منطق خارج المنطق
✍️ عبدالله العميره
في حياتنا اليومية نسمع كثيرًا من العبارات التي تبدأ بـ: "أنا إنسان منطقي"، أو "منطقي يقول…"، لكن الحقيقة أن المنطق ليس شعارًا يُرفع، بل أداة تفكير تتطلب قواعد صارمة، نقدًا ذاتيًا، وتجردًا عن الهوى.
المفارقة أن البعض يتشبث بـ"منطقه الخاص"، وكأن المنطق ملكية فردية يمكن تفصيلها حسب المزاج. هنا يولد الخلل: فالشخص لا يستطيع أن يتخلى عن منطقه… لأنه ببساطة لم يمتلك منطقًا في الأصل.
منطق الذات أم منطق الحقيقة؟
المنطق الحق هو الذي يقودنا إلى الحقيقة حتى لو خالفت رغباتنا. أما "منطق الذات" فهو ما يبرر الخطأ ويزين الوهم. وعندما يغيب المنطق الموضوعي، يتحول "المنطق الشخصي" إلى قناع يخفي الفوضى الداخلية.
خطورة المنطق الزائف
الخطر ليس في غياب المنطق وحده، بل في الإصرار على تسميته منطقًا. فحين يؤمن الإنسان أن فوضاه تفكير، يصبح عصيًّا على الحوار والإقناع. وهنا نفهم كيف يمكن أن تتولد الصراعات: كل طرف يرى نفسه عقلانيًا بينما يستند إلى منطق مختلّ.
الهدف: كيف نميز؟
الهدف من هذا التفكيك ليس إدانة البشر، بل دعوة للوعي:
أن نفرق بين ما هو منطق سليم قائم على البرهان،
وما هو "منطق متوهم" قائم على المزاج والمصلحة.
حين ندرك ذلك، نصبح أكثر قدرة على الإصغاء، وأكثر استعدادًا لتصحيح مسارنا قبل أن ندافع عن أفكارنا بلا أساس.
خاتمة
🔹 من لا يملك منطقًا، لا يخسر شيئًا حين يتخلى عنه. والخطر كل الخطر أن يظل مقتنعًا بأنه يسير على جادة العقل، بينما هو غارق في أوهام صاغها ليبرر واقعه.
🔹 كما فعل نجيب محفوظ في "ثرثرة فوق النيل"، حين جعل العبث مرآة للواقع، يظل الترميز أحيانًا الطريق الوحيد لكشف حقيقة المنطق بلا منطق؛ لأن المباشر قد يُغلق الأبواب، بينما الرمز يفتح العقول على مصاريعها.
🔹 المنطق بلا منطق… هو ما يجعل الترميز أصدق من التصريح.
في بدايات النضج: العقل يتوهم أنه يملك المنطق.
عند النضج الحقيقي: العقل يدرك أن المنطق لا يُخترع، بل يُكتشف.
المنطق خارج المنطق
حين يبلغ العقل مرحلة النضج، يكتشف أن كثيرًا من "المنطق" الذي تبنّاه في بداياته لم يكن سوى وهم مزيّن، أو محاولة بائسة لإقناع الذات بما لا يستقيم. هنا تتجلى المفارقة: أن الطريق إلى المنطق الحقيقي يبدأ أحيانًا بعبور أرض اللا-منطق. وعندها فقط يدرك الإنسان أن الحكمة ليست في التمسك الأعمى بالمنطق، بل في القدرة على تمييز حدوده، والتجرؤ على تجاوزه حين يصبح مجرد قيدٍ لا يفسّر الحياة.
