كيف نحوِّل الضجيج إلى قوة ناعمة؟
✍️ عبد الله العميره
النقد قمّة التفاؤل. لا يشيع إلا في بيئة تعمل، لأن الخطأ لا يولد إلا من حركة. وحين ننتقد، فنحن نطالب بما هو أعلى؛ إرادة الكمال دليل أننا نؤمن بقدرة مؤسساتنا على بلوغه.
1) الرياضة: تحويل المُحبطين إلى «محرّكات روح رياضية»
المشكلة ليست في النقد الرياضي، بل في صناعة الإثارة الرخيصة التي تستبدل الفكرة بالصيحة. والحل ليس تكميمًا، بل هندسة محتوى تجعل من الاختلاف قيمة مضافة.
كيف؟
ميثاق اللعب الإعلامي النظيف: ثلاث قواعد على الشاشة قبل كل برنامج (لا تجريح شخصي، لا تشكيك في الذمم، لا تعميم على جماهير). مخالفة الميثاق تعني بطاقة صفراء/حمراء تُحتسب على الضيف ويظهر عدّادها للجمهور.
3 دقائق إصلاح: فقرة ثابتة في كل حلقة تُحوِّل الشكوى إلى خطة (خطوة فورية، خطوة موسم كامل، خطوة اتحاد/وزارة).
مؤشر الروح الرياضية الأسبوعي: ترتيب للأندية والجماهير والبرامج بحسب لغة الخطاب (يُقاس بتحليل مشاعر المحتوى والتبليغات).
كأس الجمهور: جائزة شهرية لأفضل لقطة «احترام» في الملاعب والإستوديوهات، تُصوَّت لها الجماهير.
غرفة تصحيح سريع: فريق تحرير صغير يمدّ المضيف ببطاقات «تثبت/تدحض» أثناء الحلقة، فيقلّ ترويج المعلومة غير الدقيقة.
النتيجة: النقد يبقى، لكن بوصفه طاقة انضباط لا وقود شتيمة—فتتحوّل الرياضة إلى قوة ناعمة تحفّز السلوك الحضاري لدى الملايين.
2) الشعر الفصيح: من «متحف» إلى «مؤثّر»
الفصيح ليس قديمًا؛ طريقة تقديمه هي التي شاخت. نحتاج منتجًا إعلاميًّا يُخاطب عين اليوم وأذنها وإيقاعها.
خمس أدوات عملية:
«قصيدة في دقيقة»: فيديو عمودي يومي (60 ثانية) بصوت شاب/شابة، مع ترجمة أسفل الشاشة وتلوين المفردات المفتاح.
«بيت القصيد»: فقرة داخل البرامج السياسية/الاقتصادية؛ بيتٌ واحد يضيء معنى الساعة (اقتصاد/أخلاق/هوية).
مختبر القصيدة: تعاون شعراء وموسيقيين ومصممين لإنتاج مقاطع قصيرة تمزج الإلقاء بالموسيقى الخفيفة والرسم الحي.
القصيدة المتصلة: بث مباشر شهري يشارك فيه الجمهور بإكمال أبيات وفق وزن وقافية محدَّدين (تحكيم فوري + جوائز).
سِجلّ الأثر: قياس «الدقيقة المُشاهَدة»، و«إعادة الاستخدام» (اقتباس البيت في السوشال)، و«الدمج في المناهج/المدارس».
الفكرة: تعريب الذائقة الرقمية بدل البكاء على الأطلال. الشعر يربّي الحسّ، والحسّ الرفيع يُحسِّن ذوق الخطاب العام.
مثال في المجال:
• حمود الصاهود — باحث سعودي في الأدب والشعر العربي وصحافي متمكّن؛ يمتلك لياقة عرض تلفزيوني تُجيد تبسيط الجماليات الكلاسيكية وتوصيلها بلغة اليوم. نراه قادرًا على تقديم رسالة عالمية فريدة تُعرّف الجمهور الدولي بذكاء النص العربي، وتحوّل الشعر والمعرفة إلى محتوى ممتع، حيّ ملهم وسهل الوصول.
3) «لا قائد بلا شعب… ولا شعب بلا قائد مُلهِم» في الإعلام
الثنائية موجودة في الواقع، وينقصها قصة تُروى كل يوم.
قالب سردي بسيط:
قرار → قصة: كل مبادرة قيادية تُروى عبر شخص واحد تأثر بها (مزارع/معلّم/ريادي)، مع رقم قياس واحد واضح.
منصة «صوت الحي»: نافذة تفاعلية أسبوعية تجمع مسؤولًا محليًا ومواطنين، بحصيلة تنفيذية تُراجع في الحلقة التالية.
خريطة الإلهام: داشبورد علني يربط المشاريع بقصص بشرية قصيرة (فيديوهات 20–30 ثانية) تُحدَّث دوريًا.
حين يرى الناس أنفسهم في القصة الوطنية، يصبح الالتفاف حول القيادة شعورًا مُبررًا لا شعارًا.
4) منافسة بنّاءة: كيف تسبق القنوات السعودية… وتُبقي السقف عاليًا؟
لدينا ثلاث قنوات سعودية تعيد تعريف الرقي (الأولى، السعودية الآن، الثقافية). المطلوب ليس انتقاد الآخرين فقط، بل نحتُ معيار يُحتذى.
مصفوفة التميّز التحريري:
الأولى: نشرات ومعايير تدقيق صارمة + ريادة في التغطيات السيادية.
السعودية الآن: سرعة، تفاعلية، قصص بشرية.
الثقافية: معرفة مُبسَّطة، فنون، ميراث حي.
ما الذي يرفع مستوى السوق كله؟
مؤشّر جودة علني: يُحدّث شهريًا (التحقق من الحقائق، التنوّع، لغة الخطاب، الشكاوى).
جائزة سنوية: «أفضل قصة عامة»، «أفضل تحقيق»، «أفضل برنامج تفاعلي»، مع تقرير تحكيمي منشور.
غرفة أخبار مشتركة للمعايير: تشارك فيها القنوات الثلاث لصوغ أدلة أسلوب/تحقق مفتوحة المصدر—من يلتزم يرتفع.
5) التغيير: من أدوات قديمة لمصالحها… إلى عقول نيّرة للبناء
التغيير الحقيقي ليس «تطهيرًا» بل حوكمة انتقال تُقلّل الكلفة وتضاعف العائد.
خطة 30–60–90 يومًا:
30:
إعلان مدوّنة تضارب المصالح للعاملين على الهواء وخلفه.
اعتماد سياسة بيانات (خصوصية، مصادر، توثيق).
إنشاء مكتب معايير صغير مستقل يراجع الشكاوى والإنذارات.
60:
20% حصة مواهب جديدة في الشبكات إنتاجًا وتقديمًا، مع برنامج تأهيل مكثّف (سرد بصري، تحقّق، استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بأمان).
فصلٌ واضح بين التحرير والإعلان (الجدار الناري).
90:
إطلاق مختبر المحتوى الوطني (حاضنة أفكار + تمويل صغير + إنتاج تجريبي سريع).
ربط المكافآت بـنتائج جودة (دقّة/تفاعل راقٍ/رضا جمهور) لا بالمشاهدات الخام.
قياس النجاح (3 مؤشرات بسيطة):
انخفاض خطاب الإساءة في البرامج الرياضية ≥ 40% خلال ستة أشهر (تحليل مشاعر).
نمو الدقائق المُشاهَدة لمحتوى الشعر/المعرفة ≥ 25%.
ارتفاع رضا الجمهور عن النزاهة التحريرية ≥ 15% (استطلاع دوري).
6) لغة التفاؤل العملي
نعم للنقد… إذا كان مُسندًا ويقترح بدائل.
نعم للتنافس… إذا قاس الجودة لا الصخب.
نعم للهوية… إذا جعلت الفصيح يعيش اليوم لا أمس فقط.
نعم للقيادة… إذا حوّلت القرارات إلى قصص ناسٍ تُرى وتُحس.
مانيفستو مختصر: نريد إعلامًا لا يجلد جمهوره ولا يداريه؛ يحترم عقلَه ويُشعل حماسه. تُقاس قيمته بما يرفعه من ذائقة، وما يُصلحه من سلوك، وما يبنيه من ثقة.
خاتمة
لسنا ضدّ الإثارة بل ضدّ الابتذال؛ ولسنا ضدّ الترفيه بل ضدّ تفريغ المعنى. يمكن لبرامجنا الرياضية أن تكون مدارس للروح الرياضية، وللشعر الفصيح أن يعود مؤثّرًا في زمن الشاشات الصغيرة، ولثنائية القائد والشعب أن تصبح قصة يوميّة لا مجرّد عنوان احتفالي. وكلّ ذلك يبدأ من خطوةٍ واحدة: نقدٌ شجاعٌ كريمُ اللّغة… يُفضي إلى حلّ.
قنواتنا السعوديّة الثلاث — الأولى، والسعودية الآن، والثقافية — تقدّم اليوم أداءً رفيعًا وتنوّعًا ممتعًا بمعايير جودةٍ عالية؛ وهي قادرة على أن تكون قدوةً لغيرها. ومع هذا، نطمحُ إلى مزيدٍ من الديناميكيّة والابتعاد أكثر عن الرسمية دون تفريطٍ بالمهنية، وعدم التوقّف عند سقفٍ معيّن. إنّ الاستطاعة موجودة بفضل إدارةٍ واعية وطاقمٍ خبيرٍ متجدّد؛ فلْتكن قنواتنا الثلاث مرجعًا ومعيارًا يُرتقى إليه، لا نقطةَ وصول.