الوجه الآخر للتعليم
✍️ الكاتب: محمد السفياني
كانت الأمية إحدى مناقب نبينا محمد ﷺ لإثبات صدقه، وأنه لم يأت بما جاء به عن سبق معرفة أو اطلاع أو علم، أو عن مهارة في نظم الحروف والكلم، بل تنزيل من حكيم عليم. ومهما ظننت كمال المعرفة، ستجد من هو أعلم منك؛ فكليم الله تعالى موسى حين ظن أنه أعلم أهل الأرض، أُخبر بوجود من هو أعلم منه، فذهب يبحث عنه، فلقيه وتعلّم منه، وهو الخضر عليهما السلام.
وبعد أن خلق الله تعالى آدم أبا البشر، علّمه الأسماء كلها، أي كل ما يمكن أن يستوعبه عقل ذريته. لذا فإن التعلم عملية حتمية، نمارسها طوعًا أو جبرًا لنعيش ونتعايش مع الآخرين. ولا يوجد إنسان جاهل بكل شيء، بل الجميع يعلم شيئًا ويجهل آخر، فالتعلم عملية مستمرة لا يحدها مكان أو زمان، ولا يقف أمامها إلا حدود العقل البشري.
وقد حثّنا النبي ﷺ على التعلم، ورغّبنا فيه، ودعا لابن عباس رضي الله عنه بذلك، لندرك أن التعلم سبيلنا لإعمار الأرض كما أمرنا الله.
التعليم قبل التعليم
بدأ التعليم الرسمي في بلادنا المباركة قبل أكثر من قرن، ويُطرح السؤال: كيف عاش الأجداد قبله؟
لقد عاشوا برغد وفق مهارات اكتسبوها من علوم توارثوها في الطب، والهندسة، والفلك، والحساب، والزراعة، والمهن اليدوية. بهذه العلوم "عمروا الأرض وأقاموها". وعندما فُتحت دور التعليم الرسمي، لم ينضم إليها الكثير في البداية، لاعتقادهم أنها لن تضيف لهم شيئًا. لكن أبناءهم الذين التحقوا بالمدارس تعلموا وتميّزوا، وخرج منهم العلماء والمفكرون والرواد، حتى بلغوا عنان السماء وصولًا إلى الفضاء.
لم يكن التعليم الرسمي وحده السبب، لكنه نقلهم من العشوائية إلى النظام، ومن الغسق إلى النور، ومن الحرية المطلقة إلى الانضباط. ومع تضافر ما ورثوه من علوم مع ما تعلموه في المدارس، وصلوا إلى قمم ما كنا لنبلغها لولا التقنية الحديثة.
نموذج بارز: خميس بن رمثان
من أبرز أمثلة ذلك الجيل: خميس بن رمثان، "بوصلة الصحراء"، الذي امتلك علم النجوم ومعرفة الكثبان واتجاهاتها. ومع اندماج مهاراته بالعلوم الحديثة، ساهم مع فريق التنقيب في اكتشاف النفط في صحراء الربع الخالي، لتبدأ قصة التحول الاقتصادي التي غيّرت مسار المملكة وأضاءت العالم.
التعليم الذاتي: الجيل الجديد
اليوم نجد شبيهًا لذلك الجيل في أبطال التعليم الذاتي، الذين جمعوا بين التعليم الرسمي والقدرة على تطوير الذات. فالتعليم الذاتي أصبح له وسائل عديدة، حتى إن التعليم الرسمي نفسه بات يعتمد عليها.
فهد الأحمدي: الكاتب الذي جاب بنا العالم من مقالاته وكتبه، على مدى 28 عامًا كتب 9520 مقالًا، وألّف مؤلفات أصيلة ثرية، رغم أنه لا يحمل إلا شهادة الثانوية – وربما أقل.
مشاري الذايدي: محلل وكاتب وإعلامي لامع، يمتلك لغة رصينة ومهارة استقراء وتحليل دقيقة، يكتب بأسلوب مختصر عميق، ولم يكمل الثانوية العامة.
الخلاصة
التعليم الرسمي وما ينتج عنه من مهارات لا يكفي ليجعل منك نجمًا ساطعًا، لكنه يقطع بك أكثر من نصف الطريق. أمّا النصف الآخر فهو بيدك عبر التعلم الذاتي: أن تختار موادك، وتختبر نفسك، وتصحح لها.
التعليم الرسمي ضياء، والتعليم الذاتي نور. يتعاقبان في سماء وطن طموح، بمجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر.