"نتفليكس" وموت السينما كصناعةٍ وإبداع

news image


 

د. سليمان الحقيوي*

لم يَعُد غريباً أن تُلاحِظ وأنتَ تُشاهد فيلماً حديثاً، اسم نتفليكس (Netflix) بلونه الأحمر الغامق متوسّطاً خلفيّة بيضاء أو سوداء، مع صوتٍ مُميَّز، لكنّه مزعج ولا فنّ فيه، باعتبار أنّ الشركة المُنتِجة للفيلم تُزاحِم شركات إنتاج كبرى اعتادها الناس مثل (كولومبيا بيكتشرز، أو تونتيث سينشوري فوكس، أو وارنر براذرز، أو مترو غولدوين ماير...) ودخولها عالَم الإنتاج الذي ولَّدَ، بالنسبةِ إلى مستقبل السينما، إشكالاً كبيراً.

صحيح أنّ هذه المُجريات كانت ستحدث لا محالة، لكنّ قرار منصّة نتفليكس اقتحام غمار إنتاج الأفلام السينمائيّة والمُنافَسة بها على جوائز أرفع المهرجانات، وَضَعَها في طريق صناعة السينما، وأعاد قصّة موت السينما إلى الواجهة.

ظَهَرَ الصراع إلى العَلَن في "مهرجان كانْ السينمائيّ" الذي تصدّى لنتفليكس، بعدما مَنَعَ مُشارَكة أيّ فيلم لا يُوزَّع في قاعات السينما من دخول مسابقته الرّسميّة لدورته الحادية والسبعين (8-19 أيّار/ مايو 2018)، مع العِلم بأنّ نتفليكس كانت قد شاركَت قبل عام في دَورة "مهرجان كان" السبعين من دون مشكلات. ما حدثَ هو أنّ أصحاب المسارح والنقابات في فرنسا احتجّوا على مبدأ نتفليكس التي تُطلِق أفلامَها على منصّتها مباشرةً، وهو أمر يتعارض مع قانون عرْض الأفلام في فرنسا، حيث يَبدأ عرْض الأفلام بعد مرور 36 شهراً على عرْضها في السينما. أدّى ذلك إلى أن تَسحب نتفليكس أفلامها المُشارِكة في "كانْ". وفي الولايات المتّحدة دعا المُخرج ستيفن سبيلبيرغ، عضو أكاديميّة فنون وعلوم الصورة المتحرّكة، إلى منْع الأفلام التي تُبَثّ أوّلاً على منصّات البثّ الحَيّ من المُنافسة على جوائز الأوسكار.

يُعيدنا هذا الصراع إلى حالة الفَزَع التي أَحدثها ظهور التلفزيون لدى صنّاع السينما، لكن بتهديدٍ أكبر هذه المرّة، وبأكثر جديّة، وبوسائل فتّاكة، وخصوصاً أنّ حياة الإنسان المُعاصِر الذي استأنس التكنولوجيا واعتاد مُغرياتها يَجِد في نتفليكس مُواكَبةً لحاجاته الترفيهيّة، مع إمكانيّة ولوج جنّة المُشاهَدة من الهاتف المحمول. فالحال الآن أنّ السينما صارَتْ مهدَّدة في أكثر خصوصيّاتها التي صَنَعَتْ بهجتَها وسحرَها، أي المُشاهَدة الجماعيّة داخل قاعة السينما.

سلاح نتفليكس القاتل

ارتبطت مُشاهَدة الأفلام بقاعة السينما، بحيث إنّ هذا الوسيط الوحيد رسَّخَ لدى الجمهور عادات تلقٍّ، تبدأ بقرار، وتشمل تأنّقاً استثنائيّاً، وتنقّلاً لاقتناء تذكرة، وولوج هذا المكان الساحر، ناهيك بمتعة الضوء المُسلَّط، والمؤثّرات الصوتيّة التي تجعلكَ تعيش كلّ تفاصيل الفيلم، ومُشاطَرة المتعة مع مئات الناس: الضحك، البهجة، السرور، السفر في عوالِم الفيلم...إلخ. لكن، بعد مجيء التلفزيون ظهرتْ بوادر حرب بين الوسيطَيْن؛ فالتلفزيون حمل معه عاداته أيضاً، إذ إنّه لم يَعُد مفروضاً عليك أن تتنقّل وتتأنَّق، بل يُمكنك أن تجلس مُسترخياً في بيتكَ على أريكتكَ ومشاهدة الفيلم الذي تختاره بنفسكَ. ومع الفضائيّات بات بإمكانكَ أن تُغيِّر القناةَ كما تُحبّ. ومع التقدُّم التكنولوجي المهول، صارت الشاشات تُقدِّم اليوم جودة 8K وصوتيّات تُحاكي قاعة السينما وتتفوَّق على القاعات التي لم تُجدِّد نفسَها. والأكثر من هذا أنّها باتت توفّر لكَ عبر منصّات الأفلام مثل نتفليكس Netflix، وأمازون فيديو برايم Amazon Video Prime، وإتش بي أو ناو HBO NOW، وآبل تيفي Apple TV... آلاف المسلسلات والأفلام والبرامج الحصريّة التي تَصنع الحدث، بالإضافة إلى أهمّ أفلام السينما في أيّ وقت وبأيّة لغة.

الهواتف الذكيّة وسائط مُشاهَدة أيضاً

في كتابه "وسائل الإعلام والمجتمع"، يقول الصحافي الأميركيّ آرثر أسا بيرغر Arthur Asa Berger: "بعد ظهر يومٍ من أيّام الربيع في العام 2000، بدأتُ ألاحظ الناس في شوارع طوكيو يحدّقون في هواتفهم بدلاً من التحدّث بها... عرفتُ أن الرّسائل النصيّة ليست سوى نذيرٍ صغير لتغيرّاتٍ أكثر عُمقاً ستأتي على السنوات العشر المُقبلة". لقد صارت الرسائل النصيّة تقليديّة الآن، بعد طفرة الهواتف الذكيّة وما تُتيحه من إمكاناتٍ هائلة للتواصُل: كتابة، صورة، فيديو، مكالمات مصوَّرة، ألعاب...إلخ. الهواتف سرقتْ وظائف كثيرة من غيرها، فهي توفّر مَكتبة، آلة تصوير، ألعاب فيديو، كاميرا، خرائط...إلخ. الإنسان المُعاصِر بات قادراً على أن يعمل وأن يجني أموالاً بالاعتماد على هاتفه الذكيّ فقط. فالهاتف صار اليوم جزءاً من حياته وامتداداً لجسمه.

نتفليكس وديمقراطيّة المشاهدة

متعة المُشاهدة، كانت، منذ بداية السينما، مرتبطة بتحديد محتوى المشاهدة. فالمتفرّج لم يكُن بإمكانه، إلى حدود ظهور القاعات متعدّدة الشاشات، أن يختار فيلمه. ففي زمن القاعة الواحدة أنتَ مُجبَر على مشاهدة ما يقترحه صاحب القاعة، وفي أحيان كثيرة، تعلم ما ستشاهده من أمام القاعة نفسها. ففي دراسةٍ قامَ بها عالِم الاجتماع الفرنسيّ إيمانويل إثيس Emmanuel Ethis عن قاعات سينما مدينة أفينيون الفرنسيّة، حيث اشتغل على مختلف شرائح المُتفرِّجين، لاحَظَ الباحث أنّ نسبة 35 في المئة من الجمهور لا تُقرِّر ماذا ستُشاهد، إلّا عندما تتواجَه مع ملصق الفيلم على واجهة القاعة، وأنّ أغلب الجمهور يأتي من أمكنةٍ بعيدة، حيث يَقطع بعضهم مسافةَ 80 كيلومتراً للوصول إلى القاعة. إذا تأمّلنا هذه الحقائق سنَجِد أنّ تاريخ الصراع هو صراع وسائط، كلّ وسيط تكون له ميزة في غياب وسائط مُنافِسة، وتتراجع قيمته في ظلّ وجود وسائط أخرى. هل هذا يعني أنّ ظهور منصّات عرض الأفلام، ومن بينها نتفليكس، ستُنهي عصر السينما التقليديّة؟

في هذا السياق يَعتبر المؤرِّخ الإعلامي البريطاني آسا بريغز أنّ "ظهور وسائط جديدة لا يَعني التخلّي الكامل عن الوسائط الأقدم منها، بل على العكس؛ إذ إنّ من شأن الوسائط القديمة أن تتعايش وتتفاعل مع القادمين الجُدد. فالمخطوطات مثلاً، لم تفقد دَورها في عصر الطباعة، فيما بقيت الكُتب والإذاعة حيّة في عصر التلفزيون، لذا من الضروري النَّظر إلى الوسائط كنظامٍ في تغيُّرٍ دائم، تلعب فيه عناصر مُختلفة أدواراً مُتفاوتة التأثير". لكن على الرّغم من هذا الرأي، يُمكن القول إنّ منصّات البثّ الحيّ، ونتفليكس في مقدّمتها، تُهدِّد فعليّاً وجود السينما، من حيث كونها صناعةً واختصاصاتٍ وإبداعاً، وتشتري حقوق الكتابة والتأليف والنصوص والعرض الحصري، بما يُهدِّد وجود القاعات السينمائيّة. لكنّ منصّات البثّ الحيّ تُنعِش، من جهةٍ أخرى، إنتاجَ الأفلام. يكفي أن نذكر أنّها كانت وراء إنتاج أفلام لأسماء مهمّة في عالَم السينما، مثل فيلم "روما Roma" رائعة ألفونسو كوارون، وفيلم "ملحمة بستر إسكريجز The Ballad of Buster Scruggs" 2018، للأخوين كوين... كما أنّ المُخرج الأميركيّ مارتن سكورسيزي، وهو أحد أهمّ مُخرجي جيله وأكثرهم إيماناً بفنيّة السينما ونقائها، والذي واجَهَ الكثير من المشكلات في تمويل فيلمه "صمت Silence" 2016، تعاوَنَ مع نتفليكس في فيلمه "الإيرلندي The Irishman" (2019). سكورسيزي نفسه الذي يعبّر دائماً عن امتعاضه من تأثير التكنولوجيا على تلقّي الأفلام، لم يَجِد مَن يُنتِج فيلمَه، فوفّرت له نتفليكس 175 مليون دولار، وهي أكبر ميزانيّة أنفقتها نتفليكس على إنتاج فيلم حتّى ذلك التاريخ!

نتفليكس جعلتْ حياةَ الجماهير أكثر ديمقراطيّة، وهو أمر لا يُمكن أن ينكره أحد. فملايين الناس في العالَم لم يَسبق لهم أن شاهدوا فيلماً في قاعة سينما. كما أنّ عدداً من المُدن في بلدان العالَم الثالث لا تتوافر فيها قاعات سينما، وحتّى إن توفّرت، ليس بمقدور كثيرين تحمُّل تكاليفها. من هنا، يأتي تصوُّر نتفليكس، المُعلَن على الأقلّ، والذي عبّرت عنه تدوينة للشركة على تويتر ردّاً على هجْمة المُخرج الأميركي ستيفن سبيلبيرغ عليها، حيث ورَدَ في تدوينة الشركة تلك: "نحن نحبّ السينما. إليكَ بعض الأشياء التي نحبّها أيضاً: الوصول إلى الأشخاص الذين لا يستطيعون دائماً الذهاب إلى السينما أو الذين يعيشون في مُدنٍ خالية من المسارح؛ السماح للجميع في كلّ مكان الاستمتاع بالإصدارات في الوقت نفسه؛ توفير المزيد من الطُّرق أمام صنّاع السينما لمُشارَكة الفنّ".

هذا الكلام يجيب عن حاجات ملايين الناس الذين لا يعرفون عن القاعة شيئاً، أو الذين يَمنعهم سببٌ ما من الذهاب إليها. وهو ردّ يتضمّن حقائق لا يُمكن نفْيُها، ومنها التركيز على الوصول إلى الناس في أيّ مكان، ومن مختلف الفئات. فقيمة الاشتراك الشهري في باقة نتفليكس لا تتجاوز 20 دولاراً، مع إمكانيّة فتْح 4 حسابات لكلّ اشتراك (تتغيَّر سياسات الاشتراك باستمرار). هذا بالإضافة إلى إمكانيّة المشاهدة على الشاشة أو الهاتف، بينما تكلّف تذكرة مشاهدة فيلم في قاعة مُحترَمة أكثر من 7 دولارات. هذه الشركة التي بدأت بخدمة تأجير أقراص الفيديو، درست هذه التفاصيل جيّداً، فانتقلتْ في العام 2007 إلى خدمات البثّ الحيّ (streaming)، وفي العام 2013 انتقلتْ إلى إنتاج البرامج والمسلسلات، وأخيراً الأفلام بما يُعرف بالمحتوى الأصلي مع توفيرها خدماتٍ كثيرة وبرامج وثائقيّة وكوميديا وأشكال الترفيه كافّة. كما أنّها توفِّر أكثر من 1000 عملٍ أصلي، ومئات الأعمال القديمة والجديدة، تختار منها ما يُلائمك، وباللّغة التي تناسبك، ويبلغ عدد مُشتركي نتفليكس حول العالم أكثر من 302 مليون مشتركٍ يشاهدون المنصّة لأكثر من 250 مليون ساعة في اليوم.

إنّ مسألة القرار هنا أصبحت في يد الجمهور بشكلٍ كلّي، وهو أمر يبدو ديمقراطيّاً، لكن علينا هنا أن نفحْص كلمة "ديموقراطيّة" كثيراً. فمع إمكانات الاختيار والتغيير من مشاهدة واختيار الأفلام والتصويت وإبداء الآراء حولها، تتخفّى قدرةٌ مُرعبة لهذه التكنولوجيا على التأثير والتوجيه وتعزيز مبدأ العزلة، وهنا يقول التربويّ البريطانيّ بول ويليس: Paul Willis: "الرّاهن يُحتِّم علينا فهْم مكنون طبيعة الديمقراطيّة التي تعمل على اغتراب ثقافتنا، القائمة فعليّاً، وتحويلها إلى ثقافةٍ تسليعيّة وإلكترونيّة، أو إلى ثقافةٍ جماهريّة كما نراها الآن، أو كما هي آخذة في التحوّل إليه". نتفليكس اليوم جعلتْ مفهوم السينما مُقترِناً بما تُنتجه وتقدّمه هي، والكثير منه كما نَعلم هو نمطيّ وتجاريّ وبعيد عن جوهر السينما كفنّ أو رسالة فنيّة.

الحديث عن ظاهرة نتفليكس ومنصّات المشاهدة وتأثيرها على مستقبل السينما، يتجاوز قطعاً كلّ حديثٍ سابق عن مستقبل السينما أو قدرتها على مُنافَسة وسائط أو فنون مُعاصِرة لها، كونه يتضمَّن حزمة إشكالات منها القديم والجديد وحتّى المُستقبلي كالتوزيع، والعَرض، والاحتكار؛ وهو حديث يختلف بين بلدٍ وآخر، بين مَن لديهم تقاليد راسخة في تلقّي السينما والمحرومين منها. فالعصر هو عصر التكنولوجيا، وعصر الهواتف الذكيّة، هذه حقائق لا يُمكن أن نتغاضى عنها. لكنّ السينما، وكما عوَّدتنا، لطالما تجاوَزت موتها، فهي تُطوِّع كلّ وسيط لمصلحتها. لكنّ الأكيد أيضاً، هو أنّ جمهور اليوم ليس هو جمهور الأمس، وأنّ التلقّي في مسألة السينما في الماضي لن يكون كما هو في الحاضر أو كما سيكون عليه في المستقبل.

*كاتب وناقد سينمائي من المغرب