الصحافة والسلطة والرقابة

news image

مقدمة

في زمن الانفتاح العالمي، حيث تُرفع شعارات الحرية وتكثر أدوات التعبير، يظل السؤال الأهم قائمًا: هل الحرية مطلقة فعلًا أم أنها نسبية، تُقنَّن وتُراقب بطرق مختلفة؟
الكاتب يوسف أقرقاش يطرح في مقاله التالي رؤية تحليلية عميقة حول علاقة الصحافة بالسلطة، واشتباكها الدائم مع مفهوم الرقابة.

 

نص المقال – بقلم يوسف أقرقاش

باحث من المغرب 

" قد تكون مفاهيم الصحافة والسلطة والرقابة مألوفة لدى عموم الناس، غير أنّ التمفصلات الحاصلة بين هذه المفاهيم قد لا تكون كذلك لدى الجميع. ولعلّ ما تَلتقي عليه وتَفترق فيه هو لفظ الحريّة، وتُحدَّد هذه الأخيرة باعتبارها "الحقّ في فعْلِ كلّ ما تَسمح به القوانين"، وهو التعريف الذي اشتهر به شارل مونتسكيو، أحد كبار فلاسفة الأنوار المولعين بالحريّة.

وفقاً لهذا التحديد، فإنّ الحريّة هي الحقّ في فعْل ما نشاء شريطة ألّا يكون ممّا تَنصّ على منْعه القوانين؛ أو بتعبيرٍ آخر، الحريّة هي أن نفعل ما تَسكت أو تَغفل عنه القوانين فقط. غير أنّنا في الواقع لا نحتاج إلى الحريّة، بما هي إذنٌ للقيام بالفعل بحسب مونتسكيو، لنقوم بما تسكت عنه القوانين، طالما أنَّ الأمرَ جزءٌ من المألوف والطبع لدى الناس؛ فلا أحد منّا يقول إنّنا أحرار في شرب الماء أو في تنفُّس الهواء (وهو ما تسكت عنه القوانين فعلاً). وعلى العكس من ذلك، فنحن نحتاج إلى الحريّة حين يصطدم حقُّنا في الفعل مع ما "لا تسمح به القوانين" من دون سببٍ معقول، كالحاجة إلى إذنٍ من السلطات لعقْدِ لقاءٍ أو اجتماع أو احتجاج، أو كالحاجة إلى ترخيصٍ للكتابة والنشر. فلِمَ تصرّ السلطةُ على منْعِ مثل هذه الأنشطة، على الرّغم من أنّها بعيدة عن الوظائف أو المهامّ الموكولة إليها؟

قد لا يسمح المجال هنا بالخوض في كلّ تفاصيل أشكال المنْع الذي تقوم به السلطة، لذلك سنقتصر على واحدٍ منها فقط، وهو المنْع الذي يطال الصحافة وكلَّ أشكال التعبير والنشر.

تجدر الإشارة إلى أنّ التوتُّر الحاصل بين الصحافة والسلطة ليس بجديد، وإنّما واكَبَ تاريخَ الصحافة منذ نشأتها خلال القرن السابع عشر، أحياناً بمواجهة الصحافة بشكلٍ مباشر، سواء بوقْف نشْرها أم باضْطهاد أصحابها؛ وأحياناً أخرى باحتضانها واستخدامها هي نفسها كأداة للرقابة والتحكُّم؛ وهو ما حدثَ مثلاً مع أوّل جريدة رسميّة "La gazette de France" تُصدِرها الحكومةُ الفرنسيّة سنة 1631 في عهد لويس الثالث عشر، حيث خُصِّصت صفحاتُ هذه الجريدة للدعاية لسياسات الدولة والمَلِك؛ وكانت حين لا تجد مادّةً جاهزة للنشر، تكتفي بالحديث عن أحوال الطقس، حتّى تستمرّ في النشر، بحسب ما يشير إليه ألكسيس دو توكفيل في كتابه "الديمقراطيّة في أميركا".

أمّا في ما يخصّ اضْطهاد الصحافيّين، فيُمكن الإشارة إلى جون ميلتون John Milton (1608 - 1674) صاحب المقالة الشهيرة "Areopagitica" الموجَّهة إلى البرلمان البريطاني، والتي يُعبِّر فيها عن معارضته لقانون الترخيص والرقابة على المطبوعات الذي فرضه البرلمان آنذاك؛ وقد تعرَّض بسبب هذا الاعتراض للكثير من الاضْطهاد من طَرَف السلطات. والمهمّ في هذه المقالة (بالإضافة إلى مضمونها الذي يُشكِّل أحدَ الأُسس التي قامت عليها حريّة الصحافة الحديثة) عنوانها الذي يشير إلى تلّة تُسمّى Areopagus، وهو المكان الذي كان يَجتمع فيه المجلسُ القضائي اليوناني القديم. واستحضار اسم هذا المكان له دلالة رمزيّة خاصّة، تشير إلى حريّة المُناقشة والتداوُل التي كانت سائدة لدى القدماء؛ بمعنى أنَّ ما يَستهدفه قانونُ الترخيص، موضوع المقالة، لا علاقة له بالرقيّ وتطوير العمل الصحافي، وإنّما يَستهدف أساساً تقنين حريّة التعبير والنَّشر. غير أنّه لَو حَدَثَ لأحد من الصحافيّين المعاصرين أن رفضَ الامتثالَ لقوانين الترخيص والنشر، لاعتُبر هذا الأمر ضرباً من الجنون.

طبعاً ليس جون ميلتون وحده الذي تعرَّض للقمع والاضْطهاد بسبب الرقابة التي تُمارسها السلطات على الكتابة والنشر، بل هناك العديد من الكُتّاب والنّاشرين الذين تعرَّضوا لِما هو أسوأ ممّا تعرَّض له ميلتون. وحتّى لا تُشكِل علينا الأمثلة، سنكتفي بذكرِ واحدٍ منها فقط، وهو النّاشر البريطاني جون توين Jean Twyn (1640 - 1663) الذي أُعدم بسبب نشره كُتيّباً اعتُبر تحريضاً على الملكيّة، بعدما رَفَضَ الكشفَ عن اسم مؤلِّف الكِتاب. وبسبب ذلك، فقد اتُّهم بالخيانة العظمى، وأُعدم بطريقةٍ وحشيّة (الشَّنْق والسَّحْل والبتْر).

مَنْ سيُراقِب مَنْ؟

إذن فالتوتُّر بين الصحافة والسلطة قد واكبَ تاريخَ الصحافة منذ البدايات الأولى لظهورها، ويبدو أنّ لهذا التوتُّر طبيعةً ماهويّة، أي أنّه مرتبط بأصلِ كلّ واحدٍ منهما. فقد وُجدت الصحافة لتُمارِس الرقابةَ على المجال الذي تتحرَّك فيه السلطة، ووُجدت السلطة لتُمارِس الرقابةَ والتحكُّم في كلّ ما يُمكن أن يَقع تحت نفوذها، والصحافة واحدة ممّا يمتدّ إليه نفوذُ السلطة؛ فمَن سيُراقِب مَن؟

في الواقع، تَملك السلطةُ كلَّ الوسائل والأدوات والأجهزة لتتحكَّم في جسمِ الصحافة كيفما تشاء؛ إنّها تَملك سلطةَ التشريع وأجهزةَ القضاء والشرطة والسجن، وهذا كافٍ لمَحْوِ الصحافة من الوجود، لكنّها تَفتقر إلى أمرٍ واحدٍ لا غير، وهو الجرأة الأخلاقيّة للقيام بذلك، لذلك فهي تحتاج دوماً إلى التبرير حينما تَستهدف جسمَ الصحافة. وعلى العكس من ذلك، لا يَملك الصحافيُّ في مواجهة السلطة أيَّ جهازٍ من هذه الأجهزة، لكنّه في المقابل يَملك قَلَماً ويَملك الحقّ في استعماله، ولا تنقصه غير الجرأة الشخصيّة، لذلك فهو يُصارع متى حازَها، ويَستسلم متى افتقدَ إليها. ويعني هذا أنّ الصدامَ الحاصل بين الصحافة والسلطة هو صدامُ الجرأة، قَبل أن يكون صدام القوانين والمؤسّسات.

حين نقول إنّ الصدام بين الصحافة والسلطة هو صدام الجرأة، فهو في الواقع صدام الإرادة؛ ذلك أنّ ما يُحرِّك الصحافةَ هو إرادة الحقيقة (قول الحقيقة)، في حين أنّ ما يُحرِّك السلطة هو إرادة الفعل (لا حقيقة إلّا ما تدّعيه السلطة). وحينما تتّصل الإرادة بالفعل، تتحوّل إلى مشيئة (قَدَر)، لذلك فالسلطة دائماً ما تتحرَّك وفقَ المبدأ الذي يقول: "هذا ما أريده وهذا ما آمر به" sic volo sic jubeo، أي أنّ لا شيء يُمكن أن يقفَ في وجهها أو يَعترض سبيلَها. وإذا ما حدثَ أن تواجهَتْ "إرادة الحقيقة" مع "إرادة الفعل"، فلا تملك الأولى إلّا أن تتلبّس بأضدادها، وإلّا انتفَتْ من الوجود، وهو المصير الذي لقيه كُتّابٌ وصحافيّون كُثر في الماضي والحاضر. لذلك لا نستغرب كثيراً أن تصطفّ الصحافة أحياناً إلى جانب السلطة، وأن تُردِّد مقولاتِها وشعاراتِها، وأن تُبالِغ في تبجيل أفعال السلطة إلى حدّ التقديس والتأليه.

غير أنّ الاصطفاف إلى جانب الأقوى لا يخصّ الصحافة وحدها، بل هو متأصِّل في الطبيعة البشريّة (ولا يُمكن التغلُّب عليه إلّا بالكثير من الجهد في ترويض الذّات على تفضيل الحقّ على الظلم). ولعلّ ما يُعبِّر خير تعبير عن هذه الطبيعة يتمثَّل في الحكايات والأساطير الشعبيّة؛ فقبل أن توجد السلطة وتوجد الصحافة، تحكي إحدى القصص الشعبيّة أنّ قريةً صغيرة كانت تعيش في ظلامٍ حالك، بعدما انطفأت نيرانُها بهبوبِ ريحٍ عاتيةٍ جاءت على غفلة من الساكنة، ولم يكُن لديهم من حلّ سوى إرسال أحدهم لجلْب شُعلة من النار من داخل كهفٍ يَبعد عن القرية على نحو ميلٍ أو يزيد، حيث لا تزال النار هناك مشتعلة. لم يتجرّأ أحدٌ في البداية على الاستجابةِ لطلبِ أهل القرية، فالجميع يعلم قصّة الغول المُخيف الذي يسكن هناك حيث تتراءى النار؛ غير أنّ فتاةً شجاعة كسرتِ السكونَ الذي أَطبق على الجميع، وتطوَّعت للقيام بالمهمّة على الرّغم من المخاطر التي تنتظرها. وهكذا ودَّعت قريتَها وسارت في طريق الكهف، ولمّا وصلتْ إلى بابه تردَّدت كثيراً في الدخول إليه، فالكهف كان موحشاً وتنبعث منه رائحةٌ نَتنة، لكنّها مع ذلك حَزمت أمرها وسارت إلى داخله صوب النار المُشتعلة. ولمّا اقتربت من المكان، شاهدت الغول وهو يَفترس حماراً بنَهَمٍ ويُنظِّف أسنانَه بقضيبٍ من الحديد. وبينما هي في حيرة من أمرها، استدارَ الغول فجأة، فرمَقَها بعينَيْه المُخيفتَيْن، وقَبل أن تلوذ بالفرار نَطَقَ الغولُ سائلاً إيّاها: ماذا وجدتِ جدّك يفعل؟

وعلى الرّغم من الخوف الذي استحوذَ على قلب الفتاة، إلّا أنّها لم تَفقد تركيزَها ونباهتَها، فبادرت إلى الجواب قائلة: وجدته يأكل غزالاً ويُنظِّف أسنانه بقضيبٍ من الذهب. فأُعجب الغول بجواب الفتاة واستجابَ لطلبها، فعادتِ الفتاة أدراجَها سالمة، واستعادتِ القريةُ نيرانَها والجميع مُنتشٍ ومُحتفٍ بشجاعة الفتاة ونباهتِها.

لا شكّ في أنّ مضمون هذه الحكاية هو مجرّد قصّة خرافيّة، لكنّها قد تكون مفيدةً جدّاً لفهْمِ لماذا يصطفّ الناس في أغلب الأحيان إلى جانب الأقوياء، ومفيدةً كذلك لفهْمِ طبيعة التوتّر الحاصل بين الصحافة والسلطة؛ فعلى الرّغم من أنّ الحضارةَ الإنسانيّة قد أَوجدتِ الكثيرَ من القوانين والتشريعات لتقنين مجالِ كلٍّ من الصحافة والسلطة، غير أنّ القوانين لا يُمكن أن تكون نافِذةً من دون عضلات، بحسب تعبير الفيلسوف الإسباني خوسي إي أُرتيغا؛ كما أنّ الواقع يُخبرنا دائماً بأنّ "القانون الذي يُطاع هو دائماً قانون الأقوى". لذلك، فلعلّه ليس على الصحافةِ حين تُواجِه السلطة إلّا أن تقول: “لقد وجدتُ جدّي يأكل غزالاً وينظِّف أسنانَه بقضيبٍ من الذهب ”.

 

تعليق BETH

ما يطرحه الكاتب ليس مجرد قراءة تاريخية لصراع الصحافة مع السلطة، بل يفتح بابًا أكبر لفهم طبيعة الحرية نفسها.

الحرية لم تكن في أي وقت من الأوقات مطلقة، بل هي دومًا نسبة وتناسب، مقيدة بالقوانين، أو بتأويلات السلطة لهذه القوانين.

الرقابة ليست شأنًا محليًا، ولا تخص دولة بعينها؛ بل هي ظاهرة عالمية. فهي موجودة في كبريات المؤسسات الصحفية الغربية، كما هي في الشركات التقنية العملاقة التي تتحكم بخوارزميات النشر وحجب المحتوى.

وحتى داخل المؤسسات الإعلامية الكبرى، الحرية تُدار بمعايير معقدة: اعتبارات تجارية، ضغوط سياسية، رقابة ذاتية، وأحيانًا صراع مصالح داخلي.

بعبارة أخرى: نحن نعيش في زمن "الانفتاح الرقمي"، لكننا أيضًا نعيش زمن الرقابة الناعمة، حيث لا يُمنع الخبر بالسوط المباشر، بل يُدفن وسط خوارزميات أو يُغرق في بحر من الضجيج.

سؤال للنقاش

إذا كانت الحرية اليوم مقننة ومراقبة حتى في أعتى الديمقراطيات، فما هو الدور الحقيقي للصحافة؟
هل تستطيع أن تظل صوت الحقيقة، أم أنها تتحول – بقصد أو بغير قصد – إلى أداة أخرى من أدوات القوة؟

 

 

تعليق BETH – ختام

في الماضي، كان الرقيب الخارجي المنتدب من الحكومات يتعامل مع الصحافة وكأنها لا تعرف حدود الحرية. لم يكن يهتم بالمضمون، بل يراقب الخطوط الحمراء، رغم ضعف خبرته الصحفية.

أما اليوم فنحن في عالم مفتوح، لم تعد فيه الرقابة وظيفة فرد، بل مسؤولية الصحفي نفسه.
على الإعلامي أن يكون ضمير الدولة والمجتمع، يصنع مادته بعلم وخبرة ودراية، ويقدّمها للعالم بلغات راقية تحترم عقل المتابع وتثقفه.

إن الصحفي، حين يُدرك كيف يفكر الآخرون في المجتمعات المستهدفة، ويُحسن البناء على الحقائق، يستطيع أن يحوّل وسيلته الإعلامية إلى محطة مفيدة وممتعة، خالية من القيود المريبة، وغنية بالمصداقية والإبداع.


✍️ BETH – وحدة التقارير الخاصة