أميركا–الصين… تنافُس اقتصاديّ بأبعادٍ جيوسياسيّة

news image

 

BETH | تقرير تحليلي

الكاتب: د. محمد دياب – باحث لبناني في الشؤون الاقتصاديّة والجيوسياسيّة

مقدّمة

يدور بين الولايات المتحدة والصين تنافُسٌ متعدد الأوجه: اقتصاديّ وتكنولوجيّ وعسكريّ وأيديولوجيّ. هو صراعٌ على شكل النظام العالمي الآتي: اقتصادٌ أميركيّ ما زال الأكبر لكنه يشعر بارتجاجٍ في أسس هيمنته، واقتصادٌ صينيّ صاعد بثبات يسعى لانتزاع موقع الصدارة. وسيحسم هذا التنافُس قواعد اللعبة في التجارة، وسلاسل الإمداد، ومعايير التكنولوجيا، وممرات النفوذ.

أولًا: التنافُس الاقتصادي — حرب الرسوم والتقنية

قيودٌ وعقوبات وتصعيد متبادل: اعتمدت الإدارات الأميركية المتعاقبة رسوماً وعقوبات على شركاتٍ صينية، خصوصًا في التقنيات الفائقة وأشباه الموصلات.

معركة الرقائق: انخفضت حصة الولايات المتحدة من الإنتاج العالمي لأشباه الموصلات من 37% (1990) إلى نحو 12% حاليًا، فيما ضخت الصين استثمارات ضخمة في اقتصاد المعرفة والتحديث الصناعي والذكاء الاصطناعي والبايوتقنية.

الترابط العميق يمنع القطيعة: حجم التبادل بين الاقتصادين يدور بين 600–700 مليار دولار؛ «تصفيره» غير واقعي.

أثر الرسوم على الطرفين:

الصين: تعويض الأسواق الأميركية عبر تحفيز الطلب الداخلي وإعادة توجيه الصادرات (أحيانًا عبر دول وسيطة) مع ارتفاع الكُلف.

الولايات المتحدة: محاولة إعادة التصنيع تصطدم بعقبات المهارات وسلاسل المواد الوسيطة القادمة من آسيا، مع أثر تضخّميٍ على المستهلك.

وفق OECD، تتشابك القطاعات الأميركية الأكثر ارتباطًا بالمكوّنات الصينية في النسيج والسيارات والآلات والتجهيزات الكهربائية.

خطرٌ على الاقتصاد العالمي: تعثّر العلاقات بين أكبر اقتصادَيْن يهدد سلاسل الإمداد وسلاسل خلق القيمة عالميًا، ويرفع كلفة التجارة، ويضغط على الاستثمار والطلب والتوظيف.

ثانيًا: الأبعاد الجيوسياسيّة — من «الحزام والطريق» إلى تايوان

تحوّل ميزان القوّة الاقتصادية: تجاوزت الصين الولايات المتحدة في الناتج بالقوة الشرائية (PPP) منذ 2014، مع بقاء الريادة الأميركية في القيمة الاسمية.

مشروعات متنافسة:

الصين: الحزام والطريق لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا بشبكة تجارة وبنىً لوجستية ذات بعدٍ جيو–اقتصادي.

الولايات المتحدة: الممر الهندي–الشرق الأوسط–أوروبا كمشروعٍ مضادّ لتقييد تمدّد بكين.

تايوان… العقدة المركزية:

بكين تراها أولوية سياديّة واستراتيجية لفتح منافذ حرة نحو المحيطين وتأمين مناورة الأسطول، خصوصًا مع مرور أكثر من ثلثي واردات الطاقة الصينية عبر مضيق ملقا الضيّق.

واشنطن تعتبر الحفاظ على «الوضع القائم» شرطًا لصدقيّة ردعها أمام الحلفاء في آسيا.

ثالثًا: عواقب المواجهة (إذا تفاقمت)

الملاحة والتجارة: شللٌ بحري–جوي محتمل في شرق آسيا قد يرفع الكُلف ويُسقط جزءًا من التجارة العالمية. قد تتعزّز الطرق البرية بين الصين وأوروبا لكن طاقتها الحالية لا تحمل سوى ≈10% من تجارة الصين.

صدمة نمو عالمي: أزمة كبرى حول تايوان قد تقود إلى حرب اقتصادية شاملة (تجميد أصول/قيود استثمار/عقوبات)، مع تقديرات بتراجع الناتج العالمي حتى 10% في السيناريوهات القاسية.

أشباه الموصلات في عين العاصفة: تايوان تنتج ≈60% من الشرائح و**≈90% من الرقائق المتقدّمة**؛ أي تعطيل واسع يضرب السيارات والمعدات الطبية والدفاع والإلكترونيات.

تكتلات ومعايير متوازية: تسريع قيام تكتلات تكنولوجية–مالية بمعايير وأنظمة مدفوعات وسلاسل إمداد خاصة، على حساب العولمة كما عرفناها.

حيادٌ انتهازي لدولٍ عديدة: التفافٌ على العقوبات وابتكار ممرات بديلة وخدمات لوجستية لكلٍّ من الطرفين.

سيناريوهات المسار

تنافُس مُدار بقواعد اشتباك (Guardrails): خفض المخاطر، استمرار الربط التجاريّ مع فصلٍ جزئيّ في التقنيات الحسّاسة.

فكّ/تقليل الارتباط (De-risking): انقسام معياريّ أعمق، وتعاظم كلفة الامتثال وسلاسل توريد أطول وأغلى.

تصعيد حول تايوان: اضطرابٌ واسع في الأسواق وسلاسل الرقائق، وركود عالمي مرجّح، وتدهور حاد في الثقة الجيوسياسية.

ما الذي نراقبه؟

قيود التصدير الأميركية على الرقائق وأدوات التصميم/المعدات، وردّ بكين (دعم، ضوابط، مواد نادرة).

إعادة التموضع الصناعي: سرعات «إعادة التصنيع» الأميركية و«التصنيع القريب/الصداقات» في آسيا واللاتيني.

مؤشرات اللوجستيات (شحن شرق آسيا، ملقا، أقساط التأمين) وأسعار مدخلات الإلكترونيات.

سياسات تحفيز الطلب الداخلي في الصين وتماسك قطاع العقار.

مسار الاستثمارات العابرة للحدود ورؤوس الأموال في قطاعات الرقائق والذكاء الاصطناعي والبطاريات.

خاتمة — رؤية BETH

لن ينتهي الصراع بـ«نصرٍ صريح» لأي طرف: حتى لو حافظت واشنطن على وضع تايوان، سيستمر الصعود الصيني؛ وحتى لو تقدّمت بكين في الجزيرة، فلن تتخلّى الولايات المتحدة عن استراتيجية الاحتواء.
أفضل الممكن: تنافُس مُدار يضع حواجز أمان ويُبقي قنوات التجارة والتعاون العلمي مفتوحة في غير «المجالات الحسّاسة».
أسوأه: تسييسٌ كامل لسلاسل القيمة، تكتلاتٌ مغلقة، وصدمةٌ صناعية–مالية تُسرّع تآكل الحوكمة الاقتصادية العالمية.
بالنسبة لاقتصادات المنطقة، يفتح المشهد فرص ممراتٍ بديلة وخدمات لوجستية وبيئات تصنيع قريبة، شرط إدارة المخاطر المعيارية وتحييد التقلبات الجيوسياسية.

✍️ إعداد وتحليل: BETH | عن مقال د. محمد دياب