لغة الجماهير بين الملعب والشاشة
✍️ عبدالله العميره
مدخل
كرة القدم ليست مجرد لعبة يتابعها الملايين، بل هي خطاب، وثقافة، ومرآة تعكس مستوى الوعي الجمعي. حين نحلل لغة الخطاب الموجهة للجماهير، ندرك سريعًا أن المسألة أبعد من مباراة تُكسب أو تُخسر، أو لقب يُفرح أو يُحزن. نحن أمام صناعة رأي عام، وتوجيه عقول، ورسم مسارات اجتماعية.
ولطالما قلتُ، وأزعم أنني ابتدعت هذا القول:
«أيها الإعلامي/الصحفي… انزل لمستوى الناس لترتقي بهم».
هذه ليست دعوة للتسطيح، بل لوصفة دقيقة تتطلب معرفة عميقة بالصحافة، وبعلم النفس الصحفي، وفهمًا لنوعية الجمهور، وطرائق تفكيره.
في المقابل، يسود القول الدارج: «المخرج عاوز كده… والجمهور يفهم هذا!»، وهو ما يعكس عقلية استسهال، واستثمار في الجهل، وتسليم زمام الإعلام إلى الإثارة السطحية بدلًا من الوعي الراسخ.
لغة الخطاب وقياس المجتمع
السؤال الذي قد يبدو بسيطًا، لكنه خطير في عمقه:
هل يمكن قياس مستوى الجمهور (أو المجتمع) ودرجة ثقافته، من خلال لغة خطاب الإعلام؟
الإجابة العلمية: نعم.
هناك جمهور لا يفهم إلا بلغة بسيطة، قريبة من العامية والشعبية.
وهناك جمهور لا يستوعب إلا إذا جُرّ إلى فكره المسطح ومفرداته الضيقة.
وهناك جمهور ذكي، مثقف، واعٍ، يحتاج خطابًا رصينًا ، وهادفاً، ومشوقا في ذات الوقت - يرتقي بالعقول ويثريها ، ويمتعها.في العالم العربي، ومع الأسف، اعتاد كثير من الإعلاميين على الاستثمار في الجهل والتسطيح لمجاراة العقول السطحية، بدلًا من العمل على تطويرها.
بل ستلاحظ أن بعض الأندية الأقل رقيًا تحظى بشعبية واسعة في مجتمعات يغلب عليها هذا النمط، ويمكن ببساطة إدراك ذلك عبر متابعة تعليقات الجماهير في البرامج والمنصات.
وذلك عن عمدٍ أحيانًا،
أو لأن فاقد الشيء لا يعطيه…
إذ إن من يتعمّد تسطيح العقول لا بد أن يستعين بـ مُسطّحٍ ثرثارٍ يجهل الأسلوب الراقي!
الرياضية والبرامج المنسوبة للترفيه (مسلسلات وأغاني ، وأفلام وبرامج تافهة )؛نموذجًا
لماذا أركز على البرامج الرياضية بالذات؟
لأنها الموجّه المباشر للشباب، ولأن الشباب هم أداة البناء أو الهدم في أي بلد في العالم. الإعلام الرياضي يملك أسرع وأوسع تأثير على وعيهم وسلوكهم.
في بعض الدول، يُشغلون الشباب بالمخدرات أو الملهيات تحت بند "الترفيه".
أما عندنا، فقد تحولت كرة القدم عند بعض البرامج إلى وسيلة لتعميق الخلافات بين الشباب، بإعطاء القيادة لخطاب غوغائي، سطحي، فارغ، يلهب التعصب ويكرّس الانقسام. ومن وراء هؤلاء من يدعم ويغذي هذا النهج، في وضح النهار.
أمثلة حيّة
أكشن مع وليد: يعتمد الإثارة بشكل فاضح، يستهدف فئة محددة من الجمهور الباحث عن "الأكشن" ولو كان فارغًا.
نادينا: أكثر اعتدالًا وحيادية، لكنه لا يزال بحاجة إلى تناول موضوعات أكثر تخصصية بلغة رصينة.
برا الـ18، في المرمى، المنتصف، في الـ90، كورة، رياضة سكوب، دورينا غير: تتأرجح بين الحياد والإثارة، بعضها يحاول التطور، وبعضها يقع في فخ الأكشنة المصطنعة.
أما البرامج التي تنطلق من وجدان واعٍ، فهي موجودة، لكنها نادرة وتحتاج إلى لغة خاصة قادرة على النزول إلى الناس لترتقي بهم، وتعالج خطاب التعصب وتكسر الجهل والتخلف، بعيدًا عن الأسلوب الدعائي المنفر.
المقياس الأوسع: المجتمع كله
البرامج الرياضية ليست وحدها المؤشر. أي مجتمع يمكن قياس وعيه أيضًا من خلال:
نوعية البرامج الحوارية.
طبيعة المسلسلات والأفلام.
الأغاني التي يتبناها الشباب.
ستلاحظ أن بعض الإنتاجات تعزز الأمل والتفاؤل، بينما أخرى تعيد إنتاج الكبت والبؤس. هنا نفهم لماذا كثير من المسلسلات التركية – وبعض الأعمال العربية القديمة – كرّست ثقافة الإحباط واليأس، عبر أبطال يبدون أنيقين من الخارج، لكن محتواهم يعكس الانكسار والبؤس. هذه ليست مصادفة، بل انعكاس لثقافة المجتمعات التي تنتجها.
السؤال المرعب:
أيعقل أن هناك من ينظر إلى مجتمعنا، وإلى المجتمع العربي كله، باعتباره متخلّفًا وجاهلًا وسهل التلاعب به؟!
أفيكون الرهان إذن على إبقائه مكبوتًا، مقموعًا، محرومًا من فرص النهوض والإبداع… حتى يظل أسير القيد بدل أن ينهض بالوعي؟!
نموذج مضيء: الإبداع السعودي الجديد
في مقابل ذلك، هناك تجارب سعودية مشرقة.
مساء السبت شاهدت فيلم «إسعاف» بطولة الفنان السعودي الشاب إبراهيم الحجاج. كان الفيلم مزيجًا رائعًا بين الكوميديا الذكية والدراما الهادئة والبساطة. أداء ممتع من الحجاج وزملائه، بمشاركة ممثلة مصرية أتقنت دورها وسط روح الإبداع السعودي الجديد.
إبراهيم الحجاج ليس مجرد ممثل شاب، بل خريج جامعة الملك فهد للبترول والمعادن – تخصص تسويق، أحب الفن فالتحق بدورات، وصنع مسيرة غنية:
في المسرح: محاكمة السيد إكس، حبل غسيل، أين ستهربون، خمسة.
في الأفلام: 300 كم، وسطي، سطار، الخلاط+، إسعاف.
في المسلسلات: منهو ولدنا،… يوميات رجل عانس.
مسلسله الأخير الذي عرض في رمضان الماضي«يوميات رجل عانس» كان علامة فارقة في الذكاء والإبداع، حتى أُعلن عن جزء ثانٍ بعنوان «يوميات رجل متزوج» سيُعرض في رمضان المقبل. هذا نموذج للعمل الذي يخاطب الوعي، ويقدّم للعالم صورة سعودية مختلفة: شابة، ذكية، ومبهجة.
بين الإيجابيات والسلبيات
حين أذكر السلبيات فهذا يعني أن هناك إيجابيات أيضًا. هناك برامج بدأت تسلك الطريق الصحيح، وهناك أعمال سعودية فنية راقية ترتقي بالذوق والوعي. لكن الصراع ما زال قائمًا:
بين من يؤمن بـ نظرية إشغال الجماهير بالتعصب.
ومن يستثمر في الجهل والتسطيح.
ومن يختار الاستثمار في العلم، والإبداع، وبرامج الرؤية.
سؤال أخير…
من يهدف إلى التشويه وضرب اللحمة الوطنية؟
ومن يسعى لتعزيز الروابط والانطلاق بالرياضة السعودية إلى العالمية، واستثمارها كعنصر مهم من عناصر القوة الناعمة؟
📌 الخلاصة:
لغة الخطاب، سواء في البرامج الرياضية أو في الفنون الأخرى، ليست مجرد وسيلة ترفيه. إنها معيار ثقافي يقيس وعي المجتمع، ويكشف اتجاهه. فإما أن نترك شبابنا نهبًا للسطحية والتعصب… أو نرتقي بخطابهم لنحوّل كرة القدم من أداة انقسام إلى جسر وطني، ومن منصة صخب إلى ساحة وعي وإبداع.
هناك من يظن أن كرة القدم ليست سوى مدرجين متقابلين لا يمكن أن يتفقا.
وهناك من يتعامل مع المسلسل أو الفيلم وكأنهما صناعة مستحدثة على البشر، وُجدت فقط من أجل التربّح، تمامًا كصناعة الأسلحة… حيث يُقاس التطور فيها بمدى قدرتها على أن تكون أكثر فتكًا!
الصورة
"ملعب العقول" >>الكرة شاشة… والجمهور مرآة