خديعة الجهل

news image

 

✍️  عبدالله العميره

في زمنٍ تتسابق فيه الأصوات عبر وسائل التواصل، يظل الوعي هو المعيار الفارق بين الفهم والتأويل، بين الحقيقة والزيف.

مؤخرًا، تناقلت وسائل التواصل قصيدةً مرادة بين شاعرين، غايتها التسلية وإبراز الذكاء الشعري. غير أن الشاعر الكبير، بما يحمله من قوة في الصورة وعمق في اللغة، تجاوز مدارك بعض المتلقين، ففُهمت أبياته على غير مقصدها، وتحولت المدحة إلى ما يشبه التثليب. حتى جاء عقلاء القبيلة وصححوا الفهم، مظهرين أن الشاعر لم يقصد إساءة قط.

إنها لحظة تختبر وعي الجمهور:
هل نقرأ النص بعين متجردة تستوعب الصورة الكاملة، أم نختصره في سطحية المعنى؟
الشاعر الكبير، كفحول المعلقات، ينحت أبياته كأنها مشهد حي، لا يُستوعَب إلا بعقلٍ مفتوح، وإلا فالصمت أكرم من مجاراة حصانٍ لا يلحقه إلا من يجاريه في الفهم.

ولكي ندرك خطورة غياب الوعي، تكفي قصة الإمام الجاهل في رمضان: رجل نصف متعلم تظاهر بالعلم، فأمّ قومًا بعبارات مضحكة صادمة:

“يا أيها الناس الخبالا، يا ساكنين تحت الجبالا، كسوتهم من جزة غنمهم، ربي صرمهم، هم وغنمهم…”

ردّد القوم خلفه “آمين”، يظنونه قرآنًا! حتى إذا تنحنح عاقل بينهم اعتراضًا، تابع الإمام لعبته:

“يا أيها المتنحنحون، إنهم بقر لا يفهمون، الشرط أربعون، لك شرون، ولنا عشرون…”

ضحك مرّ، لكنه يكشف حقيقة مُرّة: الجهل إذا تُرك بلا وعي، يصبح صناعة مربحة لأشباه العلماء والإعلاميين المزيفين.

ويبقى السؤال الصادم:
أيهما أخطر؟ ترسيخ الجهل… أم تأصيل العلم؟

الجواب بديهي لمن يريد الاستدامة:
إذا أردتم بناء المستقبل، أشغلوا الشعوب بالعلم والمعرفة.
وإذا أردتم هدمه، فاتركوا الناس في إعلامٍ كإمام الجهل، يضحكهم ويشغلهم بخزعبلاته… بينما يُصلي بهم إلى الخراب.

هل نحن جميعًا كذلك؟
سؤال يفتح باب الوعي على اتساعه. فالجهل ليس حكرًا على مجتمع دون آخر؛ إنه حالة إنسانية تتفاوت في شدتها وطرق استغلالها.

قد نخدع أنفسنا أحيانًا بجهلٍ ندركه أو نغفل عنه، بينما يستثمر فيه آخرون ببراعة. لكن الحقيقة الأوسع: أن بقية شعوب العالم كذلك، تواجه نفس الامتحان بين الوعي والخديعة، بين المعرفة والتضليل.

يبقى الفارق فيمن يجرؤ على الاعتراف والبحث عن الحقيقة، وفيمن يستسلم للجهل فيصير ضحية مستمرة له.