لا تُحمّلني سوء إدارتك

news image

 

✍️  عبدالله العميره

ذات مساءٍ في غرفة اجتماعات إحدى الشركات الكبرى، وقف المدير التنفيذي يُحمّل الموظفين فشل المشروع. صرخ فيهم بنبرة جافة: "أنتم السبب… أنتم لم تنفذوا الرؤية كما طُلب!"
لكن الجميع كانوا يعلمون أن السبب الحقيقي هو التخبط في القرارات، وتبدّل الأولويات، وانعدام المساءلة.

هكذا أيضًا تنهار بعض الدول.

حين تفشل الحكومات في إدارة الملفات الكبرى – من الاقتصاد إلى الأمن، ومن الصحة إلى السياسة – فإن أول ما تفكر به ليس التصحيح، بل التبرير. لا تقول "أخطأنا"، بل تقول "الشعب لم يتعاون، الظروف لم تساعد، الخصوم تآمروا". والواقع؟ أن ما سقط لم يكن النظام، بل فنّ الإدارة.

هل الشعب هو السبب… دائمًا؟

كم مرة سمعنا مسؤولًا يلوم المواطن؟
في كل أزمة معيشية، في كل انهيار اقتصادي، في كل احتجاج شعبي… تُطلق الأنظمة أصواتها: "الناس لا تصبر، الناس لا تفهم، الناس تُخرب أكثر مما تُصلح".
ولكن يا سادة:
لا أحد يُخرب وطنه طواعية، بل يثور حين تُخربونه أنتم، وحين يُصبح إصلاحكم عبئًا عليه، لا أملًا له.

الدول تُدار كما تُدار الشركات… أو تنهار كما تنهارها

الدولة الناجحة تُشبه الشركة الناجحة:

رؤية واضحة

أهداف قابلة للقياس

موظفون مؤهلون

قائد يسمع قبل أن يأمر، ويُخطط قبل أن يُبرر

أما الدول الفاشلة؟ فهي تُدار بمنطق: "اصنع الأزمة، ثم اطلب من الناس الصبر عليها".

إدارة الأزمة… أم صناعة الأزمة؟

نرى اليوم في منطقتنا من يُشعل النار ثم يتحدث عن الإطفاء.
من يُضيّع المال العام ثم يُطالب الناس بالتقشف.
من يزرع الإعلام بالكراهية، ثم يتساءل عن "لماذا لا يوجد وئام؟".

لا تُحمّلني سوء إدارتك.
لا تقل لي أن كل شيء مؤامرة، وأنت لم تُحصّن بيتك ولا اقتصادك ولا إدارتك.
لا تصرخ في وجه الشعب إن طالبك بالإجابة، فالسؤال حق، والإجابة مسؤولية.

الجيل الجديد لا يُصفّق… بل يُحاسب

الوعي تغيّر.
لم تعد الجماهير تُخدع بسهولة.
الشباب اليوم لا ينتظرون بيانًا مطمئنًا، بل خطة عمل.
ولا يهابون المنصب، بل يسألون: ماذا أنجزت؟

نحن في زمن جديد، حيث الحاكم الذكي هو من يُدير دولته كما يُدير رجل الأعمال الناجح شركته:
بكفاءة، وشفافية، ومساءلة، وتجدّد دائم.

ومضة ختامية…

في السياسة كما في الشركات:
حين تُحمّل الآخرين فشلك، فأنت تؤكد فشلك مرتين.

لا تُحمّلني سوء إدارتك. بل تحمّل مسؤوليتك، أو تنحّى.
فمن لا يُجيد الإدارة… لا يلوم النتائج.

وهكذا بعض الدول والشعوب… من إنتاجها وتصرفاتها تعرف: هل تعاني من سوء إدارة؟ أم تحظى بإدارة صالحة؟