دراما التأثير

news image

تحقيق بحثي – BETH | طرح د. مناحي الشيباني

تمهيد  

الدراما لا “تحكي” فقط؛ إنها تصوغ عواطف ومعايير عبر آليات التقمّص الوجداني والاستثارة العاطفية. وحين يتكرّر التعرض، تولِّد أنماطًا وسلوكيات… وتقتلع غيرها.

ماذا تقول الدراسات؟ (مختصر نتائج)

الأردن – المسلسلات التركية: 30% واجهوا مشكلات واقعية انعكاسًا لصورة رومانسية مثالية بعيدة عن الواقع؛ و38% رأوا أثرًا سلبيًا على الشباب (الإثارة، البذخ).

لبنان – الدراما الأجنبية: علاقة بين كثافة التعرض وبين إدراكٍ أعلى لمظاهر العنف والإدمان (أنماط وصور ذهنية).

السعودية – متابعة مواقع الأفلام: أثرٌ سلبي على قيم دينية وروحية وسلوكية (تضييع الوقت، تقليد النجوم، إهمال الفرائض… إلخ).

ليبيا – الفضائيات والأسرة: أخطر الآثار: إضعاف الهوية الوطنية ونشر ثقافات مناقضة للثقافة الإسلامية، وتراجع الانتماء.

ملاحظة منهجية: النتائج دالة اتصاليًّا لكنها لا تعني سببية مطلقة؛ التأثير يتعاظم مع التعرّض الكثيف وضعف “التحصين الأسري/التعليمي”.

الدراما السعودية: أين وصلنا؟

قفزة تقنية/إنتاجية: استفادة من تقنيات السينما في مسلسلات حديثة رفعت جودة الصورة والصوت والإخراج.

التأريخ الاجتماعي: أعمال وثّقت تحوّلات المجتمع (“حارة الشيخ”، “العاصوف”، “خيوط المعازيب”، “الشرار”، “شارع الأعشى”، “ليالي الشميسي”، “الزافر”)… لكنها أثارت جدلًا حول دقّة تمثيل الحقبة، وحدود المحافظة، وطريقة عرض الصراع بين التقاليد والحداثة.

الجدل كمؤشر: اتساع النقاش على المنصات دليل على قوة الأثر؛ لكنه يطرح سؤال البوصلة القيمية: ماذا نُكرّس؟ وما الذي نُضعفه؟

لماذا تؤثر الدراما؟ (ثلاث عدسات تفسيرية)

الاستخدامات والإشباعات: الجمهور نشِط يختار ما يُشبع حاجاته؛ لكن وفرة المحتوى و”الإدمان الشَبكي” تُضعف الانتقائية.

الغرس الثقافي: التعرض الكثيف يزرع “صورًا ذهنية” ومعايير تُصبح واقعًا إدراكيًا.

التشكيل/التعلم بالملاحظة: النماذج الدرامية تُحتذى (سلوكًا ولغةً وذوقًا)، خصوصًا لدى المراهقين.

 

تعليق BETH (مركّز)

المسلسلات التركية على شاشاتنا تُمارس قوة ناعمة تركية… وبأموالنا: شراء حقوق/رعاية/منصّات تُضخِّم أثرًا ثقافيًا خارجيًا على حساب الهوية القيمية المحلية.

المسلسلات العبثية التي تولِّد كبتًا وضغطًا تُكمّل مشهد القلق الجماعي المولّد أصلاً من نشرات الحروب—فتُعمِّق “اقتصاد التشاؤم”.

الإنجازات السعودية تُقدَّم غالبًا في قوالب ترويجية قصيرة (بروموهات/إعلانات)، لا في أعمال فنية مدروسة تمنح الجمهور متعة واعتزازًا ومعنى.

فراغ القوة الناعمة السعودية على الشاشات العربية واضح؛ والأخطر أننا نُصدّر أحيانًا أعمالًا ركيكة/فجّة تُسيء للذائقة (مثل “العاصوف” و“شارع الأعشى” بنسختهما التلفزيونية محل الجدل)، بما يشي بـفقرٍ في الإنتاج الفكري التحريري أكثر منه نقصًا تقنيًا.

 

ماذا نفعل؟ (خطة موجزة قابلة للتنفيذ)

غرفة كُتّاب وطنية (Writers’ Room) بمعايير اختيار صارمة، وتدريب Showrunning، وربط بنقّاد وباحثين اجتماعيين.

مختبر درامي للقوة الناعمة (Saudi Soft Power Lab): تطوير صيغ درامية لـ الإنجاز السعودي (مدينة، طاقة، ثقافة، فن، ريادة) بقصص بشرية ممتعة لا دعائية.

ميثاق القيم الدرامية: خطوط تحريرية ذكية (هوية/اعتدال/بهجة/طموح) بعيدًا عن الوعظ والابتذال.

مؤشرات قياس: الانتماء الإيجابي، سعادة المشاهدة، تقليل العنف الرمزي، تحسّن صورة السعودية خارجيًا.

شراكات عرض دولية ودبلجة/ترجمة احترافية؛ وسلسلة Anthology موسمية قصيرة “قصص من السعودية”.

مسابقات كتابة سنوية وجوائز إنتاج لثلاث فئات: دراما اجتماعية، تاريخ اجتماعي، كوميديا رصينة.

 

ختام إيجابي  

الدراما ليست خصمًا للهوية… بل أقوى أدواتها حين تُصنع بعقلٍ تحريري واعٍ ومتعةٍ جمالية.
وحين تحكي السعودية قصتها الجميلة بلسان الفن، يتحوّل الإنجاز من خبرٍ عابر إلى ذاكرةٍ مُلهمة تعيش مع الناس.