الجزء الغائب

news image

🖋️ عبدالله العميره

يُخيَّل إليّ أحيانًا أن الصحفي ليس سوى صندوق أسرار.
جزؤه الأسفل مغلق بإحكام، لا يُفتح إلا لصاحبه، بينما الجزء العلوي يبقى مواربًا على الهواء والعيون، أشبه بـ معملٍ لصناعة الكلمات، حيث تُصهر المعادن الخشنة لتُصاغ أخبارًا ناعمة، ويُعاد تشكيل الفوضى إلى سردٍ مفهوم.

في ذلك الصندوق، لا يَستريح السرّ طويلًا. منه ما يُستخرج ليُلمَّع ويُعاد تشكيله في هيئة مادةٍ صالحة للعرض، ومنه ما يظلُّ راقدًا، لا يليق به النور ولا تصلح له المنابر. إنها مهنة تتغذّى على التوازن الدقيق بين ما يُقال وما لا يُقال، بين ما يُكتب وما يُمحى، بين السرّ والعلن.

غير أن هذا التوازن ليس أبديًّا.
فالصحفي الذي يظلّ عقودًا يحيا بين الصندوقين، يُرهقه الفرق بين ما يُقدَّم للناس وما يُدفن داخله. وحين يطول الأمد، قد يُراود المرءَ إحساسٌ بأن التعب تراكم، وأن الجهد سُكب في بحرٍ لا يرتدُّ ماؤه. وربما يجد نفسه متسائلًا: هل حان وقت إغلاق الصندوق وإيداع مفتاحه في مكان سري؟

إنها ليست لحظة ضعف، بل لحظة صدق.
فالذي عاش أربعين عامًا بين المهنة والرسالة، لم يبرع في النفاق ولا يتقن التزلّف. ترك ذلك لغيره ممن امتهنوا المسايرة أو استسهلوا الولاء الزائف. أما هو، فاختار أن يبقى مخلصًا للوطن، وللقارئ في كل مكان، يزوّده بما يحتاج أن يعرفه العالم، لا بما يُملى عليه أن يُردّد.

قد يجدون من هو أمهر في لعبة الوجوه، وأبرع في عزف ألحان الجماعات. لكنهم سيبحثون طويلًا عن من يُجيد شيئًا آخر: أن يحوّل التجربة إلى حكمة، والخبرة إلى بصيرة، والممارسة إلى أثر لا يزول.

ولعل هذا وحده ما يبقى.
فمن يظن أن الصحافة مهنة تُورّث المال أو الجاه، يخطئ قراءة التاريخ. إنها مهنة تُورّث المعنى، وربما — عند بعضهم — تترك ندوبًا خفيّة.

وما بين صندوقٍ يضجّ بالأسرار، وآخر يفيض بالقصص، يظلّ السؤال مفتوحًا: هل حان وقت أن يغلق الصندوقُ على ما تبقّى… ويكتفي صاحبه بما أطلق من قبل؟

المعنى

الرجال أربعة

نُسب القول بـ "الرجال أربعة" إلى شخصيتين تاريخيتين مختلفتين: الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه، والخليل بن أحمد الفراهيدي. والمقولة تدور حول تقسيم الناس بحسب مراتب العلم والإدراك.

صيغة الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

"الرجال أربعة: رجلٌ يعلم ويعلمُ أنه يعلم، فذلك حكيمٌ فاتبعوه؛
ورجلٌ يعلم ولا يعلم أنه يعلم، فذلك ناسٍ فذكروه؛
ورجلٌ لا يعلم ويعلم أنه لا يعلم، فذلك جاهلٌ فعلموه؛
ورجلٌ لا يعلم ولا يعلم أنه لا يعلم، فذلك أحمقٌ فاجتنبوه".

صيغة الخليل بن أحمد الفراهيدي:

"الرجال أربعة: رجلٌ يدري ويدري أنه يدري، فذاكَ عالمٌ فاتبعوه؛
ورجلٌ يدري ولا يدري أنه يدري، فذاكَ نائمٌ فأيقظوه؛
ورجلٌ لا يدري ويدري أنه لا يدري، فذاكَ مسترشدٌ فأرشدوه؛
ورجلٌ لا يدري أنه لا يدري، فذاكَ جاهلٌ فارفضوه".

ملاحظة

كلا الصيغتين تلتقيان في جوهر واحد: تصنيف البشر بحسب وعيهم بمعرفتهم. الفوارق تكمن في الألفاظ: حكيم مقابل عالم، ناسٍ مقابل نائم، وأحمق مقابل جاهل.

وأنت، أيها القارئ الفطن… وأنت الآخر، كيف تقرآن في المعنى؟!