حين تُضاء القبور… وتُطفأ القلوب
✍️ عبدالله العميره
VL. WYDV
"يموتون في صمت… ويُعزى لهم القريبون حقًا.
ويموت آخر… فتمتلئ الشاشات، وتُنكس الذاكرة."
الهالة الإعلامية التي أحاطت باللاعب دييغو جوتا بعد وفاته، كانت ضخمة بشكل لا يشبه ما حظي به غيره من اللاعبين أو حتى المشاهير.
منذ وقوع الحادث، وحتى دخوله الكنيسة ثم نقله إلى مثواه الأخير، تابعت الكاميرات كل تفصيل…
وكأن العالم فقد أحد ملوكه.
بل إن بعض مشاهد الوداع لم تُشاهد إلا في جنازة الملكة إليزابيث، أو قبلها الأميرة ديانا.
📰 الإعلام… ومَن يستحق الضوء
قد يقول قائل: "هذا طبيعي… فالإعلام الغربي مهووس بالنجوم".
لكن ما لم يكن طبيعيًا، هو أن يتحوّل الحدث إلى مصيبة عالمية في الإعلام العربي، وكأن جوتا قريب الدم والوجدان.
ولا أعني أن الموت لايعرف قريب ولا بعيد.. فالخالق واحد ، ومن يأخذ الروح بأمر رب واحد.
إنما أعني أن هذا القدر من الاهتمام، لم يُمنح من قبل لأي لاعب أو فنان أو مشهور عربي، رغم مكانتهم وقيمتهم.
كان من الطبيعي أن يتابع الإعلام الغربي تفاصيل الحادث، وأن تُقدَّم العزاءات.
لكن أن يسلك الإعلام العربي نفس الدرب بنفس الانفعال، وبلا مسافة نقد أو توازن، فهنا يُستدعى المثل الشعبي:
"مع الخيل يا شقراء."
قلت مرارًا إن الإعلام العربي، ومع الأسف إعلامنا أيضًا، لا يُحسن استثمار القصص… ولا يُجيد صناعتها.
هو في الغالب ناقل متأخر، أو صدىً ممل لببغاء آخر سبق أن صاح في الغرب.
بدل أن يُمسك بالخيط الأول ويرسم القصة،
يُفضّل أن يُصفّق لما صاغه غيره… ثم يردده، دون حسّ، دون وعي، دون روح.
إنها أزمة عقل إعلامي لا يملك خيالًا… بل ينتظر التعليمات.
⚽ ذكاء اللاعب… وذكاء ليفربول
لا يُنكر أحد أن جوتا كان لاعبًا ذكيًا، هادئًا، يعرف متى يسجل ومتى يصمت.
حتى في الإعلام، كان يعرف متى يظهر، ومتى يختفي.
وليفربول بدورها، استثمرت حضوره في حياته، وتحولّت وفاته إلى استثمار إعلامي عاطفي ذكي، ضمن ما يُسمى بـ"سياسة الهالة الرمزية".
🖤 أما الموت الصامت…
قبل عشرة أيام فقط، توفيت شقيقتي الصغرى، بعد مرض مفاجئ لم يمهلها أكثر من 12 ساعة.
الخبر كان صادمًا لي ولأشقائي وشقيقاتي.
كان الحضور في العزاء كثيفًا، والقلوب حولنا صادقة…
لكن الغياب الذي آلمني كان من الزملاء… من الوسط الإعلامي.
لم يحضر أحد، ولم أسمع صوت أكثرهم، إلا من هم أقل من أصابع اليد الواحدة.
ولا عزاء من وزير الإعلام، ولا من مساعده، رغم أنني أخبرتهما بنفسي.
كنت أظن أن بيننا قُربًا إنسانيًا، لكن يبدو أن ظني لم يكن في مكانه…
بل حتى ظني "الخائب" في بعض مسؤولي الوزارة لم يخذلني هذه المرة.
بل عزائي كان ممن لا يبحثون عن الضوء، بل يملكون القلب:
من الأمير عبدالعزيز بن عياف، نائب وزير الداخلية ومن الأمير فواز بن عبدالله،
ومن معالي الدكتور ماجد القصبي، وزير التجارة ، وصاحب الرؤية الإعلامية المعروفة ..
🧭 هنا يُختبر الإنسان… لا عدّاد الكاميرات
الموت لا يطرق باب أحد بدون إذن.
لكنه حين يدخل، يكشف قلوب الأحياء.
يُعرّي التهاني المعلّبة.
ويكشف الصمت المتواطئ.
ويعيد ترتيب الناس من حولك… فمنهم من يُحضر وردًا بلا كلام، ومنهم من يمرّ وكأنه لم يسمع شيئًا.
🌍 الإعلام… حين يلهث وراء الهالة
الإعلام لا يُلام دائمًا، لكنه يُسأل:
لماذا تصرخ لهالة جوتا… وتصمت أمام جروح القريب؟
هل أصبح الخبر ما يبكي المشاهد؟
أم من يحرك العناوين بالإعلانات؟
أم هل فقدنا حس التوازن، في زمن تموت فيه القيم، وتُولَد "الترندات"؟
✍️ أخيرًا…
رحم الله من رحل بصمت.
والعزاء الحقيقي ليس لمن مات… بل لمن عاش بين أناس لا يملكون إلا إعجابات صامتة، وهروبًا من السؤال حين يكون العزاء واجبًا.
🔹 تنويه واجب:
قد يظن بعض "صغار العقول" أنني أطلب مساواة في الاهتمام بين موتي وموت جوتا…
لا يا سادة، لست أنا من يقيس القلوب بعدد الكاميرات.
إنما أتحدث عن الخذلان القريب… حين يصمت من كان يفترض أن يواسي،
بينما يُتقن الإعلام الآخر فعلته في تضخيم ما لا يعنينا،
ويُرينا كيف نصبح غرباء حتى في موتنا.