مرّة أخرى الاستشراق والغرب

news image

 

د. عبد الله ابراهيم*

 

ظَهر الاستشراقُ تعبيراً عن رغبة الغرب في معرفة الأغيار المُختلفين عنه، وربّما الهيْمنة عليهم، ظَهر حينما أسفرتِ الحضارةُ الأوروبيّة عن هويّتها الاستعماريّة التي انبغى عليها معرفة الآخرين، ولا تنفصل المعرفة عن سياقها، فتكون متشبّعة به، فمعرفة الآخر لا تنتهي باستيعابه، فحسب، إنّما يغلب أن تنتهي بالسيطرة عليه. وبالجهل استبدل الغربيّون المعرفة، فحلّ الاتّصال بالشرق محلّ الانفصال عنه.

وكان أن قدّم الاستشراق إسهامتِه في فكّ مغاليق العالَم الشرقي، فقد حُلّت شيفرات اللّغات القديمة، ما أحيا معرفةً مفقودة بحضارات الشرق، كالهيروغليفيّة، بفضل حَجَر رشيد، وما نَتج عنه من انكشاف دياناتِ المصريّين القدامى ومعارفِهم؛ والأكاديّة والآشوريّة والبابليّة، فاكتُشف تاريخ بلاد الرافدين، بما في ذلك ملحمة غلغامش، وشرائع حمورابي، وسجلّات الملوك القدامى؛ والسومريّة في جنوب العراق القديم بفضل الألواح الطينيّة في أوروك وأور؛ والحثّية في الأناضول التي دلّت على وجود إمبراطوريّة قويّة لها ثقافة ودين؛ والأوغاريتيّة في سوريا، وبها انجلَت ديانات الكنعانيّين وثقافاتهم؛ والعيلاميّة في جنوب غرب إيران، ومفتاحها النقوش الأخمينيّة، وهي لغة مَملكة عريقة عاصَرت سومر وبابل. وتبيّن أنّ العوالِم الشرقيّة تعوم على تواريخ، ومُعتقدات، وآداب، وحضارات لم يكُن أهلها يعرفونها، ولا يعترفون بها، وكثيرٌ منهم عدّوها قرائن على الحقب الوثنيّة.

وكان لذلك وجهان: وجه تمثّل في معرفة الأمم الشرقيّة ماضيها البعيد، وانكشفت لها أصولها، وثقافاتها، وأديانها، وتواريخها، وذاك مكسب ما كان سيتحقّق في المدى المنظور لولا جموح الاستشراق الذي غاصَ في باطن الأرض، كما غاصَ في بطون المدونّات، وأظهره للعَلن. ووجهٌ آخر تمثّل في توظيف جانبٍ من تلك المعارف في هيْمنة الغرب على الشرق. ولم يُهمل الاستعمارُ انكشافَ خرائط العوالم الشرقيّة أمامه، فقد جعله ذلك على دراية بحاضر الأمم الشرقيّة وبماضيها، وبالقطع، فقد انتفع بها حيثما اقتضى أمر معرفة الأغيار. ولكنّ الاستعمار بذاته حركة جامحة للسيطرة على الشرق تختلف عن حركة الاستشراق الهادفة إلى إنتاج معرفة عنه. وفي مثل تلك الظروف لا ينعدم التواطؤ، لارتباط المصالح والمنافع، فالإدارات الاستعماريّة لا تُقدم على خطوة من دون أن تعرف محلّ قدمها، وقد وفَّر الاستشراقُ شيئاً من ذلك، كما أنّ الدوائر الاستشراقيّة احتمت بنفوذ المُستعمِرين من حيث تأمين الارتحال، والحصول على المخطوطات بما يترتّب عليه من لوازم الأمن والتكاليف.

خدمةٌ غير مباشرة للاستعمار

وفي حدود ما يخصّ الرحّالة والمُستكشِفين، فقد ارتبطَ كثيرٌ منهم بالجمعيّات الجغرافيّة الشرقيّة، وكانت من أذرع الإدارات الاستعماريّة، وعُهد لها إعداد الرحّالة، وتسهيل ارتحالهم مُتنكّرين، ثمّ استقبال مدوّناتهم الخطيّة، وتحريرها ونشْرها، وإعداد خرائط تفصيليّة بالاعتماد عليها للصحاري والجبال والبحار والأنهار، اعتمدَ بعضُها أدلّةً من طَرَفِ تلك الإدارات في معرفة الأقوام والقبائل، وحتّى المَذاهب والطوائف، وبها استَدلّ كبار الضبّاط في معرفة الفيافي المُنقطعة. وأَغرت كتبُ الرحلات بونابرت في غزو مصر، واصطحبَ معه مؤلَّفات "فولني" و"سفاري" اللّذَيْن تَركا وصفاً خلّاباً عن مصر يُغري بالسيطرة عليها، وهي من الكُتب المفضَّلة عنده وضبّاط الحملة. ولكنّ الاستعمار نظامُ سيطرة اتَّخذ أشكالاً عسكريّة، وسياسيّة، وإداريّة، واقتصاديّة، وثقافيّة، وهو من نِتاج التحوّل في ميزان القوى بين الغرب والشرق منذ نهاية القرن الثامن عشر، ونَتج عنه تمزيق الأقاليم إلى بلاد، وتقسيم الأُمم إلى شعوب، واصطَنع حدوداً، وهويّاتٍ لم تكُن معروفة من قَبل، وهو تعبير عن إرادةٍ إمبراطوريّة توفَّرت لها أسباب القوّة والطموح في مدّ نفوذها إلى خارج مجالها.

ولم يؤدِّ الاستشراقُ المعرفي إلّا خدمةً غير مباشرة للاستعمار، إنّما قدّم العون له الاستشراقُ الوظيفي وقوامه عددٌ كبير من: الرحّالة، والمبشّرين، والقناصل، والسفراء، والجواسيس، والأثريّين، والمنقّبين، وشركات التجارة، وأساطيل الملاحة، والقواعد العسكريّة، والسفارات والقنصليّات، والجمعيّات الجغرافيّة، فوطَّدت كلّها أركانَ الاستعمار، أو مهَّدت له السُبل، وعلى الرّغم من ذلك، لم يَنخرط جلُّ المُستشرقين في خدمة الظاهرة الاستعماريّة، فقد أَصبح الاستشراقُ نِطاقَ عمل، وبحث، ومعرفة، وكثير من الدول الأوروبيّة لم يتورّط في الإثم الاستعماري، كألمانيا، وروسيا، وبولندا، وجزئيّاً هولندا، وإسبانيا، وإيطاليا، على أنّ عموم المعرفة الاستشراقيّة حملتِ الشرقَ إلى الغرب، وسهَّلت السيطرةَ الرمزيّة أو الفعليّة عليه.

ومع ما يبدو عليه الاستشراق من الأخْذ بمنهجيّةٍ وافية في التدقيق والتوثيق، ومع ما يَظهر به غالب المُستشرِقين من نزاهة، فسياق الظاهرة الاستشراقيّة مُرتهنٌ لرؤيةٍ غربيّة تَرى في العالَم الشرقي موضوعاً، إمّا للاستغلال، وإمّا للإدهاش، وحقَّق النّطاق الأوّل غايته بالاستعمار الذي ربطه بالحواضر الغربيّة حتّى ما عادَ له حقّ النّظر إلى نفسه إلّا من خلاله، ونَتج عن ذلك علاقةُ تابعٍ شرقيّ بمَتبوعٍ غربيّ، وحقَّق النّطاق الثاني غايته بالمباحث الثقافيّة التي انتهت بتأويل العالَم الشرقي على أنّه كتلة بشريّة فيها من الخمول بمقدار ما فيه من العجائب. فليس من الغريب أن يَترافق نموّ الاستشراق مع نموّ الاستعمار، فالاستعمار كفلَ للاستشراق شرعيَّته بوصفه بحثاً طرأ ولم يكُن، فيما كان الاستشراقُ بالنسبةِ إلى الاستعمار أداةَ سبْرٍ لمعرفة العوالم الشرقيّة. وقد وقع استثمارُ بعض نتائجه في غَير أغراضه المعرفيّة، ولكن من سوء التقدير الذهاب إلى أنّه لم يؤدّ دَورَه في فتْح المنافذ بين العالمَيْن الشرقيّ والغربيّ. ولا يُقبل إبطال فائدة جليلة لسوء استخدام نسبيّ فيها، فلم يكُن في وارد الاستشراق الإساءة للشرق عن عَمدِ، فحافزه التعرّف إليه، وإنْ نتجَ ضررٌ عن معرفته، فهو دون ضَرَر الجهل الذي خيَّم على العالمين قَبل ذلك.

ولا يُباح ربط سوء استخدام المعارف بسياق نشأتها، ولا بثمارها النافعة، ومن بعض ثمار الاستشراق: الفهارس الكبرى للقرآن والحديث، وتحقيق معاجم العربيّة، وإعداد فهارس المخطوطات العربيّة في معظم مكتبات العالَم، وتحقيق مدوّنات الحديث النبوي، ونشْر كُتب السِّير والمغازي، ومؤلّفات عِلم الكلام، ودواوين الشعر، وكُتب الجغرافيا، والفقه، والتاريخ، والأدب، وتحقيق أعمال المتصوّفة، وطبقات المحدّثين، والحكماء، والعلماء، والفقهاء، والشعراء، والقصّاص، والزهّاد، وتحليل الآثار الشعريّة والسرديّة، ودراسة الفنون الإسلاميّة من عمارة، وزخرفة، وخطّ، وكتابةُ تاريخ العلوم الدينيّة والدنيويّة عند العرب، وإجراء دراسات مقارنة بين اللّغة العربيّة وشقيقاتها الساميّات، وتدوين النقوش القديمة، وحلّ شيفراتها، وبناء تواريخ الأُمم القديمة، والعثور على اللّقى الأثريّة المطمورة، وترميمها والحفاظ عليها، وإصدار المجلّات المُختصّة، وفتْح الأقسام العلميّة في كبرى الجامعات، وتأسيس مراكز للأبحاث، وتعريض التراث العربي - الإسلامي لدراساتٍ معمّقة بمناهج لغويّة أو تاريخيّة أو مُقارنة، فإن كانت الغايةُ من وراء كلّ ذلك استعمار الشرق، فهو من اللّغو الذي لا معنىً له في مجتمع المعرفة، لأنّ معظم تلك الأعمال المحقَّقة، والمنشورة، والمُترجَمة، وهي بعشرات الآلاف، كانت مجهولة لدى سائر العرب والمُسلمين، ونُسَخُها الخطيّة نادرة، ولا تَعرف بها إلّا حفنة من المعنيّين بها، وقد نفخَ الاستشراقُ فيها الروحَ تحقيقاً، وضبْطاً، ونَشْراً، وفهْرَسَةً، ودراسةً، وبحثاً.

وليس مطلوباً من أهل الشأن التعامي عن كلّ ذلك بذريعة ضررٍ آخر صَدَرَ من الغرب، وهو الاستعمار، فمعظم ما كان يتوفّر بين أيديهم، حتّى منتصف القرن العشرين، من ثقافاتهم ومأثورهم، هو ممّا نشره المُستشرقون، وإن كان فيه أخطاء، وسوء قصد، فذلك لا يغمط أهميّته القصوى للمُسلمين قَبل سواهم، فقد عرفوه بعدما كانوا جاهلين به. وإن انتفعتِ الإداراتُ الاستعماريّة، بخاصّة البريطانيّة والفرنسيّة، من أعمال فئةٍ أخرى من الباحثين بُعثوا إلى حواضر الشرق وبواديه لتكوين معارف تُمهِّد الطريق للاستعمار، فهم يَندرجون من ضمن فئة "الاستشراق الوظيفيّ"، وهو غَير "الاستشراق المَعرفيّ". وقد بَسَطَ الاستعمارُ سيطرَته على أنحاء الشرق بالحملات العسكريّة التي لها أهدافها، وخططها، وخرائطها، وضبّاطها، وأساطيلها، وسلاحها، ولا تشكّل المعرفةُ الاستشراقيّة شيئاً يُذكر في آلة الاستعمار الذي أدارته إمبراطوريّات لا تكاد تغيب عنها الشمس، فاستعمرت أراضي عشرات الأُمم، بما لديها من إمكانات، وخبرات، ووسائل، وهي تعرف أهدافها أفضل من سواها. فإنْ جرى القول بأنّ الاستشراق هو الذي تولّى ذلك، فلا يعدو غير تخليط صدر عن جاهلين بظواهر غيّرت مصائر الأُمم، فإمّا يُراد به تضخيم الاستشراق بربطه بظواهر عدوانيّة خطيرة، وإمّا بتقليل شأن تلك الظواهر بجعْلها من صنيعة الاستشراق، وعلى مدى تواريخ الحملات الاستعماريّة، فإداراتها توفّر لها أسباب الغزو والسيطرة، ومن قبيل الهذر القول إنّها تعتمد في ذلك على لغويّين، ومُفهرِسين، ومُحقّقين، وباحثين في الآداب والأديان والأفكار، فبهؤلاء، وبآلافٍ من أمثالهم لا يتحقّق أيّ غزو ولا استعمار، والصنف الغالب من المُستشرِقين لا يفيدها، ولم تكُن الغاية من أعماله إفادتها، وربط الأشياء بتلك الطريقة مصادرة على المطلوب، بافتراض صواب نتيجة بالرغبة في إثباتها بمقدّمات خاطئة، فكلّ ذلك من مغالطات الجدل المنطقي.

الحداثة وتوْسعة النفوذ الغربيّ

ليست هذه مُرافَعةً عن الاستشراق، فغايتها تقدير أهميّة التفاعُل بين الأُمم، وقبول ما يتأدّى عن ذلك من سوءِ فهْم، فإذا كان الأمر كذلك، فما وجهُ الارتياب بأعمالِ المُستشرِقين، وأحياناً النيل منهم، يعود ذلك إلى أمرٍ مختلف غَير قضيّة الاستعمار، أمر له صلة بمنظوراتهم، ومناهجهم، والنتائج التي انتهوا إليها في دراسة المأثور الإسلاميّ، وعموم الثقافة العربيّة - الإسلاميّة، وفي غالبها لا تستجيب لتوقّعات العرب والمُسلمين الذين عهدوا طرائق متوارثة في درْسِها وتداولِها، فإذا بهم يَجدون أنّ موروثَهم ينطق بغَير ما يريدونه هُم، ويُظهِر بغَير ما اعتادوا عليه، وقد أسفر عن وجهه بغَير ما كان يَحتجب به، فعزَّ عليهم أن تتناهَبه رؤىً ومناهج مجهولة عندهم، فكأنّه وقع الاستحواذ عليه، وامتلاكه، وإنطاقه بغَير ما يدلّ عليه، فهم يريدون أن يَنطق الآخرون بألسنتِهم، ويَروا الأشياء بأعيُنِهم، وذلك من أكثر أشكال سوء التقدير ضَرراً، والمتوقّع منهم خلاف ذلك، وهو قبول النظر إلى موروثهم بعيونٍ أخرى شرط عدم الإساءة، والامتناع عن التجريح. والحال، فإنّ قلّةً من الغربيّين والشرقيّين عكّروا صفوَ التفاعُل الثقافي بين الطرفَيْن، فكلّ ما لا يُوافِق توقّعاتهم جَعلوه عَملاً صادراً عن سوء نيّة، ولو تُرك الأمر لهم لحالوا دون أن يتبادل أهل الغرب والشرق المعارف التي تتيح لهم التعرّف إلى بعضهم بعضاً.

وفي الحكم الأخير على ما جرى، فالتعارُف بين العالَمَيْن الشرقيّ والغربيّ، على ما فيه من بعض سوء ظنّ، وتوجُّس، واشتباه، ومَخاوف، لا يُقاس بقيمة الصلات التي انعقدت بينهما، وكان للاستشراق فضلٌ كبير في ذلك. وفي كلّ زمان ومكان تَنتدبُ فئةٌ قليلة نفسَها إلى تلطيخ أعمال الفئة الكبيرة، فتُضخِّم ما لا يستحقّ التضخيم، وتوقِد الفتنةَ بين أُممٍ تَجِدُ التعارف سنّةً من سنن الحياة، والبحث عن الأشرار بين جموع الأخيار يَجد له دائماً ما يؤكّد زعمه. ولم يكُن المُستشرقون أبداً من جنس الملائكة.

وفي حصيلته العامّة، نَشأ الاستشراقُ في دائرتَيْن مُتداخلتَيْن: دائرة ثقافيّة دينيّة، وهو الاستشراق المعرفيّ، ودائرة سياسيّة استعماريّة، وهو الاستشراق الوظيفيّ، وتمثّلت الأولى بمَدار البحث في شؤون الأديان، حيث جَرى الانتفاع من مكاسب النقد التاريخيّ تجريدَ النصوص من اللّاهوت الذي غطّاها طوال العصور الوسطى، وأخذ المستشرقون بذلك في تحليل المأثور الإسلاميّ، وتمثّلت الثانية في بروز الهيْمنة الغربيّة على العوالم الشرقيّة، وحاجة الاستعمار الغربيّ إلى معرفة الشرقيّ لتسهيل فهمه، فوضع الشرق تحت نظر الغرب. وكما أنتجت الحداثة نقداً للأديان والثقافات القديمة، فقد وسّعت من النفوذ الغربيّ للسيطرة على العالَم. وإلى ذلك، فلم تكُن الترِكةُ الاستشراقيّة موحّدة في مناهجها وفرضيّاتها، فقد كانت مُقترنةً اقتراناً وثيقاً ببيئاتها الثقافيّة والدّينيّة والسياسيّة، فالجزء المتّصل بالدول التي لم تَنخرط في المشروع الاستعماريّ غلبَ فيه النزوع المعرفيّ، واستعانَ بالمناهج التاريخيّة واللّغويّة. أمّا ذاك الذي نشطَ في الحواضر الاستعماريّة، فتأثّر بنزعةِ التفوُّق، ورغبةِ الهيْمنة على الشرق.

وفي عموم أمر الاستشراق يُقطع بأمر، ويُبحثُ في آخر، فأمّا القطع، فهو أنّ كبار المُستشرقين لعبوا دوراً لا نظير له في خدمة الثقافة العربيّة - الإسلاميّة تحقيقاً، ونشْراً، وتحليلاً، وشملَ ذلك سائر حقولها قَبل مدّة طويلة من اهتمام أهلها بها، ولولاهم لبقيت محجوبة أو لتأخّر حجْبُها طويلاً، فإليهم يَرجع الفضل في إظهار المظانّ الدّينيّة، والتاريخيّة، والجغرافيّة، واللّغويّة، والأدبيّة. واتّبعوا طُرقاً دقيقة في تحقيقها، وفي إشاعتِها بين الباحثين. وأمّا البحثُ، وفيه نَظر، فينصرف إلى أنّ معالجتهم المأثور الإسلاميّ جاءت بطُرُقٍ قد لا تَستجيب لتوقّعاتِ أهلها، فغالبها صدرَ عن منظورٍ غربيّ له صلة بأحوال المُستشرِقين، وإعدادِهم المنهجي، ومرجعيّاتِهم الثقافيّة والدّينيّة، ونَفَذَ شيءٌ كثير من ذلك إلى أعمالهم التي لا يصحّ تجريدها من مؤثّرات عصرها، فالمُستشرقون منغمسون في ثقافات مُجتمعاتهم وعقائدها، ولا يُطلب منهم النطق بثقافات مجتمعاتٍ أخرى وبعقائدها. ولا يجوز إرغامهم على الأخْذ بما يرغب فيه العرب والمُسلمون.

*باحث وناقد من العراق