فنّان الأجواء المتوسّطيّة المسكون بمستغانم الجزائريّة

news image

 

أحلام الطاهر*

منذ مدّة مَثُلت لوحةٌ تجريديّة باسم "البحر" أمام لجنة المُشتريات في "متحف الفنّ الحديث" في باريس، فصَرخ المدير بأعلى صوت: "لديّ يخت منذ ثلاثين سنة ولم أرَ البحرَ بهذا الشكل قطّ!".. المشكلة قديمة؛ في حين تذمَّر ناقدٌ بريطانيّ مفيداً أنّه لم يرَ في يومٍ من الأيّام غروباً شبيهاً بمشاهد الغروب التي رسَمها جميس مكنيل ويسلر James McNeill Whistler؛ فعلّق عندها عرّاب الفنّ الحديث متسائلاً: "حسناً.. لكن ألا تتمنّى لو أنّكَ شاهدتَ غروباً كهذا؟!". العَيْن، نعم، لا يُمكن تدريبها، وإن كانت النظّارات مفيدة في بعض الأحيان. غير أنّ عيْن الخيال يُمكن تدريبها. والخيال يَختزل مقدرةَ الفنّان الخالصة. وذاك دون غيره هو السبب في العُمق والتنويع العجيبَيْن اللّذَيْن تتّصف بهما طرائق الفنّانين في النظر إلى الأشياء.

ينتمي الفنّان التشكيلي الجزائري عبد الله بن عنتر (1935 – 2014) إلى أولئك الذين دَرّبوا أنفسَهم على رؤية الطبيعة نفسها كعملٍ فنّي. إنّه يذكّرنا بموريس ستيرن Maurice Sterne بعدما شاخ وخلَّف وراءه تراثاً من الرسوم الانطباعيّة، فجرّب إذّ ذاك أن يَختبرَ الطبيعةَ كصورةٍ مرسومة، فقدَّم أفضل لوحاته ووُلد من جديد كفنّانٍ خلّاق. وقد حَدث ذلك في ظهيرة يومٍ صيفيّ، عندما كان في جلسةِ استراحة أمام بيْتِه، يَنظر إلى البعيد.. البعيد عبر المُحيط الأطلسي بمياهه الخضراء والبيضاء التي تُحرّكها الرياح، وحينَ حطَّ نورسٌ على صفحة الماء، تأمَّل ستيرن لحظةً ثمّ تَمْتَم: "هذا الأبله سيُلطِّخ جناحَيْه بالأصباغ!".

لوحات عبد الله بن عنتر مساحاتٌ من الضوء المتوهّج والمَوج والسماوات المُتقلّبة، لا هي تصويريّة ولا هي مجرّدة كليّاً، لها أن تَعكس طموحات صاحبها في الانفلات من الأنماط الأكاديميّة وقياساتها. إنّه رسّام الأجواء المتوسّطيّة المسكون بهذا الأُفق المائي المفتوح على المَراكب والنجوم وأضواء الفنارات وروائح البحر وبقع طحالبه التي تنحلّ في اتّجاهنا، في هبّاتٍ من عواصف الصيف، وتَنصهر في ما يُشبه الحلوى الطريّة أو الرخوة.

وُلد بن عنتر في مدينة مستغانم الساحليّة غرب الجزائر، في بيئةٍ عائليّة متجذّرة في التراث الدّيني والأدب ومخطوطات القدامى وأشعار الصوفيّين والإصغاء إلى تراث الموسيقى الأندلسيّة. يقول إنّه انجذَب إلى الرسم وهو فتىً حين أَقعده المرض في الفراش، فراحَ يمضي وقته في رسْم الأزهار والمناظر الطبيعيّة. ولمّا شُفي بَدأ يتردّد على ورشِ النَّحت والرسم في معهد الفنون الجميلة في وهران، قَبل أن يستقرّ في العام 1953 برفقة صديقه الفنّان محمّد خدّة في باريس لإتمام دراسته في "معهد الفنون الجميلة"، ومن ثمّ يَلتحق بأكاديميّة "لاغراند شوميير".
تُرينا مناخات أعماله مساحاتٍ ومكوّناتٍ ذهنيّة وعاطفيّة أكثر ممّا تسمح لنا بتكوين انطباعٍ نقديّ نهائي. فهو أيضاً حفّارٌ ونحّاتٌ استثنائيّ، وشاعرٌ في رصيده مجموعَتَان شعريّتان. رافقت محفوراتُهُ ورسوماتُهُ المائيّةُ الكثيرَ من الكُتبِ والدواوين، من بينها مجموعة "صباحيّة شعبي" لجان سيناك Jean Sénac. كما أَنجز أكثر من 1500 كِتاب فنّي تحت سلسلة "شارف" التي صمَّمها وأعَدّ رسومَها بنفسه، وجمعَت قصائد لشعراءٍ من حقبٍ وثقافاتٍ مُختلفة. ونظراً إلى أهميّة هذه التجربة، خصَّص لها "متحف الفنّ الحديث" في باريس مَعرضاً في العام 1970، واحتفى بها "معهد العالَم العربي" في العام 2003. كما حضرتْ أعمالُ بن عنتر في باريس ضمن غاليري كلود ليمان، الذي قدّم للفنّان 22 مَعرضاً فرديّاً عايَنَ المَسارَ اللّوني والتقني الذي صَنعته لوحتُهُ المُنجَزة في أزمنةٍ مُختلفة. يحكي كلود ليمان Claude Lemand أنّه تَفاجأ بأحد الكُتب المصوّرة لِبن عنتر في مكتبةٍ باريسيّة في العام 1986، وعلى الفور قَصَدَ مشغلَ الفنّان في إيفري، ليحرّضه لقاؤهما المتّقد بالفنّ والحياة على ترْكِ مهنة التدريس الجامعي وافتتاح غاليري في باريس تُخصِّص مساحةً لجميع الفنّانين من مختلف الأجيال والتوجّهات الإبداعيّة والجماليّة. وبعد نحو ثلاثين عاماً من خدمة الفنّ، تحوّلَ "شغفُ" ليمان إلى مؤسّسةٍ ثقافيّة متكاملة، انفتحت على العالَم عبر خطابٍ إبداعي متجدّد، واستطاعت تأسيس مفاهيم فنيّة مُعاصرة، على الرّغم من الالتباسات والمعوّقات التي عادةً ما تُواجِه أيّ مشروع ينحو هذا المنحى أو الاتّجاه.

بعض أعمال بن عنتر المعروضة ضمن المجموعة الدائمة لمتحف "معهد العالَم العربي" في باريس، تُذكّرنا بلوحات جبل "سانت فيكتوار" لبول سيزان، إذ تبدو وكأنّها مُصوَّرة من علوٍّ شاهق، بمُنحدراتِ جبالٍ أو بمرتفعاتٍ صخريّة غائمة أو بمُدنٍ مُشيَّدة على قِممٍ بعيدة. وقد رسَم سيزان عدداً لا يُستهان به من اللّوحات عن جبل "سانت فيكتوار"، وكان، مع ذلك، يرى كلّ لوحة بعَيْنٍ مُختلفة. وهو ما يُفضي إلى مفهوم "الوحدة الفنيّة" التي نراها حاضرةً بشكلٍ ما في أعمال بن عنتر، فهي تَحفل بتاريخِها وبمرجعيّتِها الذاتيّتَيْن أيضاً، نَوعٌ من الحَفْر الباطنيّ بفعل البحث المُستمرّ في الأشكال.

مشهديّة "إلى مونيه، جيفرني" (زَيت على قماش - 120 × 120 سم)، تتقاطع مع زنبق الماء لكلود مونيه Claude Monet، لكنّ ألوانها، على الرّغم من أنّها تَلتقط الأثر غير العادي الذي يُحدثه ضوء الطبيعة على الموضوع، تبقى بعيدةً عن الانطباعيّة. مونيه كان من أكثر الرسّامين انفعالاً تجاه الطبيعة، أو أكثرهم مُعاناةً في التعبير عن تحوّلاتها، عندما رَسَمَ سلسلةَ لوحاته عن الأماكن ووثَّق جماليّاتها عبر أوقاتٍ مُختلفة، لم يَنقل المتغيّرات الفيزيائيّة التي تحدَّث عنها نتيجة تغيُّر زاوية النظر أو تأثيرات المناخ أو الضوء فقط، بل نَقل الإحساس المتغيّر لدى الفنّان في كلّ مرّة إزاء موضوعه. لذلك نَجد أنّ بعض الأماكن المعروفة، الواضحة المعالِم، التي رسمها من ضمن هذه السلسلة (مثل كاتدرائيّة روان، أو دُور البرلمان في لندن)، إنّما تلاشت ملامحُها في اللّوحات المتعاقبة لوحةً بعد أخرى، حتّى أنّ هذه الملامح لم تَعُد، في النهاية، سوى أشكال ضبابيّة أو بقايا معالِم أو شبه ذكرى بعيدة. وهو ما درَج عليه بوضوح عندما راح يَرسم الزنابق المائيّة "Nymphéas" وأشجار الصفصاف والنرجس والنباتات الأخرى المُحيطة ببِركة حديقته في جيفرني، على المنوال ذاته، بحيث لم تَعُد تلك النباتات إلّا مجرّد نقاطٍ ضبابيّة متشابكة الألوان.

هذه الخلاصات التي توصَّل إليها مونيه في أعماله كانت مَوضع استغرابِ مُجايليه الرسّامين وهجوم نقّاد الفنّ في ذلك الوقت. لكنّه كان سعيداً بنتائجه التي كانت الأرضيّة التي أسَّس عليها الفنّانون التجريديّون، في ما بعد، فنَّهم في القَرن العشرين. فقد قادت تحوّلاتُ الأشكال هذه، بيت موندريان Piet Mondrian إلى التجريد الهندسيّ وفاسيلي كاندينسكي Wassily Kandinsky إلى التجريد الروحي، كما قادَت بن عنتر إلى تطوير مفردات حدائقه المائيّة المتخيَّلة ذات الإشراق الصوفيّ. وإن كان مونيه يتمعّن في النور الساقط على كاتدرائيّة روان، كأنّما يرجو من الناس كلّهم أن يشاهدوا الجمال وهو على شفا الزوال، فإنّ أشكال بن عنتر لا يمسّها النور، بل هي مُشبّعة به، تَخلق الحسّ بالديمومة والطمأنينة.

المزاج الطقوسيّ لمشهديّات بن عنتر وتراكماتها الذهنيّة شبيهة في بعض الأحيان بالفنّ الصينيّ، إذ تُحيي الفضاء على نحوٍ إيقاعيّ، سحابيّ، متلوٍّ، والدخول إليها كالدخول إلى ساحةِ رقصٍ في ضوء القمر. وفي أحيانٍ أخرى تكون الطبيعة فسيحةً وساكنةً كالظهيرة، غزيرة الأوجه، طافحةً بشمس البحر الأبيض المتوسّط. بوسع الإنسان أن يعيش فيها دائماً، بل إنّ المَرء ليَشعر أنّه قد ينعطف في الطريق ويَختفي عن العَيْن، كي يبقى هناك، بعيداً في داخل اللّوحة. وقد وصَف الناقدُ الفرنسي يوري تيراپيانو Yuri Terapiano عبد الله بن عنتر بأنّه "يعيش وحدةً رائعة بعيداً من التيّارات والموضة والتجمّعات، ليُعيد بناء عالمه وزمنه باللّون والضوء"، ما يقودنا إلى تلك الأسطورة الصينيّة التي تَحكي أنّ رسّاماً فَتح باباً صغيراً في صورته الجداريّة، ودخَل منه، ثمّ أغلق الباب خَلفه. ومنذ ذلك الوقت، لا الباب وُجد، ولا رأى أحدهم الرسّامَ.

*كاتبة وإعلاميّة من تونس   
مؤسسة الفكر العربي