إيطاليا: عودة الفاشيّة بوجهٍ جديد

news image

 

منصور مبارك المطيري*

في السياسة والاجتماع الأوروبيَّيْن، شكَّل الصعودُ السريع وغير المألوف لليمين المُتطرِّف ظاهرةً مُحيِّرة ومحفوفة بالمخاطر، ففي "القارّة العجوز" تبوَّأت هذه القوى زمامَ السلطة مُنفردةً كما في إيطاليا وهنغاريا، أو تقاسمتْها من ضمن تحالُفٍ عريض مثلما جرى في السويد، أو فازَتْ بأكثريّة أصوات النّاخبين في فرنسا وهولندا. ويأتي ذلك تحت ظلال مُتغيِّرَيْن كبيرَيْن هما بلوغ الهجرة معدّلاتٍ غير مسبوقة وارتفاع نسبة العازفين عن التصويت في الانتخابات.

يَحار المرءُ في تفسيرِ تلك الظاهرة، لكنْ لا ضير من اللّجوء إلى قاعدةٍ تاريخيّة تتمثّل في حقيقة أنّ إيطاليا هي البلد الذي تتجلّى فيه أطوارٌ متباينة من السياسة قَبل أن تَجد طريقَها إلى بقيّة أوروبا، بدءاً من الفاشيّة في مطلع القرن العشرين، مروراً بصعود ظاهرة رجال الأعمال المُنخرطين في السياسة في نهاية القرن العشرين، وانتهاءً بنموّ الشعبويّة في العقد الأوّل من هذا القرن. في هذا السياق تُمثِّل الحكومةُ برئاسة جورجا ميلوني (أوّل امرأة تتولّى رئاسة الحكومة في إيطاليا) بامتيازٍ عودة الفاشيّة بوجهٍ جديد، وهي بكلّ المقاييس نسخة ملطَّفة من الفاشيّة أَفلحت في جعْلِ سياسات اليمين المُتطرِّف قابلةً للتسويق اجتماعيّاً؛ وهي عمليّة كانت تجري في إيطاليا منذ عقودٍ على قَدَمٍ وساق.

في تصريحاتٍ ناريّة تدفَّقت في خطاباتها الجماهيريّة، جَعلتْ جورجا ميلوني الهجرةَ حَجَرَ الزّاوية في سياساتها الداخليّة، بدءاً من تصريحها الشهير باحتضان إيطاليا نحو 800 ألف مهاجر خلال عامَيْن وزيارتها في العام 2024 مركز تشينغين في ألبانيا، وهو مُجمَّع أُقيم خصّيصاً لحجْز المُهاجرين الذين تنتشلهم السفن الإيطاليّة من عرض البحر؛ حيث يجري فيه فحْصٌ لوثائقهم على نحوٍ يشبه اللّجوء المؤقّت. وفي الأعمّ الأغلب من لقاءاتها تُصرِّح ميلوني بأنّ تلك الترتيبات جَعلتْ من إيطاليا مثالاً للأوروبيّين الرّاغبين باستعادة السيطرة على حدودهم الوطنيّة، وأنموذجاً يُحتذى به لزعماءٍ ينتمون إلى قوى اليمين المتشدّد في أوروبا.

وواقع الأمر أنّ تاريخ إيطاليا يتضمَّن كلمةَ السرّ المنشودة لفكّ شيفرة عَودة الحياة إلى اليمين، في بلدٍ تخنقه سياسات الهجرة وغياب العدالة بين الشمال والجنوب وشيخوخة السكّان. والأهمّ أنّه لا ينفكّ عن توليدِ حياةٍ سياسيّة تَطرح دائماً زعماء مُتشدّدين من طراز بيرلسكوني وميلوني وغيرهما.

إنّ الهشاشة التي تُميِّز مستوياتٍ مختلفة، سواء أكانت جيوبوليتيكيّة أم تاريخيّة أم حضاريّة، تغدو بتشابكاتها عاملاً مهمّاً في مُقارَبة ظاهرة اليمين المتشدّد في إيطاليا. فللبلد مَوقعٌ مُتميّز في جنوب أوروبا وفي قلب البحر الأبيض المتوسّط، يُحاذي جزؤه الأوروبي جبال الألب بحدودٍ مع فرنسا وسويسرا والنمسا وسلوفينيا. كما أنّه شبه جزيرة مكشوفة من الشرق بالبحر الأدرياتيكي والبحر الأيوني من الجنوب وبالبحرَيْن التيراني والإيغوري. وتَتموْضَع غرب إيطاليا جزيرتان معزولتان ضخمتان هما صقلّية وسردينيا، وتتناثر حولها بضعُ جُزرٍ صغيرة. في العام 2023 وصلَ عدد السكّان إلى حوالى 59 مليوناً، تتجاوز أعمارُ ربعِهم 65 عاماً، وهي بذلك البلد الأوروبي الأكثر شيخوخة.

فضلاً عن ذلك، فإنّ الكيانَ السياسي الإيطالي نفسه حديثٌ للغاية. فإيطاليا جرى توحيدها في العام 1859 بعد دمْجِ سبع دويلاتٍ مُتناحرة من طَرَفِ "جوزيبي غاريبالدي"، وأُعلن رسميّاً عن قيام نظامها المَلكي في 17 آذار/ مارس من العام 1861. وقتها كانت هذه الدولة الوليدة تتّسم بالهشاشة، وآية ذلك مقولة "الكونت كافور"، شريك "جوزيبي غاريبالدي" في عمليّة التوحيد، حين خاطَبَ الأخير قائلاً: "لقد تكوَّنت إيطاليا الآن وعلينا البدء بخلْق الشعب الإيطالي". وبقيتْ عناصر الضعف في صلب الدولة النّاشئة. ففي النظام المَلَكيّ الدستوريّ الجديد كان حقُّ المشاركة السياسيّة حكراً على الذكور من ذوي المؤهّلات الجامعيّة والأثرياء الذين يُسدّدون ضرائب عالية، في حين ظلَّت السلطةُ مُحتَكَرة بيَدِ الصفوة من دون أيّة تعديلاتٍ سياسيّة جوهريّة، وفجَّرت تلك الترتيباتُ شرارةَ اضْطراباتٍ دامتْ عقداً كاملاً ما بين 1889 و1898.

وعادتِ الأزماتُ العاصفة لتضربَ الكيانَ الإيطاليّ الهشّ بين الأعوام 1919 – 1922؛ إذ مع حراك طبقة العمّال نحو جعْلِ البلد يتبنّى نظاماً اشتراكيّاً صرفاً، قام بنيتو موسوليني وأتباعه مدعومين من قطاعات التجّار والطبقة الإداريّة العليا للدولة بسحْقِ انتفاضات العُمّال، وفي تشرين الأوّل/ أكتوبر 1922 زَحَفَ موسوليني وميليشيا القمصان السود إلى روما، حيث عَهد إليه المَلك إيمانويل الثالث بتولّي السلطة. وأسَّس موسوليني منذ العام 1925 ديكتاتوريّةً جَثمتْ على صدر الإيطاليّين وتغلْغَلت حتّى في دقائق حياتهم الشخصيّة.

صعود نَجْم برلسكوني

في أعقاب الحرب العالميّة الثانية، جرى استفتاءُ حزيران/ يونيو 1946 الذي اصطُلح على تسميته بالقوس الدستوري؛ حيث اختار 54% من المُقترِعين تأسيسَ نظامٍ جمهوريّ على أنقاض المَلكيّة، وشهدتْ تلك الفترة تطوُّراً اقتصاديّاً يعود الفضل فيه إلى الورشة العملاقة للدعْم الأوروبي في العام 1951 ثمّ مساعدات الصندوق الأوروبي في العام 1957. وكان أبرز مُخرجات القوس الدستوري استبعاد الحركة الفاشيّة (حركة الاشتراكيّة الوطنيّة) والحزب الشيوعي الإيطالي عن الحياة السياسيّة. ومع ذلك كان النصف الثاني من القرن العشرين حقبةَ اضْطراباتٍ عصفتْ بالبلاد على شكلِ موجاتِ عنفٍ وهجماتٍ واختطافٍ قامت بها ميليشياتٌ من أقصى اليسار مثل "الألوية الحمراء" وجماعاتٍ تنتمي إلى أقصى اليمين، وهي الفترة التي تبوَّأ فيها الحزبُ الديموقراطي المسيحي سدّةَ الحُكم حتّى بداية التسعينيّات من القرن الماضي.

وفي وقتٍ بَدا فيه أنّ العَفنَ السياسيّ قد استَشرى في الحياة السياسيّة، بدأتْ في العام 1992 ما أُطلق عليها عمليّة "الأيادي النظيفة" التي كَشفت فساداً شاملاً للطبقة السياسيّة. وفي أجواء اليأس وضياع اليقين طفا على السطحِ مَشهدُ السياسيّ الملياردير سيلفيو برلسكوني زعيم حزب "إيطاليا القويّة"، الذي سيتبوّأ بين الأعوام 1994 - 2011 رئاسةَ الحكومة لأربع دَورات. نَجح برلسكوني عبر نسْجِ تحالُفٍ مع "رابطة الشمال" بقاعدته الجماهيريّة الواسعة، وتأجيج دعوات الانقسام بين الشمال والجنوب في البقاء في سدّة الحُكم. ويؤرِّخ صعودُ نجْم برلسكوني إلى بدايةِ ظاهرة الشعبويّة الأوروبيّة، وازدهار حركاتٍ يمينيّة في إيطاليا من بينها "الخمس نجوم" بزعامة بيبي غريولي و"ليغا" بقيادة ماتيو سالفيني. وفي خضمّ هذه التحوّلات السريعة، باتَ تسلُّق جورجا ميلوني هَرَمَ السلطة مسألةَ وقت.

ولئن صدقَ القول بأنّ الفاشيّة هي الابنة الشرعيّة للرأسماليّة، فإنّ حزب ميلوني المُترعرِع في الشمال، قلب الاقتصاد الإيطاليّ، كان دليلاً دامغاً على صحّة تلك الفرضيّة. فالإقليم الشمالي الأشدّ التصاقاً بالقارّة الأوروبيّة، تركَّزت في غربه غالبيّة الصناعات الثقيلة ومراكز الشركات العالميّة التي توزَّعت على مُدنِ ميلانو وتورينو وجنوا. أمّا شرق الإقليم فاستقرَّت فيه سلسلةٌ من الشركات متوسّطة الحجْم وباتت مَقرّاتُها في مُدنِ فيرونا وبارما وبولونيا وفينيسيا، وعلى سواحل الشرق نفسه، ازدهرتْ كذلك صناعاتٌ ثقيلة وأخرى مثل أحواض بناء السفن. وهذه صورة مُغايرة للإقليم الجنوبي الذي يُسمّى "ميزوجيورنو" الذي يَعتمد اقتصادُه بشكلٍ مطلق على الفلاحة والسياحة ويعاني نصف سكّانه من البطالة، وتحديداً من فئتَيْ الشباب والنساء. ففي بلدٍ لم يَنفض عن نفسه أنماطَ إنتاجٍ مُتهالكة، لا يزال الإنتاجُ الزراعي فيه خاضعاً لحفنةٍ أرستقراطيّةٍ من ملّاك الأراضي. وعلى الرّغم من محاولات الدولة بين الأعوام 1950 - 1990 تمويل الصناعة من خلال تخصيص صندوقٍ للجنوب، إلّا أنّ مشروعاته لم يُكتب لها أن تَكتمل، وبالتالي لم يَستفد منها الجنوب. وما نَثَرَ كثيراً من المِلح على جراح الجنوب كان سطوة المافيا (الجريمة المنظَّمة) التي يَبتلع زعماؤها أموالَ المساعدات مع إحجام الحكومة عن الإشراف على المشروعات ومُتابعتِها. وذلك ما أسهم في تغوُّل مافيات مثل كامورا وكوزا نوسترا ودرانغيتا بحيث باتت سطوتها تغطّي الإقليمَ الشمالي.

إيطاليا قِبلةٌ للمُهاجرين

المُفارَقة أنّ إيطاليا حتّى زمنٍ قريب كانت بلداً يُصدِّر المُهاجرين للعالَم، وبخاصّة صوب العالَم الجديد، فالهجرة عنصرٌ راسخ في الحياة الإيطاليّة، حتّى أنّ الأغنية الأكثر شهرة في الثقافة الإيطاليّة التي صدح بها المطربُ الشعبي ريناتو كاروسوني في العام 1956 وعنوانها "تودّ لو كنتَ أميركيّاً أو تريد أن تكونَ أميركيّاً" كان موضوعها عن الهجرة والحُلم بالسفر إلى أميركا. ولكنّ الآية انقلبت بعد انهيار جدار برلين، فأصبحت إيطاليا قبلةً للمُهاجرين من شرق أوروبا وأفريقيا بدلاً من أن تكون مَصدراً للمُهاجرين.

بيد أنّ إيطاليا التي كانت في ما مضى تَفتح موانئها الكبرى لاحتضان المُهاجرين وشيَّدت مراكزَ كبرى لاستقبالهم وتقديم الإغاثة الأوّليّة لأفواجهم الكبيرة، سرعان ما طأطأت رأسَها لاحتجاجاتِ بعض دول الاتّحاد الأوربي مثل جمهوريّة التشيك وبولندا وهنغاريا وسلوفينيا وقطعتْ ميلوني وعداً بأنّها وحزبَها سيعتمدون قواعد متشدّدة لإعادة تمركُز طالبي اللّجوء. وبالفعل بَعد انتزاع ميلوني وحزبها اليميني المتطرّف الفَوز بالانتخابات في العام 2022 انخفضَ عددُ المُهاجرين سنويّاً إلى إيطاليا من 127 ألف مُهاجرٍ في العام 2023 إلى 43 ألفاً في العام 2024.

ولكنّ ما كانت تفعله ميلوني على المستوى المحلّي هو تبنّي سياساتٍ اقتصاديّة يمينيّة مُحافظة تَستعيد أشباح الفاشيّة القديمة، فصبَّت سياسات التقشّف على طبقة العمّال، وسدَّدت لطمةً قويّة للطبقات الدنيا بإلغائها الدَّعْم الحكومي للمواطنين في كانون الثاني/ يناير 2024 والذي كان يستفيد منه حوالى ثلاثة ملايين شخص. كما نفَّذت ميلوني برنامج خصْخَصة كبيراً من خلال بيْع حصّة الحكومة في عددٍ من الشركات الإيطاليّة مثل عملاق الطّاقة "إيني"، وشركة البريد الإيطالي، وشركة السكك الحديديّة الإيطاليّة.

مع ذلك عجزتْ سياساتُ جورجا ميلوني الهوجاء عن تحسين النموّ، فعادتْ إلى الاتّحاد الأوروبي الذي كانت تهاجمه في كلّ شاردة وواردة لتستجدي منه مساعداتٍ هائلة. وللحقّ فإنّ الاتّحاد الأوروبي يقوم بدَورٍ مركزيّ في تعزيز النموّ الاقتصاديّ الإيطاليّ، فإيطاليا هي المُستفيد الأكبر من خطّة الاتّحاد الأوروبي في دعْم اقتصادها عبر حزمةٍ ماليّة قُدِّرت بـ 190 مليار يورو. وميلوني التي تستمدّ قوَّتَها من إشاعةِ مشاعر الذعر من التدهور الحضاري لأوروبا وقدوم الغرباء المُهاجرين إليها، حرصتْ، بعد جلوس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي، على أن تُروِّج بضاعتَها القديمة في أميركا، مُستندةً إلى صداقتها مع قطبِ الصناعة إيلون ماسك، أحد المُقرَّبين من الرئيس الأميركيّ.

*كاتب من الكويت