الشاعر إدواردو دیلدوکا فارس السِّلم العالَمي

news image

 

 

د. ناديا ظافر شعبان*

نعيش في عالَمٍ صعب، قاسٍ وشَرِسٍ، أَضاعَ توازُنَه، وهو كما رَصَدَ واقعَهُ الشاعر الأوروغواييّ المعروف رودولفو ناريو، حيّزٌ تُغتال فيه المَلائكة، ويُغتاَل الأطفال، ويَتأرْجح ميدانُه كما فضاؤه بَين اليأس والأمل.

في هذا الزمن الأدْكن، المشحون بالظّلم، يجتاحُ العنفُ العديدَ من نقاطِ خريطة هذا العالَم، بداعي الحروب العبثيّة التي يُشعِلها تقاسُمُ النّفوذ بين قوَّتيْن عُظميَيْن، سبقَ أن تنبَّأ بالصدام المدمِّر بينهما المفكّرُ الغرناطيّ العالَمي آنخيل غانيفيت في أواخر تسعينيّات القرن التّاسع عشر.

يستتبع في الأرض المحروقة التي اختيرت مَسرحاً للمُجابَهة بين القوّتَيْن العُظميَيْن، انهيارُ القيَم الإنسانيّة، قهْرُ الأفراد والجماعات، انتشارُ رقعة الفقر والجوع، تشرُّدُ كثيرٍ من البَشر، تفشّي الكراهية للآخر، الأنانيّات المُستفحِلة، وأسوأ من ذلك كلّه تهميش الفكر المستقلّ والمُجدِّد. فيتساءل واحدُنا، بعد رصدِه عناوين هذا الواقع الأليم: علامَ إذاً اغتيال الملائكة والأطفال، ما دام أنّ المُتخاصِمَيْن سيتصالحان في النهاية، بخاصّة بعد ترتيب أوراقهما وإنقاذ مصالحهما الماديّة على أرض الواقع؟!

هل يستطيع الكاتبُ أن يفعل شيئاً لتضميد جراح الإنسانيّة؟ القصيدة أو الرواية أو القصّة هل تفي باستحداث رمزيّةٍ ما من شأنها التأثير والتذكير بالواقع الأليم، فيما السلطة ليست بيَدِ كتّابها، وفيما هُم ليسوا في مواقع القرار السياسي؟

وسط هذه البانوراما الدمويّة والرماديّة التي تَفتك بالإنسان والجماعات، يَبرز اسمُ الشاعر الفنرويلي الدكتور "إدواردو دیلدوکا"، متحدّثاً باسم أكثر من خمسة عشر ألف كاتبٍ وكاتبة، وشاعرٍ وشاعرة، وفنّانٍ وصحافيّ من كلّ أنحاء العالَم، هؤلاء الذين انضووا تحت رايته في اتّحادٍ عالَميّ شِعارُه "متّحدون من أجل سلام العالَم". فيُقنعنا إدواردو دیلدوکا بأنّ "الكاتب لا يستطيع أن يظلّ مُسالِماً"، ومُكتفياً بنَظْمِ قصيدةٍ أو بكتابةِ روايةٍ، فيما شعوبٌ بأكملها تُستبعد وتتعرَّض للإبادة المنظَّمة، من قِبَلِ قوىً عظمى بعَيْنِها.

بشجاعةٍ وجرأة أدانَ الشاعرُ المؤسِّس للاتّحاد المذكور الحروبَ وانتهاكاتِ حقوق الإنسان في القارّة وخارجها، وتضامَنَ مع الشعوب المكلومة والمُحاصَرة، ومع مُقاومتها للدفاع عن وجودِها وكرامتِها، وعن حقِّها في الحياة على أرضها.

بصوتٍ هادئ وعالي النبرة، يقول الشاعر للّذين يغتالون الملائكة والأطفال، ويَدفعهم عنفُهم إلى قهْرِ بَشَرٍ كُثُرٍ، في أيّ أرضٍ كانوا: كفى تعذيباً وقهراً للإنسان، فالتعايُش بمحبّة وسلام بين الشعوب، هو عنوان الغِنى والسموّ في الحياة.

اتّحادٌ عالَميّ متعدِّد الشِعارات

يطولُ التعريفُ بالشاعر إدواردو دیلدوکا. ومَن يَقرأ سيرَته يُدرِك أنّه يَعيش أعماراً في عُمرٍ واحدٍ. اسمه الكامل إدواردو رامون دیلدوکا مورينو، وُلد في العام 1960 في مدينة فاليرا في مُقاطعة تروخيو الفنزويليّة. الشعر هو حبّه الأوّل ومُوجِّه حياتِه. اللَّقب الذي عُرِف به هو فارس النور والريشة الذهبيّة، وفارس السِّلم العالَمي. يحمل شهادة دكتوراه في عِلم الاجتماع وأخرى في عِلم البيئة، وحائز على 12 دكتوراه شرف فخريّة في اختصاصاتٍ مُختلفة، مثل الأدب والفلسفة والعلاقات الديبلوماسيّة والسلام.

كما هو حاصِل على جوائز شعريّة مُهمّة، منها "الجائزة اللّاتينيّة للشعر"، التي مَنحه إيّاها "منتدى الكتّاب والشعراء والمثقّفين اللّاتينيّين - الأميركيّين للآداب"، وعلى "ميداليّة ميغيل دي ثرفانتيس للأدب باللّغة الإسبانيّة".

من نشاطاته الثقافيّة المُميَّزة، أنّه سفير النوايا الحسنة لتطوير هيئة الأُمم، وسفير الطفولة في منظّمة الأونيسكو، وسفير القَلم العالَمي للسلام.

منذ مُراهقتهِ وشبابِه حتّى اليوم، كانت الجزيرة العربيّة تُثير خياله، ويَستهويه تاريخها، والتعرُّف إلى واقعها، ومن هنا جاءَ فضوله لمعرفة المزيد عن هذا العالَم العربيّ: واقعه وقضاياه الإنسانيّة والحياتيّة. وكرئيسٍ للاتّحاد الدولي للكتّاب الشعراء والفنّانين، ارتبطَ شاعرُنا بالاتّحاد العربي الدولي للشعر والثقافة في الوطن العربي والمهجر، الذي سمّاه سفيراً له لدى الحكومة الفنزويليّة.

هذا غَيْضٌ من فيْضٍ نذكره، لكنّ المُفاجئ في سيرة هذا الشاعر المُميَّز، هو حُبّه للعالَم العربي والإسلامي، وعلاقة الصداقة التي تربطه ببعض الهيئات الثقافيّة العربيّة التي تسعى إلى تطوير الحياة نحو الأفضل، وتُقدِّر قيمَته الأدبيّة والإنسانيّة العالَمية، وتثمِّن جهودَه لنشْر ثقافة السلام والتسامُح والمحبّة والعِلم والمَعرفة، وتكريس مفهوم التعاوُن الإنساني على الرّغم من كلّ الصعوبات والتحدّيات.

نالَ شهادة تقدير من المجلس الأعلى للاتّحاد العربي للصحافيّين والإعلاميّين والمثقّفين العرب، الذي يرأسه د. عُمر الهراش، وقد كرَّمه لنشْره ثقافة المحبّة والسلام. كما نالَ الجائزة الدوليّة للثقافة من جمعيّة الفنّانين العرب، تقديراً لجهوده في نشْر الثقافة والأدب، وقيَم المحبّة والتسامُح والسِّلم بين شعوب العالَم. كما مَنحته جامعة البسّام للثقافة والفنون والعلوم، شهادة العضويّة الفخريّة، بوصفه ممثِّل الإبداع على مستوىً إنسانيّ، وداعِماً لقضايا التنمية البشريّة.

الشعر في حياته

كان الشعر وما زال حبّه الأوّل في الحياة، وقد تأثَّر بقراءة الشاعر الفنزويلي أندريس إلوي بلانكو في ديوانَيْه "العودة إلى الوطن" و"عِنب الزمان"، وبرواية أرتورو ألسار بيترو "الرماح الملوّنة"، وبأغنية الشاعر المغنّي علي بريميرا "هادئة لشعب شجاع". وبحسب قوله، فإنّ الموسيقى مثل الأدب؛ فهي تعبيرٌ عن الروح، والاستماع إليها يولِّد في أعماقنا الحبَّ الخلّاق، ويسمو بنا فكريّاً.

لقد فجَّرت كتابةُ الشعر طاقاتِه الإنسانيّة، وجعلَت منه مُبدعاً مميَّزاً من خلال محور الألف وخمسمئة قصيدة التي نَظَمَها، ومن بينها قصائد حبّ جميلة ومؤثِّرة عن الحبيبة التي غابت عن حياته، وظلَّت ذكراها حيّة في أعماقه. وعلى الرّغم من أنّ الشيب قد غزا شَعْرَه، إلّا أنّه لا يزال يرحل إلى زمن عشقها:

أُحبّ الزمن الذي كنتِ خلاله لي،

كانت الحياة تَضحك لنا ويَبتسم

الحبّ.

اليوم وأنا لم أَعُد إلى جانبك

أرحل في الزمن باحثاً

عن بلسمٍ لعذابي

يَعتبر إدواردو دیلدوکا أنّ هذه القصيدة، كما نظيرتها التي تحمل عنوان: "السلام في صوتي"، هُما من القصائد الأكثر تمثيلاً لشعريّتهِ وأسئلته الفنيّة، نوردُ بعضاً من أبياتها ذات الكلمات البسيطة التي توحِّده من خلال الصوت مع السلام، وتُقرِّب القارئَ العربيّ إلى عالَم فارس السِّلم العالَمي "المايسترو"، الذي يدعو إلى وحدة الثقافات، كجِسر لقاءٍ فعّالٍ بين مختلف الشعوب، والأهمّ:

أنا صوت الكلمة

عندما تحبّ

صرخة حزينة في

الأفق الذي يتألَّم

صوت حبّ لأنشد للسلام

لتحقيق السلام وتهْدئة الحرب

السلام في صوتي

نَشَرَ الشاعر ديلدوكا قصائده الألف وخمسمئة ورقيّاً وإلكترونيّاً. فهيَّأ له صداها في القارّة وفي خارجها أرضاً خصبة لإطلاق ندائه إلى التعايُش بسلام مع الجميع. "فالثقافة هي اللّغة الأكثر نقاءً وقدرةً على التقريب بين البشر، ووحدة الثقافات تُمهِّد الطريق أمام السلام العالَمي".

في قصائد السلام والمَحبّة التي وقَّعها الشاعر الذي تدمع عيناه لمشاهِد البؤس، ثمّة عذابات الاطفال والإنسان. وقد جابَهَ بها ديلدوكا اللّغةَ البشعة لإيديولوجيا العصر الماديّة، الخالية من المبادئ الإنسانيّة والأخلاقيّة، وتُكرِّس التمايُزَ بين البشر، وفق المناطق التي ولدوا فيها، وتُحرِّض على كراهية الآخر المُختلف ورفْضه والتعالي عليه، وتجاهُل الظلم الذي يتعرَّض له.

بعد تجربته في "هيئة الريشة الذهبيّة"، أَسَّسَ الشاعرُ إدواردو دیلدوکا مع صديقه الراحل الكوبي الدكتور ماريو فليتس، "الاتّحادَ الدوليّ للكتّاب والشعراء والفنّانين". كانا اثنَيْن في البداية، وما لبث أن انضمَّ إليهما خمسون كاتباً، ليصلَ عددُ أعضائه ما بين الخامس من شباط/ فبراير 2021 ومطلع العام 2025، إلى أكثر من خمسة عشر ألفاً من جنسيّاتٍ مختلفة، جميعهم شخصيّات عالميّة، مشهود لها بوزنها العلميّ، ومواقفها المُناصرة للسلام.

يقول الشاعر: "وُلدت فكرةُ تأسيس الاتّحاد من ضرورةٍ مُلحَّة، أَوحتْ لي بها الحياة، وذلك بينما كنتُ أرى البشرَ يَقتل بعضهم بعضاً، فيما الآلة العسكريّة، ذراع النّافِذين في السلطة الحاكِمة تُدمِّر شعوباً بأكملها.. فكّرْتُ حينئذٍ أن يواجِه الاتّحاد القوى المُدمِّرة بسلاح القَلم والمحبرة".

ویسعى الاتّحاد إلى تعزيز ثقافة الآداب والفنون بين الناس، وتعزيز العضويّة فيه ليزدادَ قوّة، ولينجح في تحقيق السلام العالَمي. وكما يقول الكاتب محمّد روین: "تشجيع الآداب والفنون والتثاقُف هو مَمرٌّ ضروريّ لتقارُب الشعوب في ما بينها وبناء منظومةٍ كونيّة تَقف سدّاً منيعاً ضدّ العنف والإرهاب"، وهذا ما يناضل لأجله الشاعر إدواردو دیلدوکا، فارس العدالة والسِّلم العالَمي.

*كاتبة وروائيّة من لبنان