توتُّر العلاقات السعودية-الأميركية و فوز نتنياهو بالإنتخابات و المستشارُ الألمانيّ يَزورُ الصّين.. هل تشهدُ الولايات المتحدة ظاهِرةَ تَسَرُّبِ الحُلفاء؟

news image

تقرير - مروة شاهين - بث:
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، و قيام التحالف الغربي ضد "الخطر الآتي من الشرق"، اتبعت الدول الأوروبية سياسات إمّا مُتحفّظةٍ أو عدائيةٍ تجاه الدول ذات الأيديولوجيات الشرقية المُحافظة و الشيوعية منها، المعادية لمبادئ الرأسمالية و الليبرالية الغربية و على الأخص روسيا ذات الإيديولوجية الدينية المسيحية الأرثوذكسية، و الصين ذات الأيديولوجية الشيوعية التي أرساها الزعيم الشيوعي الصيني ماو تسي تونغ.

السياسات الأوروبية تجاه روسيا و الصين تحت "المظلّة الأميركية" :


و منذ عقود من الزمن، تعتمد الدول الأوروبية في سياساتها تجاه هذه الدول على اتباع النهج الأميركي السياسات الأميركية دون أدنى خُروجٍ عن هذه المبادئ بهدف الحفاظ على استقرار العلاقات الأوروبية الأميركية، لا سيما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت هي عرّاب النهضة الاقتصادية الغربية بعد الحرب العالمية الثانية و الحامي الأساسي للديمقراطية و المبادئ الليبرالية و الرأسمالية التي طبقتها هذه الدول، في مواجهة المدّ الشيوعي القادم من الإتحاد السوفيتي، الذي كان يعتمد على سياسة تصدير الثورة و نشر الإيديولوجيا الشيوعية بهدف توسيع نفوذه دولياً و في أوروبا الشرقية على وجه الخصوص. 
و على مدى عقودٍ من الزمن، استمرت الدول الأوروبية بمجاراة السياسة الأميركية و اتباعها، فنشأت علاقات اقتصادية ضخمة بين الولايات المتحدة الأمريكية و دول الاتحاد الأوروبي من جهة، و بين روسيا و الصين من جهة أخرى، بل و حتى أصبحت الصين - و بالرغم من كونها الدولة الشيوعية الأبرز في العالم و التي تتزعّم حالياً ما نبقّى من أطلال الماركسية و مبادئ الثورة الشيوعية- واحدةً من أهم الشركاء الاقتصاديين للدول الغربية و لا سيما الولايات المتحدة. 
إذ بلغ التبادل التجاري بين الصين والولايات المتحدة  في الفترة ما بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان من العام 2022 نسبة 10,9% ليصل إلى 245,73 مليار دولار، بحسب الإدارة العامة للجمارك الصينية. 
وتدل المعلومات التي نشرتها الإدارة على أن الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة ازدادت بنسبة 14,9% لتصل إلى 184,92 مليار دولار، فيما ارتفع حجم الواردات الأمريكية إلى الصين بنسبة 0,3% فقط ليصل إلى 60,81 مليار دولار. وبلغ الفائض التجاري للصين في تجارتها مع الولايات المتحدة خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري إلى 124,11 مليار دولار بعد ارتفاعها بنسبة 23,2% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي.

 

العلاقات الغربية مع الصين.. فصل الاقتصاد عن السياسة:


و على الرغم من العلاقات الاقتصادية الضخمة بين الصين و الدول الغربية، إلا أن هذا التعاون الاقتصادي الضخم لم ينعكس بشكل كافٍ على العلاقات السياسية و الدبلوماسية بين الغرب و الصين، إذ بقيت العلاقات السياسية بين الولايات المتحدة الأمريكية و الصين متوترة إلى درجة كبيرة بسبب خلافاتٍ عِدّة، أبرزها التنافس الاقتصادي و أزمة تايوان و مسألة دعم الصين للبرنامج النووي الكوري الشمالي، و بطبيعة الحال، اتبعت الدول الأوروبية تجاه الصين سياسات مؤاتية للسياسات الأميركية. 
و لكن الفترة الأخيرة التي شهدت تحولات جذرية في الأوضاع الأمنية و الاقتصادية في أوروبا، و عدم تمكن الولايات المتحدة الأمريكية من تأمين رادعٍ كافٍ لروسيا لثنيها عن غزو أوكرانيا و فشل الولايات المتحدة في الحفاظ على أسعار الطاقة و في تأمين بدائل لمصادر الطاقة الروسية بعد فرض العقوبات على قطاع النفط والغاز الطبيعي الروسي، بدأت بعض الدول الأوروبية تفكر بالتغريد خارج السرب و إنتهاج سياسات فردية في التعامل مع الصين، بعيداً عن اتباع وجهة النظر الأميركية.
و كانت ألمانيا، السبّاقة بين كافة الدول الأوروبية لتخطي خطوة هامة باتجاه تعزيز العلاقات الثنائية بين الصين و ألمانيا بمعزلٍ عن الاتحاد الأوروبي، إذ زار المستشار الألماني أولاف شولتز الصين، في خطوة اعتبرها الغرب تسيّباً ألمانياً و خروجاً عن العُرف الغربي بتنسيق السياسات الخارجية لا سيما تجاه روسيا و الصين.

المستشار الألماني يسعى إلى تعزيز العلاقات الألمانية الصينية.. و غضبٌ أوروبي و أميركي:


و أثارت خطوة المستشار الألماني غضباً أميركياً و اوروبياً، لا سيما أن ألمانيا قد واجهت اتهاماتٍ أوروبية بالانعزال و السعي إلى حل أزماتها الاقتصادية بعيداً عن شركائها الأوروبيين في ما يتعلق بحزمة المساعدات الوطنية التي أطلقتها ألمانيا لمساعدة الشركات و الأفراد على تحمل تقلبات أسعار الطاقة، و تجدر الإشارة إلى أن هذه الحزمة بلغت قيمتها حوالي 200 مليار دولار. 
و خلال زيارته، أكد المستشار الألماني أولاف شولتس من بكين بأنه يسعى لتعزيز العلاقات الاقتصادية الحيوية مع الصين، و واجه المستشار الألماني انتقادات بسبب سعيه للاعتماد الكبير على يعتبره الغرب استبدادياً، لا سيما أن الغرب يعتبر أن ألمانيا قد أخطأت سابقاً الخطأ نفسه في اعتمادها بشكل كبير على مصادر الطاقة الروسية و الشراكة الاقتصادية مع موسكو.
ورحب الرئيس الصيني بالمستشار الألماني، في أول لقاء له مع زعيم غربي منذ أن ضمن فترة ولاية ثالثة غير مسبوقة لمدة خمس سنوات الشهر الماضي.
ويعد شولتس الأول من بين قادة مجموعة السبع الذي يزور الصين منذ ظهور وباء كوفيد الذي دفع ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم لإغلاق حدودها إلى حد كبير.
وكان المستشار الألماني أولاف شولتز أعلن عن نية بلاده تغيير مسار العلاقة تجاه الصين، وقال شولتز في مقال لصحيفة "فرانكفورتر ألغماينه تسايتونغ" الألمانية إن مخرجات مؤتمر الحزب الشيوعي الصيني (الحاكم) قبل أسبوعين أقنعته بأن تغيير السياسة تجاه الصين ضروري.
وأضاف أن الالتزام بالماركسية اللينينية احتل مساحة أكبر بكثير مما كان عليه في المؤتمرات الحزبية السابقة، موضحا أن السعي من أجل استقرار النظام الشيوعي والحكم الذاتي الوطني سيصبح أكثر أهمية في المستقبل.
وفي 23 أكتوبر/تشرين الأول الماضي جدد الحزب الشيوعي الصيني الحاكم ثقته بالرئيس الصيني شي جين بينغ (69 عاما) أمينا عاما للحزب لفترة ثالثة مدتها 5 سنوات.
وأوضح المستشار الألماني أنه لن يتجاهل خلال محادثاته مع القيادة الصينية التطرق إلى القضايا الصعبة، مثل احترام الحريات المدنية والسياسية وحقوق الأقليات العرقية في إقليم شينجيانغ.
كما أعرب شولتز عن قلقه إزاء الوضع المتوتر بشأن تايوان، قائلا نحن مثل الولايات المتحدة ودول أخرى نتبع سياسة "الصين الواحدة"، لكن هذا يعني أنه لا يمكن تغيير الوضع الراهن إلا بشكل سلمي وبموافقة متبادلة.
وقال شولتس الذي استقبله الرئيس الصيني بعد وصوله إلى بكين في قاعة الشعب الكبرى إنه يسعى إلى "تنمية" التعاون الاقتصادي بشكل أكبر، بينما أقر بوجود وجهات نظر متباينة حيال عدد من القضايا.
ونقل عنه مصدر حكومي ألماني قوله: "من الجيد أن يكون بإمكاننا تبادل وجهات النظر هنا بشأن جميع القضايا، بما فيها تلك التي نراها من منظورين مختلفين. هذا هو الهدف من التواصل"، وأضاف "نريد أيضاً أن نناقش كيف يمكننا تطوير تعاوننا الاقتصادي  في مواضيع أخرى: تغير المناخ والأمن الغذائي والدول المثقلة بالديون".
بدوره، أعرب الرئيس الصيني شي جي بين، عن اعتقاده بأن الزيارة "ستعزز الفهم والثقة المتبادلين وتعمّق التعاون العملي في مختلف المجالات وستخلق خططاً سليمة من أجل تطوير العلاقات الصينية-الألمانية في المرحلة المقبلة"، بحسب ما نقلت عنه شبكة البث الصينية الرسمية "سي سي تي في".

مُعارضةٌ ألمانية و غربية لزيارة شولتز:

إذ قال النائب الألماني المعارض نوربرت روتغن لصحيفة "راينيش بوست" إن نهج شولتس ما زال قائما على فكرة "أننا نرغب بمواصلة التعامل تجارياً مع الصين بغض النظر عن ما يعنيه ذلك بالنسبة لتبعية اقتصادنا وقدرتنا على التحرك".
ولم تُخف شخصيات ضمن الائتلاف الحاكم أيضاً قلقها حيال العلاقة مع الصين، إذ قالت وزيرة الخارجية أنالينا بيربوك إن على الأخطاء التي ارتُكبت في الماضي مع روسيا ألا تتكرر.
ودافع زعيم أكبر قوة اقتصادية في أوروبا عن الزيارة، مشدداً على أن إجراء محادثات مباشرة مع قادة الصين "ازداد أهمية" بعد توقف هذا النوع من المباحثات جراء الوباء. وقال في مقال صحافي "لن نتجاهل القضايا المثيرة للجدل" بينما عدد سلسلة مواضيع سيطرحها تشمل احترام الحريات المدنية وحقوق الأقليات العرقية في شينجيانغ. 
وفي بكين، أفاد الناطق باسم وزارة الخارجية تشاو ليغيان بأن الصين تتطلع لزيارة "ناجحة" وبأن "التعاون (بين البلدين) يتجاوز بأشواط المنافسة" بينهما، كما حذر من أن "الجانب الصيني يعارض التدخل في شؤوننا الداخلية وتشويه سمعتنا تحت غطاء مناقشة مسائل مرتبطة بحقوق الإنسان".

علاقة نتنياهو بالرئيس الروسي بوتين سوف تجعل بايدن في مهمة صعبة اتجّاه إسرائيل:


إذ لطالما تباهى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو- الذي فاز منذ يومين في انتخابات الكنيست الإسرائيلي - بالعلاقة الشخصية القوية التي تجمعه بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، لا سيما على الفائدة التي انعكست على التنسيق الأمني بين إسرائيل و روسيا في سوريا، إذ قال نتنياهو أن بوتين قال له ذات مرة : "إنه لولا الاتصال بيننا لوقعت صدامات عسكرية بيننا"، بحسب ما قاله نتنياهو لإذاعة الجيش الإسرائيلي.
وتابع: "كنا قريبين من الاصطدام 4 مرات حتى الآن، وكادت طائراتنا أن تصطدم بالطائرات الروسية في أجواء سوريا".
وجدير بالذكر أن الطائرات الإسرائيلية نفذت العديد من الغارات على الأراضي السورية خلال السنوات الأخيرة، حيث أعلنت إسرائيل مرارا عن رفضها الحضور العسكري الإيراني في سوريا، و كانت هذه الغارات بالتنسيق مع القوات الروسية الموجودة في القواعد العسكرية الروسية المنتشرة في سوريا.
و بعد الإطاحة بحكومة نتنياهو خلال الانتخابات الإسرائيلية ماقبل الأخيرة، نقل موقع أكسيوس الأميركي ، أن نتنياهو قال للرئيس للسفير الروسي لدى إسرائيل أناتولي فيكتوروف : “أخبر الرئيس بوتين أنني سأعود قريبا”.
و بعد إبعاد نتنياهو عن سُدّة رئاسة الوزراء في إسرائيل، شهدت العلاقات الروسية الإسرائيلية توترات كبيرة، كان أبرزها تعليق روسيا لعمل الوكالة اليهودية على الأراضي الروسية. 
و كانت  وزارة العدل الروسية  اعتزمت حل الوكالة، بعد رفع دعوى قضائية أمام محكمة مقاطعة باسماني في موسكو ضد المنظمة، التي تدعم اليهود المهاجرين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة، و جاء هذا القرار بعد بدء الحرب في أوكرانيا، فيما اعتبره البعض رداً روسياً على إرسال إسرائيل أسلحة دفاعية إلى أوكرانيا. 
و قد استخدم نتنياهو خلال حملته الانتخابية ورقة علاقته مع الرئيس الروسي لتعزيز موقفه في الانتخابات، معتبراً أنه الوحيد القادر على إعادة العلاقات الروسية الإسرائيلية إلى سابق عهدها. 
إذ قال نتنياهو في تصريح: "من الممكن ومن المهم الخروج من المأزق الحالي في العلاقات مع روسيا من أجل مصلحتنا، و قد عملت خلال سنواتي في الحكم على بناء علاقة قوية مع روسيا والتعاون في مختلف المجالات ومنها التنسيق العسكري فيما يخص عملياتنا في سوريا وهو ما مكننا من حرية العمل العسكري ومنع تموضع إيران على حدودنا، كما وقمت بإطلاق سراح مواطنتين إسرائيليتين محتجزتين لدى روسيا وسمحنا بدفع مستحقات التقاعد للمهاجرين إلى إسرائيل".
وتابع: "الآن يتم هدم ما بنيناه في سنوات خلال الأسبوعين الماضيين بسبب التهور، و إن العلاقات مع روسيا مهمة لأمننا القومي ويجب إصلاح ما تم تخريبه".
وأردف قوله: "لدي مطلب من يائير لابيد وبيني غانتس أن يعملا على إصلاح هذا الضرر في أسرع وقت من أجل مصالحنا، و سأعود إلى الحكم وسأعمل على بناء حكومة موسعة وسنصلح ما تم إفساده
و في كلام موجه إلى نفتالي بينيت و يائير لابيد ، قال نتنياهو : " إن إدارتكم للأمور تعرض أمننا القومي للخطر.. إن لم تصطلح العلاقات مع روسيا في أسرع وقت ممكن فهذا سيؤدي إلى ضربة خطيرة لأمننا".
و تُعدّ عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ا إلى الحكم في إسرائيل بمثابة خطوة مقدمة لتحسن العلاقات الإسرائيلية مع روسيا، ما اعتبرته واشنطن مسألة من شأنها تعقيد العلاقات الأميركية مع إسرائيل، لا سيما أن الرئيس الأميركي الحالي جو بايدن يعتبر نتنياهو من المحسوبين على الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب.

ليس مع روسيا فقط.. إسرائيل قد عزّزت بالفعل علاقتها مع الصين في حكم نتنياهو :

و بالإضافة إلى العلاقات مع روسيا، وقعت إسرائيل خلال فترة حكم رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق بنيامين نتنياهو مع الصين اتفاقية "شراكة الابتكار الشاملة"، ومضت الصين رغم اعتراضات إدارة ترامب القوية آنذاك. 
واستثمرت في البنية التحتية الإسرائيلية في إطار مبادرة الحزام والطريق، كما شيَّدت شركات صينية مملوكة للدولة مرافق في ميناء أسدود وحيفا، وخطا للسكة الحديد الخفيفة في تل أبيب، كما استثمرت الشركات الصينية مثل "هواوي" و"علي بابا" في نحو 463 شركة إسرائيلية وأنشأوا مراكز للبحوث والتطوير في إسرائيل. 
ورغم ذلك، استجابت حكومة رئيس الوزراء السابق "نفتالي بينيت" لبعض الضغوطات الأميركية، مثل انتقاد إسرائيل انتهاكات حقوق الإنسان في الصين لأول مرة، كما أوقفت تل أبيب التعاون مع شركة "هواوي" في تدشين شبكات الجيل الخامس.
و يُعتبر السلوك الإسرائيلي تجاه الصين و روسيا بمثابة خروج إسرائيل عن الالتزام التام بتحالفها مع الولايات المتحدة الأمريكية، التي لطالما كانت الحليف الأول لإسرائيل في كافة المجالات الاقتصادية و العسكرية و السياسية.
و تواجه إدارة بايدن مخاوف بسبب العلاقة المعقدة بين بايدن و نتنياهو، إذ يعتبر البعض أن توتر العلاقة بينهما سينعكس على العلاقات الأميركية الإسرائيلية، و سيدفع الإدارة الأمريكية إما إلى تقديم تنازلات لنتنياهو و اما السماح لإسرائيل بالذهاب في علاقتها مع روسيا و الصين إلى أبعد من ذلك.

تَوتّر العلاقات مع السعودية و ارتفاع أسعار النفط يُحرِج  بايدن في الانتخابات القادمة:


إذ قرر تحالف أوبك بلس، الذي تتزعمه المملكة العربية السعودية و يضم العديد من الدول المصدرة للنفط منها روسيا، خفض الإنتاج بمقدار مليوني برميل يوميا، وهو أكبر خفض منذ تفشي كوفيد-19 عام 2020.
و قد أدى قرار أوبك بلس إلى ارتفاع أسعار الطاقة بسبب نقص المعروض في الأسواق العالمية مما من شأنه أن يزيد معدلات التضخم التي وصلت إلى مستويات قياسية منذ عقود في العديد من البلدان.
وقد ارتفعت أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية عقب إعلان قرار أوبك بلس، ليتجاوز سعر خام برنت القياسي 93 دولارا للبرميل.
وقال البيت الأبيض حينها في تعليق على قرار أوبك، ، إن القرار الذي اتخذته هذه المجموعة سبّب "خيبة أمل" للرئيس بايدن.
و أضاف البيت الأبيض أن إدارة بايدن ستتشاور مع الكونغرس  حول أدوات وآليات إضافية لتقليص سيطرة تحالف الدول المنتجة للنفط على أسعار الطاقة".
كما أشار البيت الأبيض إلى أن بايدن  أمر بتوزيع كميات إضافية من الاحتياطي الإستراتيجي في السوق سيواصل التوجيه بالسحب من هذا الاحتياطي بحسب الحاجة، لحماية المستهلكين وتعزيز أمن الطاقة.
و اتهمت إدارة بايدن مجموعة أوبك بلس بالانحياز إلى روسيا، إذ قالت كارين جون بيير المتحدثة باسم البيت الأبيض إن من الواضح أن أوبك بلس تنحاز إلى روسيا، مؤكدة أن الولايات المتحدة ترى أن قرار خفض الإنتاج خاطئ ويصب في مصلحة موسكو الخاصة.
و قد سببت هذه التطورات الأخيرة في توتر في العلاقات السعودية الأميركية، لا سيما بعد أن طالب أعضاء في الكونغرس الأميركي بفرض عقوبات على السعودية، كما ألمحت الإدارة الأمريكية بإمكانية تمرير مشروع  قانون "نوبك" NOPEC في الكونغرس، وهو مشروعٌ يهدف إلى تقليص قدرة الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدّرة للنفط (أوبك) على تحديد أسعار النفط من خلال رفع الحصانة السيادية عنها أمام المحاكم الأميركية، ما يعني إمكانية مقاضاتها على أساس قوانين مكافحة الاحتكار. وقد قُدّم مشروع القانون أول مرة في عام 2000، ثمّ قُدّم بصيغ مختلفة، منذ ذلك الحين، 16 مرّة.
وفي عام 2007، كاد يتحوّل إلى قانون بعد التصويت عليه بأغلبية كبيرة من الحزبين في الكونغرس، لولا تهديد الرئيس، جورج بوش الابن، بنقضه استنادًا إلى "حق النقض" (الفيتو). وفي أيار/ مايو 2022، أقرّت لجنة في مجلس الشيوخ مشروع القانون، ولكن لا بد لهذا المشروع من التصويت عليه في مجلسَي النواب والشيوخ، ثمَّ توقيعه من الرئيس نفسه، حتى يصبح قانونًا. 
و عن ردة الفعل السعودية تجاه التصريحات الأميركية، قالت  صحيفة وول ستريت جورنال هذا الأسبوع؛ أن المسؤولين السعوديين حذروا من أن المملكة قد تبيع سندات الخزانة الأمريكية إذا وافق الكونغرس على قانون "نوبك".
و من شأن ذلك أن يخلق حالة من عدم اليقين في الأسواق في لحظة محفوفة بالمخاطر بالفعل، ما يؤدي إلى زعزعة استقرار الأسواق، وزيادة تكاليف الاقتراض للعائلات والشركات، بحسب الصحيفة.
و تملك المملكة العربية السعودية حوالي 119 مليار دولار من ديون الولايات المتحدة، وفقًا لبيانات وزارة الخزانة، مما يجعلها في المرتبة الـ16 في العالم من حيث حجم سندات الخزانة، مما يعطي المملكة أدوات هامة بإمكانها التأثير بشكل كبير على استقرار الاقتصاد الأمريكي.

لماذا تعاني الولايات المتحدة من زعزعة في العلاقات مع حلفائها؟ :


إن السياسات الخارجية التي اتبعتها الولايات المتحدة الأمريكية في الفترة الأخيرة تجاه حلفائها و خصومها على حدّ سواء لا يمكن وصفها سوى بالسياسات العشوائية قصيرة النظر، بدءًا من الانسحاب من الاتفاق النووي الإيراني ما سمح لإيران بالتفلت من ضوابط الاتفاق و رفع مستوى تخصيب اليورانيوم ما جعلها أقرب إلى الوصول إلى القنبلة النووية أكثر من أي وقت مضى، بالإضافة إلى الانسحاب العشوائي من أفغانستان و التخطيط الانساب من العراق، و خفض التواجد العسكري الأميركي في قواعد حلف شمال الأطلسي المنتشرة في دول الحلف و خصوصاً في أوروبا، ما من شأنه أن يُصعف الحماية العسكرية الأميركية لدول الحلف، خصوصاً تلك الدول التي لا تملك بنية عسكرية متطورة كاليابان و ألمانيا. 
و إن عجز الولايات المتحدة الأمريكية عن التزامها بحماية مصالح حلفائها، أدى إلى حدوث تصدُّعاتٍ في الثقة بين الأمريكيين و حلفائهم لا سيما دول أوروبا، إذ عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن تأمين مصادر أخرى للغاز الطبيعي لحماية الدول الأوروبية من تداعيات العقوبات الغربية على روسيا، كما سببت هذه العقوبات على قطاع النفط والغاز الروسي ارتقاعاً كبيراً في أسعار الطاقة في أوروبا، ما جعل العديد من الدول الأوروبية تفكر في إنتهاج سياسات خارجية جديدة تكون مستقلة عن النهج الأميركي و تهدف إلى تعزيز المصالح الأوروبية، إذ بات أصحاب هذا الاتجاه يرون أن السياسات الأمريكية التي تُفرض على الحلفاء في أوروبا في هي سياساتٌ أنانية تهدف إلى تحقيق المصلحة الأميركية دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح دول الاتحاد الأوروبي.
و كذلك الأمر مع المملكة العربية السعودية، إذ تجاهلت الولايات المتحدة الأمريكية كون السعودية و باقي دول الخليج العربي هي دول تعتمد بشكل كبير على صادرات الطاقة، و بالتالي فإن تدهور أسعار النفط سيؤدي إلى ضرر اقتصادي لدول الخليج العربي و الدول المصدرة للنفط بشكل عام، لكن الولايات المتحدة الأمريكية تطالب أوبك بلس بزيادة الإنتاج لحرمان روسيا من العائدات المالية للصادرات النفطية من خلال خفض أسعار النفط عبر زيادة كمية المعروض في أسواق الطاقة العالمية، كما أن الولايات المتحدة الأمريكية ستستفيد من انخفاض الأسعار لكونها تعتبر من أكثر الدول استهلاكاً للنفط، متجاهلةً مصالح حلفائها في الخليج و مدى الضرر الذي سيقع عليهم في حال حدوث انخفاض شديد في أسعار النفط.
و لهذا، فإن أنانية السياسات الأميركية وتأرجحها، و سعيها إلى تحقيق مكاسب كثيرة لصالح الولايات المتحدة على حساب الحلفاء و الخصوم في آنٍ معاً، أدّى إلى نفور العديد من الدول الصديقة للولايات المتحدة و تزعزع الثقة بشكل كبير في الدولة التي كانت تعتبر نفسها سيدة العالم، و سعي كل دولة إلى إنتهاج السياسات التي شأنها أن تحقق مصالحها الوطنية، دون الالتزام و الخضوع للتوجهات الأمريكية التي أصبحت في الفترة الأخيرة أنانيةً و عشوائيةً و بعيدةً كلّ البعد عن أيّ نظرةٍ بعيدة المدى.