كيفَ تَنظُر الولايات المتحدة إلى التقارُب السعودي الصيني؟ و هل تَستطيعُ الصين الحُلولَ مَحلّ أميركا كَحليفٍ استراتيجي لِدول الخليجِ العربيّ؟

news image

تقرير - مروة شاهين - بث: 
في خُطوةٍ شغلت الإعلام و الرأي العام العالمي إضافة إلى معظم حكومات العالم، قام الرئيس الصيني شي جيبينغ بزيارة رسمية هيَ الأولى إلى المملكة العربية السعودية منذ العام 2016.
و بعد مراسم الاستقبال الرسمي التي رحّب فيها المسؤولون السعوديون بالرئيس الضيف، بدأ برنامج الزيارة الحافل، و الذي تضمن لقاءاتٍ مع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيو، وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، إضافة إلى العديد من المسؤلين و القادة العرب، حيثُ عقد الرئيس الصيني عقد منذ وصوله إلى الرياض ، لقاءات ثنائية، وشارك في ثلاث قمم- قمة سعودية – صينية برئاسة الملك سلمان بن عبد العزيز والرئيس الصيني، ومشاركة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، وقمة خليجية – صينية بمشاركة قادة دول مجلس التعاون الخليجي، وقمة عربية – صينية بمشاركة قادة دول مجلس التعاون الخليجي والدول العربية.

احتفاءٌ سُعوديّ-صينيّ بالقِمَم المنعقدة:

و خلال افتتاح القمة العربية-الصينية في الرياض، قال الأمير محمد بن سلمان : "تؤسس القمة العربية الصينية لمرحلة جديدة بين دولنا"، مضيفا: "نثمن مبادرة أصدقاء التنمية العالمية التي طرحتها الصين، و نقدّر موقف الصين الداعم لحل الدولتين وفق المبادرة العربية"، في إشارة إلى مساعي التسوية حول القضية الفلسطينية.
من جانبه اعتبر الرئيس الصيني شي جين بينغ القمة "حدثا مفصليا في تاريخ العلاقات الصينية العربية"، وأضاف: "نتحد ونتقدم معا بهدف تحقيق طموحات دولنا"، مشيرا إلى "إنشاء 17 آلية تعاون في إطار منتدى التعاون الصيني العربي".
وتابع: "على الجانبين الصيني والعربي تعزيز التضامن والتعاون وبناء مجتمع لمستقبل أوثق"، وشدد على أن "ما يجمعنا هو الاهتمام بالسلام والانسجام والسعي وراء الحق والدعوة إلى الحوار بين الحضارات".

أسبابُ الزّيارةِ و أهدافها.. ماذا يُريد شي جيبينغ من العَرب و بخاصّة من السعودية؟


عندما نقول" الصين"، فإن أول مسألةٍ تتداعي إلى الذهن هي الاقتصاد، و بشكلٍ أدّق ، التنافس الاقتصادي مع الولايات المتحدة الأمريكية، فإذا أردنا تلخيص الأهداف الرئيسية للسياسات الصينية داخلياً و خارجياً، فيُمكن أن نُلخصّها، بتحقيق التنمية الاقتصادية على المستوى الداخلي بهدف رفع مستوى الوضع الاقتصادي العام في الداخل الصيني الذي يحوي ملياراً و نِصف المليار نَسمة. 
و بالتالي فإن لم تتحقق التنمية الاقتصادية التي تسمح بتأمين الدخل الكافي لكلّ هؤلاء السكان، فإن الصين ستكون على موعدٍ مع ارتفاع نسبة الفقر و بالتالي تكون الصين على عتبة مجاعةٍ قد تُولّد احتجاجات شعبية و حالة من الفوضى العارمة الداخلية، و هذا ما يجعل التنمية الاقتصادية هي الهدف رقم واحد للحكومة الصينية منذ عقودٍ طويلةٍ مَضتْ.

أمّا على الصعيد الخارجي، فإن الهدف الأساسي لسياسات الصين الخارجية، تكمن في بناء العلاقات السياسية و الاقتصادية مع دول العالم أجمع بما يُمكنها من الاستمرار في تأمين متطلبات العملية الاقتصادية الداخلية. 
و أهم هذه المتطلبات هي البترول و مصادر الطاقة بالإضافة إلى كافة المواد الخام و المصنعة اللازمة لاستمرار و تطوير العجلة الصناعية في الصين، أما المطلب الأساسي الثاني، فهو تأمين الأسواق التي يمكن من خلالها للصين تصريف إنتاجها الصناعي الضخم مما يمكنها من الحفاظ على استمرارية و تطور القطاع الصناعي. 
و إن هذه الأهداف الاقتصادية البحتة، شكلت على مدى عقود، المُحرك الأساسي لكافة السياسات الصينية الداخلية و الخارجية، بل حتى إن أزمة تايوان و إصرار الصين على إخراجها من منطقة النفوذ الأميركي، سببه أن تايوان هي المورد الأكبر للرقاقات الإلكترونية للصين عبر شركة (تي إس إم سي) التايوانية. 
و تعتبر هذه الرقاقات الإلكترونية بمثابة العقل المحرك لكافة الصناعات الإلكترونية بدءًا من ألعاب الأطفال وصولاً إلى الأدوات الكهربائية و السيارات و الصناعات التقنية و الحربية، و لذلك فإن الصين تضع كافة ثقلها الاقتصادي و العسكري و الدبلوماسي للحؤول دون قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على منع تصدير هذه السلعة الهامة من تايوان إلى الصين بغية ضرب قطاع الصناعة الصيني.

 

السعودية و الدول العربية.. يمتلكون كل ما تحتاجه الصين:


و إذا القينا النظر على القدرات و المقومات الموجودة لدى المملكة العربية السعودية و دول الخليج بشكلٍ عام ، نجد انها تملك كل ما تحتاجه الصين، فهي تملك الموارد الطبيعية الغزيرة التي من شأنها أن تغطي كافة احتياجات الصين من المواد الخام و البترول، كما تمتلك دول الخليج العربي بشكل عام أسواقاً استهلاكية ضخمة تستطيع الصين من خلالها أن تصرف كميات هائلة من إنتاجها الصناعي، لاسيما أن دول الخليج تتمتع بعدد كبير من السكان (المواطنين و المقيمين)، إضافة إلى أن هؤلاء السكان يتمتعون بقدرة شرائية عالية نتيجة كون الدول الخليجية الغربية دولاً ذات دخلٍ مرتفع.
و لهذا فإن الرئيس الصيني يُدرك جيداً مدى أهميّة المملكة العربية السعودية و دول الخليج العربي بالنسبة للصين، لا سيما بعد محاصرة الصديق الأول للصين – أي روسيا- من خلال العقوبات الغربية بعد حرب روسيا و أوكرانيا، إذ تُدرك الصين جيداً حاجتها لإقامة علاقاتٍ متينة مع دولٍ ذات أهميةٍ إستراتيجية كدول الخليج العربي، و لهذا استغل الرئيس الصيني على وجه السرعة التوتر الحاصل في العلاقات بين المملكة العربية السعودية و الولايات المتحدة الأمريكية سعياً للحصول على مكانة أقوى للصين في ساحة الخليج العربي.
و هذا ما تمّ ترجمته من خلال توقيع شركات سعودية وصينية، الأربعاء، 34 اتفاقية استثمارية، وشملت الاتفاقيات بين الجانبين وفقا  لوكالة الانباء السعودية الرسمية "عدة قطاعات في مجالات الطاقة الخضراء والهيدروجين الأخضر والطاقة الشمسية الكهروضوئية وتقنية المعلومات والخدمات السحابية والنقل والخدمات اللوجستية والصناعات الطبية والإسكان ومصانع البناء".
ونقلت الوكالة عن وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح تأكيده  أن "المملكة وجمهورية الصين الشعبية تجمعهما علاقات راسخة وشراكة وثيقة شهدت تطوراً شاملا خلال السنوات الماضية، خاصة بعد الزيارات المتبادلة بين قيادتي البلدين، التي نتج عنها تعاون مثمر شمل مختلف المجالات".
وأوضح أن "المملكة في ظل رؤية 2030 تتيح فرصاً استثمارية غير مسبوقة في قطاعات متعددة؛ منها الطاقة المتجددة والصناعة والاتصالات وتقنية المعلومات والتقنية الحيوية والسياحة والبناء والتشييد وغيرها".
ولفتت الوكالة السعودية إلى أن "حجم التبادل التجاري بين البلدين بلغ 304 مليارات ريال في عام 2021م، وسجَّل التبادل التجاري في الربع الثالث من 2022م 103 مليارات ريال".

ما الذي دفع المملكة العربية السعودية لتعميق علاقتها مع الصين؟:


الآن و قد عرفنا ما تريده الصين من تقوية علاقتها مع دول الخليج و بخاصة المملكة العربية السعودية، يتعين علينا فهم التقديرات التي وضعتها هذه الدول في عين الاعتبار لجهة مدى المكاسب التي قد تحققها من تقوية حضور الصين في منطقة الخليج و زيادة التعاون مع الصين في مجالات الاستثمار و الاقتصاد و الدفاع. 
بكل بساطة، يمكن القول إن الأهداف بالنسبة للصين و الدول العربية هي نفسها مع تبادل بسيط في الأدوار، فالصين ستأخذ النفط لتسيير صناعاتها الداخلية ، و المملكة العربية السعودية و دول الخليج الأخرى سوف تورد للصين النفط مقابل أن تقوم الصين بمشاركة تكنولوجيا بعض الصناعات مع الدول العربية التي تسعى للخروج من اقتصادات الطاقة التي تعتمد على تصدير النفط إلى الاقتصاد المتنوع القائم على الصناعة و التقنيات الحديثة، خصوصاً أن الدول الخليجية تتوافر فيها رؤوس الأموال اللازمة للاستثمار في قطاعات الصناعة و التكنولوجيا. 
و على سبيل المثال، تركز رؤية 2030 في المملكة العربية السعودية على تحويل اقتصاد المملكة من الاعتماد على تصدير البترول، إلى اقتصاد صناعي متطور، و تتوفر في المملكة رؤوس الأموال اللازمة و تغيب التكنولوجيا و تقنيات التصنيع ، و بالتالي فإن الدول الخليجية ستعتمد على استيراد التكنولوجيا من الخارج، و لكن لماذا لا تأخذ دول الخليج التكنولوجيا من الولايات المتحدة الأمريكية و الغرب؟


ببساطة، الغرب لا يعطي شيئاً بالمجان، و لا نقصد هنا أن الغرب يطالب دول الخليج بالأموال مقابل التكنولوجيا، بل إنه يطلب أشياءً لا تقبل دول الخليج العربي تقديمها للغرب، كإزالة القيود الدينية و الاعتراف بحقوق المثليين و المتحولين جنسياً، و التطبيع مع إسرائيل، و هذا ما لا يمكن أن تقبل به بعض الدول العربية، خصوصاً ذات المجتمعات المحافظة اجتماعياً و دينياً.

أضف إلى ذلك تساهل الولايات المتحدة الأمريكية في تنفيذ التزاماتها بالحفاظ على مصالح حلفائها في الخليج العربي، كالتساهل في حل الأزمة اليمنية و إزالة الحوثيين عن قوائم الإرهاب، و عدم الرد على تجاوزات ميليشيات الحوثي المتمثلة بالاعتداءات المتكررة على مواقع مدنية في جنوب المملكة العربية السعودية عبر هجمات الطائرات المسيرة، إضافة إلى مطالبة الدول العربية بزيادة إنتاج النفط الذي يؤدي إلى خفض الأسعار في الأسواق العالمية دون مراعاة لمصالح الدول الخليجية التي يشكل النفط المصدر الأساسي لدخلها الاقتصادي.

و هكذا، فإن تعنُّت الولايات المتحدة و إصرارها على تهميش المخاوف الأمنية لحلفائها في الخليج العربي، و إهمال مطالبهم بشأن خطة ردع جماعية تكون فعالة في مواجهة الأنشطة الإيرانية المزعزعة لاستقرار المنطقة، إضافة إلى التعامل بأنانية مع ملف النفط والغاز الطبيعي من خلال الطلب من دول الخليج العربي زيادة الإنتاج و بالتالي خفض أسعار النفط، دون أي اعتبار للمصالح الاقتصادية للدول العربية التي تعتمد اقتصاداتها على عائدات النفط بشكل أساسي، كل هذه السلوكيات و غيرها دفعت بالعديد من أصدقاء الولايات المتحدة الأمريكية إلى التفكير في تغيير طبيعة التحالفات و التوازنات، و لا يقتصر هذا على الدول العربية فقط، فقد شهدنا في السابق قيام المستشار الألماني أولاف شولتز بزيارة الصين و التعهد بزيادة العلاقات الاقتصادية و التعاون التجاري بين ألمانيا و الصين، و هذا ما دفع الولايات المتحدة الأمريكية إلى محاولة إصلاح العلاقات الأمريكية الأوروبية سريعاً قبل أن تتمكن الصين من التمدد و احتلال مناطق الفراغ الأمريكي، فهل ستُدرك الولايات المتحدة مدى خطورة حصول تباعد بينها و بين حلفائها في الخليج  مما يدفعها لأخذ خطوات فعالة لإصلاح العلاقات بينها و بين المملكة العربية السعودية و دول المنطقة.

 


الولايات المتحدة تُحاول إخفاء مخاوفها من تطور العلاقات بين الصين و المملكة العربية السعودية:


إذ حرص المسؤولون الأميركيون على عدم إثارة بلبلةٍ سياسية من خلال تصريحاتهم حول زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية، إذ رد منسق الاتصالات في مجلس الأمن القومي الأميركي جون كيربي في مؤتمر صحفي عبر الهاتف، على سؤال عما إذا كانت زيارة الرئيس الصيني إلى السعودية تعد تحديًا مباشرًا للمصالح الأمريكية في المنطقة خاصة بعد تصريحات الرئيس جو بايدن بأن بلاده لن تنسحب من المنطقة وتترك فراغا تملأه الصين أو روسيا، قائلا إن "القادة الأجانب، كما تعلمون، يسافرون حول العالم ولديهم علاقات ثنائية".
وأضاف: "لم نطلب أبدًا من أي دولة الاختيار بين الولايات المتحدة والصين. لذا، إذا أراد أصدقاؤنا وشركاؤنا في الشرق الأوسط مقابلة الرئيس شي جين بينغ والتحدث معه حول مجموعة من القضايا، فمن المؤكد أن هذا حقهم ونحن نحترم ذلك".
وأوضح كيربي أن ما تركز عليه الولايات المتحدة هو "علاقاتها ومصالحها الأمنية في الشرق الأوسط، على المستوى الثنائي والمتعدد الأطراف".
وأشار كيربي إلى زيارة الرئيس الأمريكي جو بايدن للسعودية في يوليو/ تموز الماضي، وقال: "هناك سبب كبير وراء ذهاب الرئيس إلى هناك في الصيف، ولماذا سنواصل البقاء على اتصال. هناك الكثير من القضايا في الشرق الأوسط التي تهمنا، وليس فقط أمن الطاقة".
واختتم منسق الاتصالات الاستراتيجية في مجلس الأمن القومي الأمريكي إجابته، قائلا: "سنواصل التركيز على ذلك، لكننا لا نطلب من الدول الاختيار بين الصين والولايات المتحدة".

وتعليقا على زيارة الرئيس الصيني للسعودية، قال البيت الأبيض إن زيارة شي للسعودية "مثال على محاولات الصين بسط نفوذها في أنحاء العالم"، مشددا على أنها لن تغير سياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط. 
من جانبها، قالت الخارجية الصينية إن القمة التي ستعقد في الرياض بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي ستدفع العلاقات بين الجانبين إلى مستوى جديد، وأوضحت المتحدثة باسم الخارجية الصينية ماو نينغ، أن الرئيس الصيني سيتبادل وجهات النظر مع قادة المجلس بشأن القضايا ذات الاهتمام المشترك.

 


واشنطن لم تَعُد الحليف الأوحد للملكة العربية السعودية:


إذ قالت صحيفة "فورين بوليسي" إن زيارة الرئيس الصيني "شي جين بينج" إلى السعودية تذكر بتصريحات وزير الخارجية السعودي الأسبق "سعود الفيصل" عام 2004، والتي قال فيها إن علاقة السعودية والولايات المتحدة ليست "زواجا كاثوليكيا"، ولكن "زواجا إسلاميا"، والأخير يسمح فيه بتعدد الزوجات، ما يعني أن السعودية لا تسعى إلى الطلاق من الولايات المتحدة، لكن يمكن أن تتزوج من دول أخرى.
ورغم أن بكين لا يمكن أن تحل محل واشنطن، لاسيما في مسألة الحماية والأمن، لكن السعودية تؤكد، وسط التجاذبات الحالية، أنها لن ترفض التقارب مع أي طرف، باختصار لم تعد واشنطن هي الزوجة الوحيدة.
وتقول الصحيفة إنه يمكن النظر إلى العلاقات المتنامية بين السعودية والصين كتذكير من الرياض لواشنطن بأهمية إيلاء المزيد من الاهتمام للمصالح السعودية.
ولم تكن العلاقات بين ولي العهد السعودي، الأمير "محمد بن سلمان"، والرئيس الأمريكي الحالي "جو بايدن" في أحسن أحوالها، وسبق لولي العهد أن قال في تصريحات سابقة إنه لا يهتم بانطباع "بايدن" عنه. 
لكن ما يعكر صفو العلاقات الأمريكية السعودية بحسب الصحيفة أعمق بكثير من توتر العلاقات بين بايدن و ولي العهد ، حيث تراجعت المقايضة الأساسية التي أدامت العلاقة لعقود، حيث كانت واشنطن بحاجة للنفط السعودي والرياض إلى ضمانات أمنية أمريكية، وأثرت فيها السنين بفضل قائمة طويلة من الضغوط والتوترات. 
هناك أيضا ثورة النفط الصخري التي جعلت من الولايات المتحدة منافسًا للنفط، وكذلك الاتفاق النووي بين إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق "باراك أوباما" وإيران، عدوة السعودية اللدود.
كذلك، اشتعلت مخاوف الرياض من  استجابة واشنطن الضعيفة إزاء هجمات الطائرات بدون طيار وصواريخ كروز الإيرانية في سبتمبر/أيلول 2019 على منشأتين رئيسيتين لإنتاج النفط بالسعودية.
وحتى التفاهمات التي حدثت بين واشنطن و الرياض حول إنتاج النفط، فقد انهارت في لحظة من التوتر عندما اتخذ السعوديون والروس، في اجتماع "أوبك+" في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، قرار خفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميًا في قرار نظر إليه في واشنطن على أنه دعم مباشر لتمويل آلة حرب الرئيس الروسي "فلاديمير بوتين" في أوكرانيا.
ويعود التقرير إلى مسألة الأسلحة الصينية والأمريكية، ويقول إنه على الرغم من أن السلاح الصيني لن يحل محل نظيره الأمريكي، لكنه يطالب إدارة "بايدن" بأن تراقب عن كثب ما قد تبيعه بكين من ترقيات للصواريخ الصينية الموجودة بالفعل في أيدي السعودية، وكذلك نوع التعاون النووي الأولي الذي قد يحدث في هذا المجال.


هل تستطيع الصين أن تَحّل محّل الحليف الأمريكي بالنسبة لِدول الخليج؟


لا يُمكن الجزم بعدم قدرة الصين على تقديم كل ماقد تحتاجه دول الخليج العربي من تكنولوجيا متقدمة و سلعٍ صناعية و أسلحة متطورة و غير ذلك من احتياجات منطقة الخليج العربي، و لكن، إن الصين قد لا تكون مستعدة بالفعل لتقديم كل ما لديها لإنشاء تحالف واضح مع دول الخليج العربي، فالصين مثلاً، لا يمكنها تمكين الدول العربية من التقدم في التكنولوجيا الصناعية بشكل كبير مخافة أن تصبح الدول العربية خصماً صناعياً للصين، كما لا يمكن أن تمدها بالأسلحة المتطورة اللازمة لحماية أمنها و مواقع النفط فيها، لأن ذلك يتطلب موقفاً سياسياً واضحاً من قبل الصين تجاه إيران، لا سيما أن أكبر تهديد لأمن منطقة الخليج يتمثل في إيران، التي تحظى الصين بعلاقات وثيقة معها كواحدة من الدول المعادية للولايات المتحدة، و رغم ذلك، لم تستطع إيران التي قدمت كل شيئٍ لديها لإرضاء الصين، إن تدفع الصين نحو إقامة تحالفٍ واضح تضمن فيه الصين حماية مصالح إيران و التعاون معها بغض النظر عن التكاليف او النتائج. 
فالصين بكل بساطة، تسعى إلى تحقيق مكاسبها الاقتصادية، و تتجنب الخوض في المسائل السياسية التي يمكن أن تؤثر على علاقاتها الاقتصادية مع الدول الأخرى، و قد رأينا على سبيل المثال أن الصين لم تُغنِ عن الروس شيئاً خلال حربهم في أوكرانيا، بل على العكس، استفادت من كون روسيا محاصرة بالعقوبات الغربية لاستيراد النفط الروسي بأسعار أدنى من الأسعار العادية السائدة في الأسواق العالمية. 
و بكل الأحوال، إن ما يمكن الجزم به، هو أن العلاقات العربية و خصوصاً الخليجية مع الصين يجب أن تشهد تطويراً مستمراً، حتى و إن كانت العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية في أحسن احوالها، فالصين شريك تجاري لا غنى عنه للمملكة العربية السعودية و لأي دولة تريد تطوير اقتصادها و تعزيز تجارتها الخارجية و حركة الاستثمار، بل حتى إن الولايات المتحدة نفسها لا تستطيع الاستغناء عن الصين كشريك اقتصادي، و لهذا يتعين على الدول العربية الاستفادة قدر الإمكان من علاقاتٍ ودية مع الصين بغية تحقيق المصالح الاقتصادية العربية و الحفاظ عليها. 
و لكن على الجانب الآخر، يمكن للدول العربية الاستفادة سياسياً من التقارب مع الصين لإرسال رسائل للولايات المتحدة الاميركية بضرورة الإصغاء إلى مطالب حلفائها و أخذ مخاوفهم الأمنية بعين الاعتبار، دون أن تكون هناك نية للتحول الكلي نحو الصين في المجالات السياسية و العسكرية، فقد عرضنا سابقاً أن الصين ليست حليفاً سياسياً يُعتمد عليه، و بالتالي فلا غنى عن علاقاتٍ طيبةٍ مع الولايات المتحدة، التي لا زالت – على الرغم من تراجعها النسبي- أهم قوة عسكرية و اقتصادية في العالم كله، على الأقل على المدى المنظور، إذ لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية الحليف العسكري الأول لدول الخليج العربي بالرغم من التوتر الذي تشهده العلاقات بين الجانبين.
و في هذا الإطار،حثّ مقالٌ نشرته صحيفة ذا واشنطن بوست الأميركية الرئيس الأميركي جو بايدن على العمل على تحسين العلاقات مع الرياض، وإنجاز ذلك في أسرع وقت ممكن، محذرا من أن التقاعس عن ذلك سيكون من مصلحة الصين.

يقول المقال -الذي كتبته كارين إليوت هاوس،  إن شهر رمضان فرصة ليقوم بايدن بزيارة إلى الرياض "لأن في هذا الشهر يكون المسلمون أكثر تسامحا".
ونصحت الكاتبة بايدن بالذهاب إلى المملكة في زيارة عمل قصيرة لطلب الصفح عن قائمة متزايدة من المظالم الأميركية على السعودية، والتي أضرت بشدة بالعلاقات بين الطرفين.
وأوضحت أن الاستياء السعودي من أميركا ظل يتصاعد منذ عقد من الزمان، منذ عهد الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما الذي غيّر أولويات واشنطن بعيدا عن حماية الشرق الأوسط وإمدادات النفط، لكن الضرر الجسيم لم يبدأ إلا عندما بدأ بايدن الهجوم واصفا المملكة بأنها "دولة منبوذة" وأزال صواريخ باتريوت التي تحمي المنشآت النفطية من هجمات الحوثيين المدعومين من إيران، وسعي لإحياء الاتفاق النووي مع طهران، وأزال الحوثيين من قائمة "الإرهاب" ويسعى حاليا لرفع الحرس الثوري الإيراني من هذه القائمة. وأشارت إلى أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان رفض حتى التحدث مع بايدن.
ولفتت الكاتبة الانتباه إلى أنه عندما اختفى النفط الروسي فجأة من الأسواق العالمية في مارس/آذار الماضي، لجأ بايدن إلى الرياض، لكن ولي العهد رفض طلبه.
وقالت إن الغضب السعودي من الولايات المتحدة لم يكن خلال 40 عاما الماضية بهذا المستوى العالي حاليا. ونقلت عن أحد رجال الأعمال السعوديين قوله "إن العلاقات بين أميركا والسعودية ماتت. فقد حفر أوباما القبر، ووضع بايدن الغطاء على النعش".
وأضافت أن مسؤولي الخارجية السعودية أصبحوا يزدرون أميركا ولسان حالهم يقول لبايدن "أنت تنتقدنا لإنتاج النفط وتصفه بالقذارة لإرضاء المدافعين عن المناخ، ومع ذلك عندما تكون في مأزق، تلجأ إلينا لضخ المزيد؟" ويصرون على أن المملكة لن تزيد إنتاجها دون اتفاق منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) التي تضم روسيا، ونسبت إلى أحد هؤلاء المسؤولين القول "في الوقت الحالي، لا توجد حجة تجارية أو مالية عقلانية لزيادة الإنتاج، ما عدا الحجة السياسية".
ثم انتقلت الكاتبة إلى القول إن كلا البلدين بحاجة إلى تنحية الكبرياء المجروح جانبا وإصلاح علاقتهما "الأمر الذي يدعم حقا الأمن الاقتصادي العالمي" مضيفة أن حنق السعودية أمر خطير. فعلاقات المملكة مع الصين قوية وتزداد قوة وهي الآن أكبر شريك تجاري للسعودية، وتظهر احتراما كبيرا لقادة المملكة، إذ أعلن وزير خارجيتها، باجتماع منظمة التعاون الإسلامي الشهر المنصرم في إسلام آباد، أن بلاده والسعودية "صديقتان حميمتان تدعمان القضايا الأساسية لبعضهما البعض".
وأشار المقال إلى أن بكين تعمل جاهدة من أجل تباعد واشنطن والرياض منذ فترة طويلة في منطقة حيوية من العالم، لكنها لا تستطيع حماية حقول النفط السعودية أو الممرات البحرية التي تسمح للنفط بالوصول إلى الأسواق العالمية. وفي الوقت الحالي، يمكن للولايات المتحدة فقط القيام بذلك. لذا فقد حان الوقت للرياض وواشنطن لتوحيد جهودهما والتعاون على إستراتيجية أمنية جديدة.
وختمت الكاتبة مقالها بأن السعودية كانت حليفا رئيسيا لأميركا منذ ما يقرب من 80 عاما، وإذا أراد بايدن إصلاح العلاقة، فمن الحكمة القيام بذلك عاجلا وليس آجلا مضيفة "قد يتعرض كبريائه لضربة قصيرة المدى، لكن الثمن الذي تتحمله المصالح الأميركية هو العزلة واقتراب السعودية بشكل أقوى من الصين".