"جيمس ويب" يرصد كوكباً يحتمل الحياة
د.أحمد شعلان*
إذا كان هناك خلايا حيّة تنتقل إلى الأرض والكواكب الأخرى عبر الفضاء محمولة بواسطة النيازك أو المذنّبات أو الشهب، كما تَقترح نظريّة البانسبيرميا، فعلينا التساؤل عن شكل الحياة على الكواكب الخارجيّة المُكتشَفة بدلاً من استهجان وجودها!
والبانسبيرميا هي فرضيّة مفادها أنّ الحياة موجودة في جميع أنحاء الكون، موزَّعة عبر الغبار الكونيّ والنيازك والشهب والمذنّبات، بالإضافة إلى المركبات الفضائيّة التي تحمل تلوّثاً غير مقصود من الكائنات الحيّة الدقيقة التي ربّما تلتصق بجسمها في الفضاء خارج الغلاف الجوّيّ للأرض.
لكن على الرّغم من اقتناع معظم علماء الفلك بهذه النظريّة، إلّا أنّهم يبحثون دائماً عن الشروط الفيزيائيّة والحيويّة لنهوض مثل تلك الخلايا البدائيّة نحو أشكالٍ من الحياة أكثر تعقيداً.
كوكبٌ جديد يَعِدُ بالحياة..
فريقٌ من جامعة كامبريدج، كان حديثاً يَدرس بياناتٍ مُسجَّلة لكوكبٍ يُدعى "K2-18b"، كان قد اكتشفه تلسكوب جيمس وِيب الفضائي في العام 2015، حين وَجَدَ الفريق علاماتٍ في الغلاف الجوّي لذلك الكوكب، تُشير إلى جُزيئات لا تُنتجها عادةً إلّا الكائنات الحيّة البسيطة.
و"K2-18b" هو كوكب خارجي عملاق يشبه الأرض، يَبعد عنّا مسافة 124 سنة ضوئيّة، ويبلغ حجمه مرّتَيْن ونصف حَجْم الأرض، وكتلته حوالى 9 مرّات كتلة الأرض. يدور ذلك الكوكب حول نجمٍ صغير (قزم أحمر) من النَّوع M، ويَستغرق حوالى 33 يوماً لإكمال دورةٍ كاملة حول نجمه (أي أنّ سَنَتَهُ تبلغ 33 يوماً)، ويَبعد 0.1429 وحدة فلكيّة عن نجمه (أي حوالى 21 مليون كلم). والأقزام الحمراء هي فئة من النجوم باردة نسبيّاً، لكنّها الأطول عمراً في الكون كلّه.
وقد وَجَدَ فريقُ كامبريدج أنّ الغلاف الجوّي للكوكب يحتوي على البصمة الكيميائيّة لجزيءٍ واحدٍ على الأقلّ من جزيئَيْن مرتبطَيْن بالحياة: ثنائي ميثيل الكبريتيد (DMS) وثنائي ميثيل الكبريتيد (DMDS). والمعروف أنّه، على الأرض، تُنتَج هذه الغازات بواسطة البكتيريا والطحالب النباتيّة البحريّة. هذا وقد نُشر البحث في "مجلّة الفيزياء الفلكيّة".
وقد صرَّح رئيس الفريق البحثي، البروفيسور مادوسودان، بأنّه فوجئ بكميّة الغاز التي رُصدت خلال فترة رصْدٍ واحدة. وقال: "إنّ الكميّة التي قُدّرت لهذا الغاز في الغلاف الجوّي أعلى بآلاف المرّات ممّا هو موجود على الأرض". لكنّه أضاف أنّه "لا يزال هناك احتمال بنسبة 0.3% أن يكون هذا مجرّد مُصادفة إحصائيّة، وأنّنا نحتاج إلى وقتٍ إضافيّ لتوضيح الأمر، ربّما إلى عامٍ أو عامَيْن". وأضاف مادوسودان: "بعد عقودٍ من الآن، قد نَنظر إلى هذه النقطة من الزمن ونُدرك أنّها كانت اللّحظة التي أصبح فيها الكون الحيّ في متناول أيدينا، وقد تكون هذه نقطة التحوُّل، حيث نستطيع الإجابة فجأة عن السؤال الجوهري حول ما إذا كنّا وحدنا في الكون".
جدير بالذكر أنّ هناك جدلاً علميّاً حادّاً، ليس حول وجود DMS و DMDSفقط، ولكن أيضاً حول تركيب الكوكب نفسه. ولدى الدكتور نيكولاس ووغان من مركز أبحاث أميس التّابع لإدارة الطيران والفضاء الأميركيّة (ناسا) تفسيرٌ آخر للبيانات. فقد نَشَرَ بحثاً يشير إلى أنّ K2-18b قد يكون كوكباً عملاقاً غازيّاً بلا سطح. كما طَعنتْ مجموعاتٌ أخرى في هذيْن التفسيريْن البديليْن على أساس أنّهما لا يتوافقان مع بيانات تلسكوب جيمس وِيب الفضائي، ما زاد من حدّة المُناقشة العِلميّة حول "K2-18b". لكنّ البروفيسور مادوسودان يقول إنّ هناك علاقة وثيقة بين كيمياء الحياة على الأرض والكيمياء الموجودة في جميع أنحاء الكون، وإنّ اكتشاف الجُزيئات العضويّة يشير إلى أنّ اكتشاف الحياة نفسها ليس سوى مسألة وقت.
هابل وجيمس ويب
تجدر الإشارة إلى أنّ هذا الإنجاز هو الثاني من نوعه لتلسكوب جيمس ويب الفضائي (JWST) التّابع لناسا، حيث يكتشف موادّ كيميائيّة مرتبطة بالحياة في الغلاف الجوّي لكوكبٍ خارجي. والتلسكوبان هابل وجيمس وِيب يعملان معاً لاستكشاف الكَون، وتُكمِّل بياناتهما بعضها البعض، مانحةً إيّانا رؤيةً شاملةً للكون.
يتمتّع تلسكوب جيمس وِيب بقوّةٍ هائلة تَسمح له بتحليل التركيب الكيميائي للغلاف الجوّي للكوكب من خلال ضوء النجم المضيف الذي يَصلنا عبر اختراقه غازاتِ غلافه الجوّي... ويَسمح له حجْمه الأكبر ورؤيته الغنيّة بالأشعّة تحت الحمراء بالنّظر إلى ما يزيد على 13.5 مليار سنة، شاهداً على تشكُّل النجوم والمجرّات الأولى من ظلمة الكَون المبكّر الذي يمتدّ عمره إلى حوالى 13.8 مليار سنة.
ويتمتّع جيمس وِيب بمرآةٍ رئيسة أكبر بثلاثة أضعاف من مرآة هابل، ما يجعله يتجاوَز قدرة هابل على جمْع الضوء بتسعة أضعاف. وهذا مهمٌّ لدى النّظر إلى المَوجات دون الحمراء الطويلة التي يرصدها جيمس ويب، مقارنةً بتلسكوب هابل الذي يستطيع رؤية الأشعّة فوق البنفسجيّة والضوء المرئي الآتي من الأجرام الفلكيّة.
الحياة في مجرّة "درب التبّانة"
نحن، شعب الأرض، كائنات فلكيّة، من سكّان مجرّة درب التبّانة، التي تحتوي على أكثر من مئتَيْ مليار نجم، لكلٍّ منها نظامٌ كوكبيّ خاصّ به، أي أنّ عدد الكواكب المُحتملة في مجرّتنا يُقارب ألف مليار كوكب، بمعدّلٍ وسطي افتراضي يساوي خمسة كواكب حول كلّ نَجم!
ونحن نقيم هنا في جوار نجمٍ عاديّ متوسّط الكتلة، الشمس، في وسط مجموعة من الكواكب والأقمار والأجسام الأخرى العالقة في جاذبيّة الشمس، وتشكِّل منظومتها الشمسيّة. ونظامنا الشمسي هذا يَبعد حوالى 26000 سنة ضوئيّة عن مركز المجرّة.
ويبلغ قطر درب التبّانة حوالى 100،000 س.ض. والمنطقة الصالحة للحياة في المجرّة، "المنطقة الخضراء"، المُسمّاة منطقة غولديلوكس، حيث تضعف قوّة إشعاع غاما المركزي ويُصبح وجود الموادّ الحيويّة مُمكناً، تَقع بين 20.000 إلى 30.000 س.ض. من مركز المجرّة. ولحسن حظّنا، يقبع نظامنا الشمسي في وسط هذه المنطقة.
ثمّة أنواعٌ مختلفة من النجوم في المجرّة، ولكلٍّ منها حدودُها الخاصّة للمنطقة الصالحة للحياة حولها. شمسنا قزمٌ أصفر، حرارة سطحِها 6000˚، ولها منطقتها "الخضراء" التي تَقع بين مَدار كوكب الزهرة ضمناً ومَدار كوكب المرّيخ ضمناً. في هذه المنطقة يُمكن للماء الظهور في حالته السائلة بناءً على معطياتٍ حراريّة يَفرضها معدّل البُعد عن الشمس.
الغلاف الجوّيّ كأساس للحياة
البحث عن الحياة خارج كوكب الأرض، في أرجاء مجرّة درب التبّانة، يتطلّب الاعتماد على شروطٍ ونماذج تمَّ اختبارها على الأرض، إذ إنّ التجارب المحدودة لروّاد الفضاء على القمر، أو تلك التي تقوم بها المسابير الفضائيّة التي أُنزلت على المرّيخ، لا زالت دون مستوى التعرُّف على شروطٍ بديلة في أمكنةٍ غريبة عن بيئة الأرض وغلافها الحيوي.
وقد باتَ بديهيّاً القول إنّ الشرط الأوّل للحياة، كما نعرفها على الأرض، هو وجود الماء السائل على سطح الكوكب، وهذا الأمر يتطلّب أن يكون معدّل درجة حرارة سطح الكوكب بين درجة تجلُّد الماء (صفر مئويّة) ودرجة غليان الماء (مئة درجة مئويّة). هذا الأمر يَعتمد بدَوره على بُعد الكوكب عن نجمه المُضيف ونَوع هذا النَّجم. فكما أَسلفنا أنّ كلّ صنف من النجوم، بحسب كتلته وحرارة سطحه، يَفرض في محيطه منطقةً "خضراء" قابلة للسكن ضمن أبعادٍ مُحدَّدة من سطحه.
شرط الحياة الثاني من حيث الأهميّة هو وجوب وجودِ غلافٍ جوّي مناسب حول الكوكب، وهذا يتعلّق بجاذبيّة الكوكب ودرجة حرارة سطحه. فالكواكب القزمة مثل بلوتو أو سيدنا أو سيريس لا تكفي جاذبيّتها المتواضعة للإمساك بغازاتٍ حولها وتشكيل غلافٍ جوّي يُذكر، وبالتالي يستحيل التفكير بوجود حياة ذات معنىً على سطحها. بينما تتسبَّب جاذبيّة الكواكب العملاقة وبرودتها بغلافٍ جوّي سميك وثقيل يُنتِج ظروفاً من الضغط الشديد على السطح.
ويُعتبر الغلاف الجوّي أساسيّاً للحياة، فهو يَعني ظاهرة الدفيئة أو الاحتباس الحراري... وهو أمر ضروريّ، ولكن في بعض الأحيان كارثيّ .. فالأرض، من دون غلافٍ جوّي كانت لتصبحَ حرارتُها 18 تحت الصفر مئويّة؛ لكنّها فعليّاً 15 درجة بسبب الاحتباس الحراري الذي يؤمّنه غلافُنا الجوّي. أمّا عطارد والقَمر فليس لديهما غلافٌ جوّي، ولذلك نشهدُ عليهما اختلافاً كبيراً في الحرارة بين اللّيل والنهار.
أمّا المرّيخ فلديه غلافٌ رقيق من غاز الكربون، وتتراوح حرارته بين +20 و -125 درجة. لكنْ على كوكب الزهرة، حيث هناك غلافٌ ثقيلٌ جدّاً من غاز ثاني أكسيد الكربون، وغاز الميثان، والغازات الكبريتيّة، ما يَجعل تأثير الدفيئة قويّاً جدّاً، يَصل متوسّط الحرارة على كوكب الزهرة إلى ما يُقارب 500 درجة مئويّة، وهي أكثر الكواكب حرارةً في النظام الشمسي. هذا الغلاف الثقيل يَخلق ضغطاً يساوي 92 أتموسفير على سطح الزهرة، أي الضغط الذي نتعرّض له على عُمق 920 متراً تحت الماء!
الشرط الثالث أن يكونَ الكوكب غنيّاً بالعناصر الحيويّة، مثل الكربون والكبريت والهيدروجين والنيتروجين والأوكسيجين والفوسفور، وهذا يتطلّب أن يكون الكوكب صخريّاً مع بحارٍ ومحيطاتٍ مائيّة كما على الأرض.
الشرط الرّابع وجود مجالٍ مغناطيسيٍّ قويّ لحماية الحياة من جُزيئات الرياح النجميّة والأشعّة الكونيّة. والمعروف أنّ وجود حقلٍ مغناطيسيّ ذي قيمة يرتبط بجيولوجيّة الكوكب. فالحقل المغناطيسي على الأرض يَنتج عن دوران القلب الخارجي المَعدني الحارّ السائل حول القلب الحديدي المركزي الصلب في داخل الأرض.
أكثر من 5000 كوكبٍ خارجيّ مُكتشَف حتّى الآن!
أَعلنت إدارةُ الطيران والفضاء الأميركيّة (ناسا) حديثاً، أنّ العدد الإجمالي للكواكب "المؤكَّدة" التي تمَّ اكتشافها خارج نظامنا الشمسي هو 5005 كوكبٍ خارجيٍّ حتّى الآن. وتتباين طبيعة هذه الكواكب بين الصخريّة كالأرض، والعملاقة الغازيّة ذات الحَجْم الأكبر بمرّاتٍ عدّة من المشتري، وتلك التي تدور حول نجمَيْن في وقتٍ واحد، والكواكب التي تدور حول بقايا نجومٍ ميّتة.
ولم تكُن مهمّة البحث عن كواكب خارج المنظومة الشمسيّة بالأمر السهل. وقد بدأ الفلكيّون منذ ثلاثة عقود فقط باكتشاف مثل هذه الكواكب من دون القدرة على تصوير أيٍّ منها حتّى الأمس القريب! وقد بَدأ تأكيد وجود الكواكب الخارجيّة في العام 1995، حين لوحظ أنّ سطوع النجم "بيغاسي21"، الذي يَبعد عن الأرض حوالى 50 سنة ضوئيّة، يتغيّر بصورةٍ دوريّة كلّ أربعة أيّام. وقد أَتاح الرصد الطَّيفي لجوار هذا النَّجْم اكتشاف أوّل كوكب خارج النظام الشمسي، بصورة منهجيّة واثقة، "بيغاسي21- ب"، وتمَّ قياس مدّته المداريّة وحجْمه وكتلته وبُعده عن نَجمه المُضيف ودرجة حرارته.
ثمّ تتالتْ عمليّة اكتشاف الكواكب الخارجيّة، إلى أن وصلْنا إلى الرقم 5005 كما أكَّدت ناسا حديثاً. وقد أَتاحت عمليّاتُ الرصد افتراض أنّ 7 في المئة من النجوم هي نجوم شبيهة بالشمس من حيث الكتلة والسطوع، وأنّ نجماً من كلّ خمسة من هذه النجوم الشبيهة بالشمس تستضيف كوكباً شبيهاً بالأرض في المنطقة التّابعة الصالحة للسكن. وهناك اهتمام خاصّ بالكواكب التي تدور في المنطقة الصالحة للسكن حول النجوم، حيث من المُمكن وجود الماء السائل، الشرط الأساسيّ للحياة بالمعايير الأرضيّة.
وللغرابة، فقد تأكَّد وجود كواكب شاردة لا تدور حول أيّ نجْم. وتُعتبر مثل هذه الأجسام فئة منفصلة من الكواكب، بخاصّة إذا كانت غازيّة عملاقة، والتي غالباً ما تُحسب على أنّها نجوم قزمة شبه بنّيّة. فهي في الواقع تدور كالنجوم حول مركز المجرّة أو تدور بشكلٍ غير مُحكم بين النجوم. ويُقدَّر عددُ الكواكب الشاردة في مجرّة درب التبّانة بالمليارات.
لماذا نَدرس الكواكب الخارجيّة؟
"هل نحن وحدنا في الكَون؟" هو أحد أعمق الأسئلة التي يُمكن أن تَطرحها البشريّة. تمَّ اكتشافُ أوّل كوكبٍ خارجيّ يدور حول نجْمٍ مثل شمسنا في العام 1995، واليوم تُعَدّ دراسة الكواكب الخارجيّة من أسرع المجالات نموّاً في عِلم الفَلك.
إنّ دراسة المجموعة المتنوّعة من الكواكب الخارجيّة والأنظمة الكوكبيّة التي اكتُشفت حتّى الآن لا تساعدنا على معرفة كيفيّة تشكُّلِ مثل هذه الأنظمة وتطوُّرِها، بل تُقدِّم أيضاً أدلّةً أساسيّة لفهْم إمكانيّة وجود حياة في مكانٍ آخر من الكون وأين. كما تُقدِّم هذه الأنظمة أدلّة أساسيّة لفهْمنا لكيفيّة تشكُّل نظامنا الشمسي وكيفيّة نشأة الأرض. والاكتشاف الحديث لغازاتٍ عضويّة على الكوكب K2-18b هو لحظة بالغة الأهميّة في العِلم، وبالغة الأهميّة أيضاً لنا كبشر، فذلك من شأنه أن يؤكِّد بشكلٍ أساسيّ أنّ الحياة شائعة جدّاً في المجرّة.
*ممثّل لبنان في الاتّحاد الفلكيّ الدوليّi