النّزاع الهنديّ/ الباكستانيّ وتأثيره على الأمن الإقليميّ
د. وائل عوّاد*
تتناول هذه الورقة البحثيّة التطوّرات الأخيرة في النّزاع القائم بين الهند وباكستان في ضوء التحوّلات الجيوسياسيّة الإقليميّة والدوليّة، والتغيّرات المُتسارعة في خريطة التحالُفات الدوليّة، ولاسيّما التقارُب الهنديّ - الأميركيّ من جهة، والتحالُف الباكستانيّ - الصينيّ من جهةٍ أخرى. وتُسلّط الورقةُ الضوء على أثر هذه التحالُفات على مستقبل النّزاع الكشميريّ، مع ازدياد احتمالات التدويل، وتوسُّع التوتّرات لتَشمل أبعاداً تتجاوَز الإقليم.
لم يكُن تقسيم شبه القارّة الهنديّة في العام 1947 مجرّد إجراء جغرافي، بل نَتج عنه تصدّعٌ عميق في النسيج الاجتماعي والدّيني، أسهمت بريطانيا في ترسيخه خلال فترة استعمارها الطويلة للمنطقة. فقد مارَست سلطاتُ الاحتلال سياسة "فرِّق تسُد" بوصفها وسيلةً لإضعاف الوحدة الداخليّة، وتشجيع الانقسامات على أُسسٍ طائفيّة وعرقيّة. وفي هذا السياق، تُتداول في الثقافة الشعبيّة العراقيّة مقولةٌ تَعكس هذا الإدراك الشعبيّ لتأثير التدخّلات الأجنبيّة، وتقول:
"إذا رأيت سمكتَيْن تتقاتلان في النهر، فاعلم أنّ إنكليزيّاً مرَّ من هنا."
كما تُنسب هذه المقولة أحياناً، من دون توثيقٍ قاطع، إلى المهاتما غاندي، في إطار نقْده للمُمارسات البريطانيّة التي زَرعتْ بذور الصراع بين المكوّنات الهنديّة المُختلفة في البلاد.
وعليه استطراداً يُعَدّ النِّزاع الهندي - الباكستاني من أطول الصراعات الإقليميّة وأكثرها تعقيداً في جنوب آسيا، حيث يشكّل ملفّ كشمير جوهر الخلاف بين الجارتَيْن منذ تقسيم شبه القارّة الهنديّة في العام 1947. وتعدّه إسلام آباد "لبّ الصراع" مع نيودلهي، في حين تراه الأخيرة قضيّة داخليّة غير قابلة للتفاوُض.
ومع تصاعُد التوتّرات العسكريّة والدبلوماسيّة بين دولتَيْن نوويّتَيْن، يَبرز دَور التحالفات الجيوسياسيّة الجديدة كعاملٍ حاسِم في إعادة تشكيل بيئة الصراع. فهل نحن أمام عودةٍ إلى نقطة الصفر، أم أمام تدويلٍ غير مسبوق للنزاع الكشميري؟
لقد أَعادتِ الأحداثُ الأخيرة في ولاية جامو وكشمير تسليطَ الضوء على مخاطر اندلاع حربٍ نوويّة، وخصوصاً بعد تلميحاتٍ باستخدام السلاح النووي، ما أَثار قَلَقَ المجتمع الدوليّ من احتمال انزلاق المنطقة إلى مُواجَهةٍ واسعة النّطاق، في ظلّ غياب آليّاتٍ موثوقة لمنْع التصعيد.
وعلى الرّغم من نفي نيودلهي لأيّ دَورٍ أميركي في منْع التصعيد، على خلفيّة تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إلّا أنّ الوجود الأميركي غير المباشر في جبال الهيمالايا من خلال الهند، كشفَ عُمق التنافُس الدوليّ على النفوذ في هذه المنطقة الحسّاسة؛ فلم يعُد الصراع في الهيمالايا مجرّد نزاعٍ حدودي، بل تحوَّل إلى ساحةِ تنافسٍ جيوسياسي بين قوىً كبرى، على رأسها الولايات المتّحدة والصين.
تُعَدّ الأهميّة الجيوسياسيّة لإقليم جامو وكشمير محوريّة في الصراع الهندي - الباكستاني، ليس بسبب رمزيّته السياسيّة والدّينيّة فقط، بل أيضاً لما يتمتّع به من موقع استراتيجي يَجعل منه بوّابة الهند نحو دول آسيا الوسطى. ويَكتسب الإقليم أيضاً بُعداً حيويّاً بسبب منابع المياه، إذ تُعَدّ كشمير مصدراً لثلاثة من أهمّ الأنهار التي تتدفّق إلى باكستان، ما يَجعل السيطرةَ على الإقليم مسألةً شديدة الحساسيّة للطرفَيْن.
في هذا السياق، تمَّ التوقيع على "معاهدة مياه نهر السِّند" في العام 1960 برعاية البنك الدولي، لتنظيم تقاسُم الموارد المائيّة بين البلدَيْن، كما أَعقبتها "اتّفاقيّة شِملا" في العام 1972 التي نصَّت على حلّ النّزاعات بالطُّرق السلميّة عقب الحرب الثالثة. وعلى الرّغم من هذه الاتّفاقيّات، خاضَ البَلَدان ثلاث حروب دامية حول الإقليم، وكادا يَنزلقان إلى حربٍ رابعة في العام 1999 إثر الصراع المسلَّح في منطقة كارجيل، والذي شكَّل أحد أخطر فصول المُواجَهة بين القوّتَيْن النوويّتَيْن.
منذ تسلَّم حزب بهارتيا جاناتا القوميّ الهندوسيّ زمام السلطة في الهند، انتهجتِ الحكومةُ سياسةً خارجيّة تَهدف إلى فكّ الارتباط الجيوسياسي التقليدي مع باكستان، في إطار رؤية أوسع لترسيخ مكانة الهند كقوّة عالميّة صاعدة تَتجاوز حدود جنوب آسيا، وتُسهِم في صوْغ موازين القوى في المُحيطَيْن الهندي والهادئ.
رافقتْ هذا التوجُّهَ حملةٌ إعلاميّة وسياسيّة مُمنْهَجة سَعتْ إلى تصوير باكستان باعتبارها دولةً راعية للإرهاب العابر للحدود، ومأوىً لجماعاتٍ مسلَّحة متورّطة في تنفيذ هجماتٍ تخريبيّة داخل الأراضي الهنديّة، وهو ما ساعَد على كسْبِ تعاطُفٍ دوليّ مع الرواية الهنديّة.
في المقابل، تبنّت نيودلهي خطواتٍ متشدّدة تجاه إقليم جامو وكشمير، تَمثَّل أبرزها في العام 2019 في إلغاء المادّة 370 من الدستور الهندي، والتي كانت تَمنح الإقليم وضعاً قانونيّاً خاصّاً يتمتّع بقدرٍ من الحُكم الذاتي، في محاولةٍ لفرْضِ أمرٍ واقعٍ جديد، ما فاقَم التوتُّر مع إسلام آباد وأَعاد النِّزاع إلى واجهةِ الاهتمام الإقليميّ والدوليّ.
هذا الإجراء اعتُبر من قِبل باكستان خطوةً استفزازيّة وانتهاكاً صريحاً للاتّفاقيّات الثنائيّة والدوليّة التي تُنظِّم العلاقةَ بشأن كشمير. وقد أدّى هذا التحوُّل إلى إعادة النّزاع إلى نقطةٍ حَرِجة، اتَّسمت بتصعيدٍ حادّ في الخطاب السياسي، وتجميدٍ شبه كاملٍ لقنوات الحوار والتواصُل بين البلدَيْن.
كما تعرَّض إقليم جامو وكشمير لسلسلةٍ من الهجمات الإرهابيّة البارزة، ولاسيّما في عامَيْ 2016 و2019، ما زادَ من حدّة التوتّرات الأمنيّة بين الهند وباكستان؛ إلّا أنّ الهجوم الإرهابي الذي وَقَعَ في 22 نيسان/ أبريل 2025 في منطقة باهالغام، والذي استهدفَ مَدنيّين من السيّاح الهنود، شكَّلَ نقطةَ تحوُّلٍ خطيرة. فقد أَثار هذا الهجوم غضباً شعبيّاً واسعاً داخل الهند، وسارعتْ نيودلهي إلى تحميل باكستان مسؤوليّته؛ وكانت هناك رغبةٌ سياسيّة وعسكريّة بالانتقام من باكستان في أوّل مرّة من تاريخ الهند السياسي.
وردّاً على ذلك، شنَّت الهند عمليّاتٍ عسكريّة محدودة داخل الأراضي الباكستانيّة، ما دَفَعَ إسلام آباد إلى الردّ بالمِثل، لِتَدْخُلَ العلاقات بين البلدَيْن في دوّامةٍ جديدة من التصعيد. وقد أَسهم هذا التوتُّر المُتجدّد في إعادة حصْر موقع الهند الدولي ضمن الإطار الإقليمي لجنوب آسيا، في وقتٍ كانت تسعى فيه نيودلهي إلى لَعِبِ دَورٍ أوسع في توازُنات المنطقة.
إنّ هذا التراجُع لا يُعَدّ مجرّد انتكاسة تكتيكيّة للهند، بل يُمثِّل نقطةَ تحوُّلٍ استراتيجيّة قد تُقوِّض مكانتَها الدوليّة. فقد أَعادتِ التطوّراتُ الأخيرة ربْطَ الهويّة الجيوسياسيّة للهند مجدّداً بخصومتها التقليديّة مع باكستان، وأعادت قضيّةَ كشمير إلى صدارة الأجندة الدوليّة، بما قد يعيق طموحاتها في التحوُّل إلى قوّة قياديّة ضمن النظام الإقليمي في منطقة الإندو - باسيفيك، والهادئ.
وفي محاولةٍ لتصحيح المَسار وتوسيع الدَّعم الدوليّ لموقفها، أَطلقت الهند حملةً دبلوماسيّة واسعة النّطاق تمثَّلت في إرسالِ وفودٍ من مختلف الأحزاب السياسيّة إلى عددٍ من العواصم العالميّة، بهدف توحيد الخطاب السياسي وتقديم موقفٍ موحَّد يُحمِّل باكستان مسؤوليّةَ دعْم الإرهاب. وسَعتْ نيودلهي من خلال هذه التحرّكات إلى تَعرية السياسات الباكستانيّة أمام المجتمع الدوليّ، وتأكيد أنّ الهند لن تتهاون في مواجهة أيّ تهديد إرهابي، مُعتبرةً أنّ أيّ هجوم يَستهدف أراضيها أو مُواطنيها سيُعَدّ بمثابة عملٍ عدائيّ يَستوجِب ردّاً عسكريّاً حاسِماً على مصادر الإرهاب، أينما كانت.
الأبعاد الدوليّة للصراع
دخلتِ القوى العظمى طَرَفاً فاعِلاً في الصراع الدائر في جبال الهيمالايا، بعدما عزَّزت كلٌّ من الهند وباكستان من تحالفاتِهما الإقليميّة والدوليّة. فقد شهدتِ العلاقاتُ الهنديّة - الأميركيّة تطوّراً نوعيّاً خلال العقد الأخير، ولاسيّما في مجالات الدّفاع والتكنولوجيا والطّاقة، ما أسَّس لشراكةٍ استراتيجيّة عميقة تَستند إلى مصالح مُشترَكة في احتواء النفوذ الصينيّ في منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ. سعتِ الهند إلى استثمار التحوّلات الجيوسياسيّة الإقليميّة والدوليّة لتغيير موقعها في الخارطة الاستراتيجيّة العالميّة، من خلال فكّ الارتباط التقليدي بصورتها كطَرَفٍ دائمٍ في النِّزاع مع باكستان، والعمل على تقديم نفسها كشريكٍ موثوق وبديل استراتيجي للصين في منظومة التحالُفات الغربيّة، ولاسيّما في القاموس السياسي والاستراتيجي الأميركي. وقد بَرز هذا التوجُّه بشكلٍ واضح من خلال الانخراط المُتزايد في مُبادراتٍ مثل "الحوار الأمنيّ الرباعي" (QUAD) والتعاون الدفاعي مع واشنطن، بما يَعكس رغبةَ نيودلهي في إعادة صوْغ هويّتها الدوليّة، ليس كدولةٍ صراعيّة في جنوب آسيا، بل كقوّةٍ ناشئة في منطقة المحيطَيْن الهندي والهادئ يُمكن الاعتماد عليها في موازنة نفوذ بكين.
في المقابل، تعزّزت العلاقات الصينيّة - الباكستانيّة بشكلٍ لافت، وخصوصاً في إطار "المَمرّ الاقتصادي الصيني - الباكستاني" (CPEC) الذي يُعَدّ أحد المشروعات الكبرى لمُبادرة "الحزام والطريق" الصينيّة، ويُشكِّل محوراً حيويّاً في استراتيجيّة بكين لتوسيع نفوذها غرباً.
هذا الاصطفاف الاستراتيجي المُتقابل بين نيودلهي وواشنطن من جهة، وإسلام آباد وبكين من جهة أخرى، لا يَقتصر على التنافُس الجيوسياسي، بل يُسهم بشكلٍ مباشر في تعقيد أيّ فُرص لحلٍّ ثنائي سياسي بين الهند وباكستان، ويزيد من خَطَرِ تدويل الصراع وتحويله إلى ساحةِ صراعٍ بين القوى الكبرى على النفوذ في جنوب آسيا.
واشنطن لم تُصبح طَرفاً عسكريّاً مباشراً في النّزاع، لكنّها أصبحت طَرفاً استراتيجيّاً مؤثّراً من خلال دعْمها للهند سياسيّاً وعسكريّاً، وهذا يُعزِّز الانقسامَ الإقليمي ويزيد من تعقيد الأزمة، وخصوصاً في ظلّ استمرار المُنافَسة مع الصين والتوتّرات مع باكستان.
نظرة مستقبليّة
في ضوء ما سبق، يتّضح أنّ النّزاع بين الهند وباكستان لم يَعُد مجرّد خلافٍ حدوديّ تقليديّ حول كشمير، بل أصبح أنموذجاً كلاسيكيّاً لتدويل الصراعات الإقليميّة في بيئةٍ دوليّة مشحونة بتنافُسٍ استراتيجي بين القوى الكبرى.
التحالُف الهندي - الأميركي من جهة، والشراكة الباكستانيّة - الصينيّة من جهةٍ أخرى، أَضْفَتا أبعاداً جديدة على هذا النّزاع، تتجاوَز التاريخ والجغرافيا، لتشمل التوازنات العسكريّة، والممرّات الاقتصاديّة، وصراع النفوذ الإقليمي.
لقد أدّى تفاقُم التوتّرات، ولاسيّما بعد أحداث الهجمات الإرهابيّة الأخيرة والتصعيد العسكري عبر الحدود، إلى عودة كشمير إلى صدارة الأجندة الدوليّة، وربْط مصير الأمن الإقليمي في جنوب آسيا بمَسارات السياسات الكبرى في واشنطن وبكين ونيودلهي. ومع غياب آليّاتٍ فعّالة لمنْع التصعيد، وضعْف الثقة بين الطرفَيْن، تبقى احتمالاتُ المُواجَهة العسكريّة، ولو المحدودة، واردةً في أيّ وقت، وخصوصاً إذا ما استُخدمت الهجمات الإرهابيّة أو الاشتباكات الحدوديّة كذرائع لتبرير الردود العسكريّة.
أمّا على المدى الاستراتيجي، فإنّ استمرار هذا الوضع من دون تسويةٍ دبلوماسيّة جادّة، سيؤدّي إلى تعقيد البيئة الأمنيّة في آسيا، ويقوِّض جهودَ التعاون الإقليمي، ويَزيد من احتمالاتِ نشوبِ صراعٍ نوويّ كارثيّ، قد يمتدّ أثره إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافيّة للهند وباكستان.
هكذا ولمزيدٍ من توضيح الأمور واختزالها نُشير إلى الآتي:
خَطَر المُواجهة النوويّة يَظلّ قائماً ما دامتِ العقيدةُ العسكريّة للطرفَيْن تُجيز الرَّدْعَ بالقوّة، مع غياب آليّاتِ ضبْطِ التصعيد.
تدويل النّزاع سيُضعِف فُرص الوساطات الإقليميّة، ويَجعل أيَّ تفاوُضٍ مرهوناً بحسابات القوى الكبرى، لا بإرادة الطرفَيْن فقط.
التحوّلات الجيوسياسيّة قد تُفاقِم الوضع، بخاصّة إذا تحوَّلت منطقة الهيمالايا إلى بؤرةِ صراعٍ ثلاثيّ (الهند – الصين - باكستان) تَستقطب تدخُّلاتٍ غير مباشرة من واشنطن.
الحلّ المُستدام لا يُمكن أن يتحقَّق من دونِ مَسارٍ سياسي يَشمل تسويةً عادلةً لقضيّة كشمير، وضماناتٍ أمنيّة مُتبادَلة، وأُطراً إقليميّة لإدارة الأزمات.
وعليه، فإنّ كَبْحَ جماح التصعيد، والعودة إلى الحوار، وتدويل الحلّ بدلَ النّزاع، باتت ضروراتٍ استراتيجيّة، إن أرادَ العالَم تجنُّبَ حربٍ قد تَخرج عن السيطرة في واحدةٍ من أخطر مناطق التماس الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين.
* باحث وإعلامي من سوريا مُقيم في الهند