "أونكتاد" من تصاعُد المخاطر التي تُهدِّد التجارة العالميّة خلال النصف الثاني من العام الحالي، في ظلّ استمرار حالة "عدم اليقين" في السياسات، وتصاعُد التوتّرات "الجيوسياسيّة"، ومؤشّرات تباطؤ النموّ العالَمي، إضافةً إلى توقُّع أن تتزايد السياسات الصناعيّة المحليّة والدَّعم الحكومي في القطاعات الاستراتيجيّة والتقنيّة، ما قد يُعطِّل شبكات الإنتاج المُتزايدة عالَميّاً. لكن، على الرّغم من هذه التحدّيات، تَبرز عوامل الصمود في تعافي مؤشّرات الشحن، وخصوصاً على المستوى البحري، وتعزيز التكامُل الإقليمي، واستمرار قوّة تجارة الخدمات.
الموانئ العالَميّة
وفْقَ تقريرٍ صادرٍ عن "كلاركسونز للأبحاث البحريّة" لعام 2024، يَمرّ أكثر من 80 في المائة من التجارة العالَميّة لجهة الحَجْم، عَبْرَ البحر، من خلال استخدام أكثر من 940 ميناءً رئيساً حول العالَم. وتَبرز مكانة الصين في المرتبة الأولى، إذ لديها ميناءان رئيسيَّان هما: ميناء "شنغهاي" وهو الأكبر عالَميّاً، ويُعالِج نحو 50 مليون حاوية سنويّاً، وميناء "نينغبو - تشوشان"، ويُعالِج نحو 33 مليون حاوية، يليهما ميناء "سنغافورة" بـ 39 مليون حاوية، وميناء "روتردام" في هولندا 14.3 بمليون حاوية، وهو الأكبر في أوروبا، وميناء "جبل علي" في دبي 14.1 بمليون حاوية، وهو الأضخم في الشرق الأوسط. وتَعكس هذه الأرقام أهميّةَ حجْم الشحن وقوّة اقتصاد كلّ دولة من الدول "الرائدة" في النقل البحري.
وعَملاً بالقاعدة المُتداوَلة، فإنّ الدولة التي تَشغل موانئ أكثر، تَملك مفاتيح التأثير التجاري في مَسار حركة التجارة العالميّة، وعلى قرارات الشركات العملاقة. ووفْق بيانات تقرير "دريوري"، يسيطر سبعة مُشغّلين كبار على أكثر من 40 في المائة من حركة الموانئ العالميّة، تتقدّمهم شركة موانئ دبي (دي بي وورلد) الإماراتيّة التي تُشغِّل 78 محطّة في أكثر من 40 دولة، تليها "أي بي أم مينالس" الدنماركيّة بأكثر من 70 محطّة موزّعة بين أفريقيا وأوروبا والأميركيّتَيْن، ثمّ شركتَان صينيّتان هُما "هوتشيسون بورتس" هون كونغ نحو 52 محطّة في 26 دولة، و"تشاينا ميرشانتس هولدينغ" التي تدير 50 محطّة عالَميّاً، بما في ذلك موانئ في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وبما يَعكس استراتيجيّة الصين في تعزيز نفوذها البحري، مُنافِسةً بذلك أوروبا والولايات المتّحدة التي بدأت سيطرتُهما تتآكل تدريجيّاً، مع تراجُع الاستثمارات الغربيّة في البنى التحتيّة البحريّة بسبب التشريعات البيئيّة أو حسابات الجدوى الاقتصاديّة. هذا مع الإشارة إلى أنّ الصين كانت قَبل العام 2000، تدير 16 ميناءً، أمّا اليوم فهي موجودة في 102 ميناء حول العالَم.
الصراع الصينيّ - الأميركيّ
انتبهتِ الولاياتُ المتّحدة متأخّرة لخطورة هذا الملفّ، فاندفعت في اتّجاه شراكاتٍ أمنيّة ولوجستيّة عَبْرَ موانئ الخليج والقَرن الإفريقي. وفي تمّوز/ يوليو الماضي، نَشرت مجلّة "ناشيونال إنتراست" مقالاً مطوّلاً للكاتب "ماثوي فيلان" تحت عنوان: "هل تستطيع أميركا وقْف توسُّع الموانئ الصينيّة؟"، وأوْرَد المقالُ بشكلٍ واضح وجودَ مخاوف من "أنّ توسُّعَ حضورِ الصين في الموانئ العالميّة يُهدِّد أمنَ الولايات المتّحدة ونفوذَها الاقتصادي وتجارتَها الحرّة، ويَجب على واشنطن مُواجَهة نفوذ بكين بتمويل التنمية والضغط الدبلوماسي، والتنسيق مع حلفائها قَبل فوات الأوان".
ومن خلال سيطرتها على الممرّات المائيّة العالَميّة بصورةٍ شبه كاملة منذ الحرب العالَميّة الثانية، نَظرتْ واشنطن إلى الصراع حول الموانئ التجاريّة بأنّه لا يَقتصر على المُنافَسة التجاريّة، بل يَمتدّ إلى النفوذ العسكري من خلال النفوذ الاقتصادي، عَبْرَ شبكة من الاستثمارات والتحالُفات السياسيّة البيْنيّة. لذلك تتزايد المخاوف الأميركيّة بعد دخول الصين بقوّة إلى أسواق أميركا اللّاتينيّة، لتُصبحَ الشريك التجاري الأوّل في المنطقة، تمهيداً لتحقيق هدفها في الوصول إلى الصادرات الأساسيّة لأمنِها الغذائي وأمنِ الطّاقة. وقد تَستثمِر في بعض الموانئ البرازيليّة المعروضة للبيع. ولعلّ أخطر ما يُخيف واشنطن هو وصول الصين إلى المنطقة الجغرافيّة التي تُمثِّل الخلفيّة اللّوجستيّة للإمبراطوريّة الأميركيّة، لأنّ ذلك يُهدِّد النفوذ الأميركي في النصف الغربي من الكرة الأرضيّة. ومن هنا تَبرز أهميّة وخطورة ما يجري في سياق تطوُّر النفوذ الصيني في قناة بَنما التاريخيّة، الأمر الذي قد يَدفع الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى التدخُّل العسكري.
الاستثمار في أفريقيا
تَمتلك أفريقيا شريطاً ساحليّاً بطول 30 ألف كيلومتر، وتَضمّ أكثر من 300 ميناء، وقد دَخلت ساحةَ المُنافَسة الدوليّة، حيث تتسابق الشركاتُ العالَميّة على استثمار موانئها. وبَرزت الصين من خلال شركاتها بتحكّمها في مفاصل لوجستيّة أساسيّة، وهي تَستثمر في 62 محطّة بحريّة وبينها موانئ في نيجيريا وكينيا وأنغولا وتنزانيا. فيما تحاول أوروبا إعادة التموضُع عَبْرَ اتّفاقاتٍ أمنيّة وتجاريّة مع دولٍ مثل السنغال وأنغولا.
وتتمتّع القارّة السمراء بثرواتٍ طبيعيّة وافرة، معظمها لا يزال في باطن الأرض من نفط وذهب ويورانيوم ومعادن ثمينة. وتتوافر فيها فُرص التنمية لمئتي عامٍ مقبلة (وفق تقديراتٍ دوليّة). ولعلّ الأكثر إثارة أنّ 33 ميناءً أفريقيّاً تقع على المحيط الهادي في صورة محطّات لتصدير المعادن، إضافةً إلى منطقة شرق أفريقيا والمحيط الهندي، حيث تركيز 17 ميناء باستثمارٍ صيني، معظمها داخل القَرن الأفريقي. وتُقدَّر الحصّة السوقيّة للشركات الصينيّة العاملة في مجال تطوير الموانئ البحريّة وإنشائها بنسبة 61 في المائة من إجمالي حجْم هذا القطاع.
وفي هذا السياق لا بدّ من التطرُّق الى مصر (الأفريقيّة) التي تمتلك 19 ميناءً بحريّاً تجاريّاً في البحرَيْن الأحمر والأبيض المتوسّط، وهي تركّز على أهميّة موانئها، ولاسيّما منها الٍإسكندريّة وبور سعيد، لقربهما من قناة السويس التي يمرّ عبرها 12 في المائة من التجارة العالميّة، وتُعالج نحو 6 ملايين حاوية سنويّاً، وفيها مركز لإعادة الشحن، تُديره شركة قناة السويس للحاويات، ما يَجعلها هدفاً لاستثمارات صينيّة وأوروبيّة.
موانئ دبي العالَميّة
لطالما شكَّلت الموانئ المصريّة في موقعها الاستراتيجي نقطةَ جذْبٍ للاستثمارات الأجنبيّة، إلّا أنّ الشراكات الدوليّة تسارَعت بشكلٍ ملحوظ منذ العام 2017، مع تزايُد الاستثمارات الخليجيّة، بخاصّة الإماراتيّة منها. وتُعَدّ مجموعة موانئ دبي العالَميّة (دي بي وورلد) من بين أهمّ المجموعات التي توسَّعت في مصر؛ وإضافةً إلى استثماراتها في 12 ميناء في أفريقيا، فهي تُخطِّط لإنفاق 3 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث المُقبلة على البنية التحتيّة الجديدة للموانئ في القارّة السوداء، لتلبيةِ النموّ طويل الأجل الذي يَشمل الطلب المُتزايد على صادرات المعادن الحيويّة. ولوحظ أنّ من أهمّ العوامل الجاذبة للاستثمار أنّ ثمانية من الاقتصادات الخمسة عشر الأسرع نموّاً في العالَم، موجودة في أفريقيا، وفْقَ تقارير صندوق النقد الدولي.
وفي سياق التأكيد على قوّة منصّتِها التجاريّة العالميّة المتكاملة ومرونتِها، أَعلنت المجموعةُ الإماراتيّة عن تسجيلِ أداءٍ ماليٍّ وتشغيليٍّ قويّ في النصف الأوّل من العام الحالي، وذلك على الرّغم من التقلّبات الجيوسياسيّة والاقتصاديّة التي يَشهدها العالَم.
*كاتب ومُحلِّل اقتصادي من لبنان
تحليل BETH 🌍⚓
ما طرحه الكاتب عدنان كريمة في مقاله يُسلّط الضوء على واحدة من أكثر الجبهات سخونة في الجغرافيا الاقتصادية الحديثة: الموانئ، بوصفها الركائز الصامتة لنفوذ الدول الكبرى.
فالمعركة اليوم لم تعد على الأرض أو في الجو فقط، بل على بوابات التجارة العالمية التي تمر عبر البحر. الصين تُدير الآن أكثر من مئة ميناء حول العالم — رقم يكشف التحول من الاقتصاد المحلي إلى الهيمنة البحرية العابرة للقارات. في المقابل، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام تمدد صيني غير مسبوق نحو مناطق كانت تُعد “خلفية نفوذها التاريخي” مثل أمريكا اللاتينية والقرن الإفريقي.
هذا التوسع الصيني لا يعتمد على البوارج، بل على الرافعات والممرات اللوجستية، أي أنه احتلال ناعم بالبنية التحتية. بينما واشنطن — التي هيمنت بحريًا منذ الحرب العالمية الثانية — تحاول الآن ترميم نفوذها عبر تحالفات أمنية وتمويلات استراتيجية متأخرة.
الملف لا يتعلق بالتجارة وحدها، بل بمن يملك مفاتيح الاقتصاد العالمي خلال العقود القادمة. فمن يتحكم بالموانئ، يتحكم بحركة البضائع، وبمزاج الأسواق، وبإيقاع الاقتصادات الناشئة.
وفي العمق، يمكن القول إن العالم يشهد نسخة بحرية من الحرب الباردة الجديدة، حيث تُستبدل الغواصات بالاستثمارات، والجنرالات بالمهندسين، والرصاص بالعقود طويلة الأجل.
🟦 خلاصة BETH:
الصراع على الموانئ هو سباق السيطرة على المستقبل،
والبحر — كما يقول التاريخ — كان دائمًا مرآة النفوذ الإمبراطوري،
لكن في عصر العولمة، صار أيضًا مرآة الاقتصاد الذكي.