الفَرَاغُ المُزدَوج.. لبنان بِلا رئيسٍ و لا حكومة.. كيفَ سيؤثِّر الفراغُ على الأوضاع والسياسات الداخلية و الخارجية؟

news image

عون يغادِر قصر بعبدا قبل يوم من انتهاء ولايته تارِكاً صَرح الرئاسة فارغاً

تقرير - مروة شاهين - بث: 
إنه الأول من نوفمبر / تشرين الثاني، تاريخٌ كان يجب أن تشهد فيه الجمهورية اللبنانية حفل تنصيب رئيس لها، و كان من الطبيعي أن يشهد القصر الجمهوري في بعبدا احتفالاً يتسّلم فيه الرئيس الجديد مهامه وصلاحياته الدستورية من الرئيس السابق ميشال عون، في جوٍّ يُجسّد طقساً تتمثّل فيه القيم الديمقراطية اللبنانية بأبهى الصور، و تتنامَى معه ركائز الحكم الديمقراطي و أهمها التبادل السلمي للسلطة، تلك الركيزة التي تعتبر حجر الأساس لضمان استمرار الديمقراطية في في أي نظام حكم ديمقراطي.
هذا ما كان يجب أن يحدُث، و لكنه ليس ما حدث، فالأول من تشرين الثاني بدلاً من أن يكون عُرساً ديمقراطياً في لبنان، أصبح مأتماً لجمهوريةٍ ديمقراطيةٍ لا حاكم لها، و بالتالي غَدا هذا التاريخ أول يوم للبنان بدون رئيس للجمهورية..

عون يغادِر قصر بعبدا تارِكاً صَرح الرئاسة فارغاً:


إذ غادر الرئيس اللبناني السابق ميشال عون قصر بعبدا قبل يوم من انتهاء ولايته في مراسم رسمية تضمنت وداعاً لكبار الموظفين و المستشارين و استعراضاً لفرقة الحرس الجمهوري، في وسط تجمّع أنصاره في ساحة القصر لمواكبة مغادرة الرئيس مقر رئاسة الجمهورية و انتقاله إلى مقر إقامته في منطقة الرابية. 
و في كلمة لهُ في اليوم ما قبل الأخير من ولايته كرئيس للجمهورية اللبنانية، قال الرئيس عون متوجهاً إلى الحشود التي قدمت لوداعه “اليوم لقاء كبير عدنا من الحجر إلى البشر، أرى فيكم رجال مقاومة غالبيتكم كان معي في المعركة الأولى، أنتم معي وأنا معكم، اليوم نهاية مرحلة ولكن هناك مرحلة اخرى فيها نضال قوي”.
وتابع  عون “تركت ورائي وضعاً بحاجة إلى نضال للانتهاء منه”، لافتاً إلى أن “القضاء لم يعد يحصّل حقوق الناس، وحاكم المصرف المركزي لم نستطع ايصاله للمحكمة فمن يحميه؟ ومن هو شريكه؟ كلهم في المنظومة الحاكمة منذ 32 سنة اوصلونا إلى ما وصلنا اليه”، ومؤكداً أن “الدولة لا يمكن أن تقوم إلا على عامودين: الأمن والقضاء، قمنا بتدقيق مالي ولكن لم يتمّ البت فيه في القضاء”.
وأضاف عون في السياق نفسه أن “البلد مسروق وعلينا أن نقوم بالكثير من العمل والكثير من الجهد لكي نقتلع الفساد من جذوره”، مشيراً إلى أن “مؤسسات الدولة مهترئة لأنّ القيّمين عليها خائفون من عصاً تهدّدهم”.
وعن انجاز اتفاق الترسيم الذي ختم به الرئيس عون عهده، قال “عملنا على ترسيم الحدود البحرية الجنوبية لأنّنا نعلم أنّه لا يمكن للبنان أن يقوم من أزمته إلا من خلال استخراج النفط والغاز”، مضيفاً “قاموا بمحاربتنا طوال هذه الفترة لأنّنا عملنا على الإصلاح… ولأنّ الإصلاح يضرّ بهم وبمصالحهم، عرقلوا إقرار القوانين التي تحافظ على حقوق اللبنانيين”.

البَعضُ يخرُجُ من القصرِ مرّتين.. ميشال عون و تاريخ الصراع على قصر بعبدا:

عيّن الرئيس اللبناني الأسبق أمين الجميل مع نهاية ولايته ميشال عون ( و الذي كان حينها قائداً للجيش اللبناني) رئيسًا لحكومة عسكرية إنتقالية بعد فشل مجلس النواب بانتخاب خلفٍ له، و واجه هذا القرار معارضة داخليّة وأدى إلى نشوء نزاع بين حكومتين، الأولى برئاسة عون وتحظى بدعم المسيحيين والعراق، والثانية برئاسة سليم الحص وتحظى بدعم المسلمين وسوريا.


و على إثر هذه الأوضاع، أعلن عون «حرب التحرير» على سوريا، مطالبًا بانسحابها من لبنان، كما عارض اتفاق الطائف، ولم يعترف بشرعية الرئيسين رينيه معوض وإلياس الهراوي. تطوّرت خلافاته مع سمير جعجع إلى اشتباكات مسلّحة بين الجيش والقوات اللبنانية عرفت بحرب الإلغاء، على الرغم من تحالفهما في البداية. في 13 أكتوبر 1990، شنّت القوات السورية عملية حاسمة اقتحمت فيها معاقل عون في بيروت الشرقية والقصر الجمهوري، وانتهت معها الحرب الأهلية.


الخُروج الأوّل:  بعد اشتباكه مع القوات السورية الموجودة في لبنان، ترك ميشال عون القصر الجمهوري و لجأ  إلى السفارة الفرنسية حيث أعلن استسلامه، ثم انتقل إلى فرنسا بعد منحه اللجوء السياسي.
و  في المنفى، أسّس التيار الوطني الحر، ولعب دورًا أساسيًا في إقرار الكونغرس الأمريكي قانون محاسبة سوريا. في 2005، عاد عون إلى لبنان بعد انسحاب الجيش السوري إثر ثورة الأرز بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ، وترأس كتلة التغيير والإصلاح بعد انتخابه نائبًا عن دائرة كسروان.
لكن المواقف السياسية و المبادئ التي حارب عون لأجلها قبل خروجه من لبنان تغيرت تغَيُراً جذرياً بعد تحالف عون مع حزب الله الموالي لمحور سوريا و إيران، إذ وقّع مذكرة تفاهم مع حزب الله وإنضم إلى تحالف 8 آذار، وشارك في  المعارضة ضد حكومة السنيورة، الموالي لقوى 14 آذار المعارِضة لسوريا و إيران.


الخُروج الثاني.. عون الذي خرج من القصر في المرة الأولى معارضاً لسوريا يخرُج هذه المرّة حليفاً لها:


إن عون الذي خرج من قصر رئاسة الجمهورية عندما كان رئيساً للحكومة العسكرية خلال الحرب الأهلية بفعل هجوم للقوات السورية على مقر رئاسته، اعتقد أن من أخرجه من قصر الرئاسة هو وحده القادر على أن يُدخله إليه مرة أخرى.
و بالفعل، في 6 فبراير 2006، وقّع زعيم التيار الوطني الحر ميشال عون مذكّرة تفاهم مع الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله في كنيسة مار مخايل، التي تقع في حارة حريك في بيروت، وترمز إلى التعايش بين المسيحيين والمسلمين في لبنان. ناقشت المذكّرة الاختلافات والأهداف المشتركة للحزبين، بينها: الديمقراطية التوافقية، قانون انتخابي نسبي، علاقات لبنان الخارجية وآلية نزع سلاح حزب الله، و على إثر هذا التفاهم، تأسس تحالف بينهما، وأدّى إلى دعم عون لحزب الله في حرب 2006، وتبنّي حزب الله ترشيح عون في الانتخابات الرئاسية 2014–2016. 
و بالفعل، بعد عامين و نصف من الفراغ الرئاسي، و بفعل الدعم الذي حصل عليه عون من حزب الله و سوريا، و بعض التفاهمات التي أجراها مع بعض القوى السياسية اللبنانية المعارضة لسوريا و حزب الله، كاتفاق معراب الذي وُقّع بين زعيم التيار الوطني الحر جبران باسيل وزعيم القوات اللبنانية سمير جعجع في مقرّ قيادة القوات في معراب في 18 يناير/ كانون الثاني 2016،  و الذي يقتضي بتبنّي جعجع لترشيح ميشال عون إلى الانتخابات الرئاسية 2016،بعد سنوات من الخلاف تعود إلى الحرب الأهلية اللبنانية، تمكن ميشال عون من الوصول مجدداً إلى قصر بعيدا كرئيس للجمهورية اللبنانية.

رئاسةٌ مليئةٌ بالأزمات:

لم يكن إنهاء حالة الشغور الرئاسي التي دامت سنتين و نصف بعد انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية اللبنانية بداية مرحلة جديدة لحل الأزمات، بل كانت ولاية الرئيس عون بداية لأزمات جديدة عصفت بالجمهورية اللبنانية، بل إنه من المتوقع أيضاً أن تعيش الجمهورية مع تداعيات هذه الأزمات حتى بعد انتهاء ولايته.


الأزمة الأولى: استقالة حكومة الحريري:
في بداية عهد الرئيس عون، تسلم سعد رفيق الحريري رئاسة الحكومة اللبنانية في العام  2016، و من ثم في 4 نوفمبر/تشرين الثاني 2017، تقدّم سعد الحريري بإستقالته من رئاسة الحكومة من المملكة العربية السعودية بشكل مفاجئ، ما أثار صدمة في لبنان على مستوى الشعب والسياسيين، إذ إعتبر حينها الحريري الاستقالة إحتجاجًا على سياسية إيران وتدخلها في الشؤون اللبنانية، وإتهم حزب الله بتهديد أمن لبنان من خلال مشاركته في الحرب الأهلية السورية، وشبّه الساحة اللبنانية بفترة ما قبل إغتيال والده رفيق الحريري.
و في 21 نوفمبر، عاد الحريري إلى بيروت للمشاركة في إحتفالات عيد الاستقلال، وأعلن تعليقه إستقالته، وأنّ الرئيس عون أخبره أن يؤجل الأمر حتى مشاورات جديدة، و انتهت بذلك أزمة الحكومة الأولى.
الأزمة الثانية: انتفاضة تشرين الأول:
او ثورة السابع عشر من تشرين الأول، إذ اندلعت احتجاجات صاخبة في لبنان للاحتجاج على تدهور الأوضاع الاقتصادية في لبنان، لاسيما بعد بدء التدهور في أسعار صرف الليرة اللبنانية و ارتفاع الضرائب و انتشار الفساد المستشري في كافة قطاعات الدولة اللبنانية، و قد طالب المحتجون خلال هذه التظاهرات برحيل كافة أفراد الطبقة السياسية التي أوصلت لبنان إلى الانهيار حاملةً شعار "كلُّن يعني كلُّن"، في إشارة إلى ضرورة تغيير كافة الطبقة السياسية اللبنانية دون استثناء، و قد أدت هذه التحركات الشعبية إلى استقالة رئيس الوزراء اللبناني سعد الحريري و تشكيل حكومة جديدة برئاسة حسان دياب التي استقالت هي الأخرى بعد فترة وجيزة، و استمرت هذه الاحتجاجات نحو ثلاثة أشهر على التوالي.


 

انفجار مرفأ بيروت:
انفجار 4 أغسطس/ آب وأُطلِق عليه مصطلح بيروتشيما تشبيهًا بما جرى لمدينة هيروشيما جراء الانفجار النووي،  هو انفجار ضخم حدث على مرحلتين في العنبر رقم 12 في مرفأ بيروت عصر يوم الثلاثاء 4 أغسطس/آب 2022 نتجت عنه سحابة دخانية ضخمة على شاكلة سحابة الفطر ترافقت مع موجة صادمة هزّت العاصمة بيروت، مما أدّى إلى أضرار كبيرة في المرفأ وتهشيم الواجهات الزجاجية للمباني والمنازل في معظم أحياء العاصمة اللبنانية بيروت،وسجّلت وزارة الصحة اللبنانية تباعًا، مقتل أكثر من 218 شخصًا من بينهم المفقودون الذين لم يعثر لهم على أثر، وإصابة أكثر من 7000 آخرين، وأُعلن عن تضرّر مباشر لنحو 50 ألف وحدة سكنية، وبات نحو 300 ألف شخص بلا مأوى، وقدر محافظ بيروت الخسائر المادية الناجمة عن الانفجار ما بين 10 إلى 15 مليار دولار أمريكي.


الأزمة الاقتصادية و انهيار الاقتصاد اللبناني:

بدأت الأزمة الاقتصادية في لبنان في أواخر العام ٢٠١٩، إذ بدأت المصارف اللبنانية تعاني من نقص في العملات الصعبة ما دفع بالمصارف اللبنانية إلى احتجاز أموال المودعين، و بدأ سعر صرف الليرة اللبنانية يتهاوى، و كانت هذه بداية أشد أزمة اقتصادية شهدها لبنان في تاريخه، إذ قدّر تقرير المرصد الاقتصادي للبنان ( و هو مركز تابع للبنك الدولي) أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي هبط بنسبة 10.5% في 2021 في أعقاب انكماش نسبته 21.4% في 2020. وفي الواقع، انخفض إجمالي الناتج المحلي للبنان من قرابة 52 مليار دولار أميركي في 2019 إلى مستوى متوقع قدره 21.8 مليار دولار أميركي في 2021، مسجِّلا انكماشاً نسبته 58.1%،وهو أشد انكماش في قائمة تضم 193 بلدا.
و يقول المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالفقر المدقع وحقوق الإنسان، أوليفييه دي شوتر، في تقرير نشرته الأمم المتحدة أن الأعمال المدمرة للقادة السياسيين والماليين في لبنان هي المسؤولة عن دفع معظم سكان البلاد إلى الفقر، في انتهاك للقانون الدولي لحقوق الإنسان.
و وجد تقرير الأمم المتحدة إلى أن اللاجئين الفلسطينيين والسوريين يواجهون ظروف معيشية كارثية في لبنان ، حيث يعيش 88 بالمائة منهم في ظروف معيشية دنيا. و أن ما يقرب من نصف العائلات السورية تعاني من انعدام الأمن الغذائي.  و يقول التقرير "إن محنة اللاجئين الفظيعة هي نتيجة مباشرة للتدابير الإدارية والقانونية التي تفرضها الدولة ، والتي تواصل تهميشهم وإلقاء اللوم عليهم في فشلها في توفير السلع والخدمات الأساسية للسكان ، سواء أكان التعليم أو الوظائف اللائقة أو الشرب الآمن الماء أو الكهرباء" و ينطبق هذا أيضاً على المواطنين اللبنانيين و اللاجئين على حدّ سواء.

بلادٌ بلا قيادة..  فراغٌ مُزدوجٌ إذ لا رئيس و لا حكومة:


و قبل يوم واحد من انتهاء ولايته، وقع رئيس الجمهورية ميشال عون مرسوماً يقبل فيه بإستقالة حكومة نجيب ميقاتي، إذ قال خلال احتفال الوداع يوم الأحد "اليوم صباحاً وجّهت رسالة إلى مجلس النواب بحسب صلاحياتي الدستورية ووقّعت مرسوم استقالة الحكومة".
وينص الدستور اللبناني على أن تتولى الحكومة صلاحيات الرئيس في حال تعثر انتخاب رئيس جديد للبلاد قبل نهاية ولاية الرئيس الحالي.

اعتبر رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، أنّ مرسوم استقالة الحكومة الذي وقعه الرئيس اللبناني ميشال عون "يفتقر إلى أي قيمة دستورية"، وذلك في كتاب وجهه ميقاتي إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري، عقب توقيع عون مرسوم استقالة حكومة تصريف الأعمال، عند مغادرته القصر الجمهوري.
وقال ميقاتي إنّ "الحكومة ستتابع القيام بواجباتها الدستورية كافة، ومن بينها تصريف الأعمال وفق نصوص الدستور والأنظمة التي ترعى عملها وكيفية اتخاذ قراراتها"، معتبراً أنّ "المرسوم الذي قبل استقالة الحكومة، المستقيلة أصلاً بمقتضى أحكام الدستور، يفتقر إلى أي قيمة دستورية". 
وفي السياق، أفاد بيان صادر عن رئيس مجلس النواب نبيه بري بتسلمه كتابا من ميقاتي يبلغه فيه "بمتابعة الحكومة تصريف الأعمال والقيام بواجباتها الدستورية".
و يهدف قبول عون استقالة الحكومة إلى تقليص الصلاحيات الدستورية التي يتمتع بها رئيس الوزراء خلال فترة الشغور الرئاسي ، إذ أن الدستور اللبناني ينقل معظم صلاحيات رئاسة الجمهورية إلى رئيس الوزراء في حال استقالته أو وفاته او عدم انتخاب خلف له عند انتهاء ولايته.

بداية الفراغ.. وقتُ لبنان الضّائع، هل تُنقذه المبادرات الداخلية؟ :


يدخل لبنان اليوم اول أيام الفراغ الدستوري، و في محاولةٍ لإنقاذ البلاد من الوقوع في في الفراغ الرئاسي طويل الأمد، دعا رئيس مجلس النواب نبيه بري إلى إجراء حوار بين الكتل السياسية للتشاور حول اسم مرشح لرئاسة الجمهورية لكي لا يذهب لبنان إلى فراغٍ دستوري و رئاسي طويل الأمد.

و تعليقاً على دعوة بري، قال رئيس حزب "القوّات اللّبنانيّة" سمير جعجع، بعد اجتماع تكتل "الجمهورية القوية"، إلى أنّ "في اليومين الماضيين، أعلن رئيس مجلس النّواب نبيه بري عن نيّته إجراء حوار يتعلّق بالأزمة الّتي نمرّ بها، واستعرضنا الموضوع اليوم في اجتماع التكتّل".
وأشار إلى "أنّنا بصدد انتخاب رئيس للجمهوريّة، والكلّ يعلّق آماله عليه للبدء بعمليّة الإنقاذ، وهذه العمليّة "بدا أربابها"، على أمل أن يلي انتخاب الرّئيس تشكيل حكومة تنقذ البلاد، وليس هناك أيّ مهرب من عمليّة الإنقاذ"، مشدّدًا على أنّ "الدستور وُضع ليُحترَم ويتمّ تطبيقه، وكلن للأسف يحصل تحايل على القانون والدستور، وهو ما أوصلنا إلى هنا". وكشف أنّه "عندما وصلتنا الدّعوة من برّي إلى الحوار "ما كتير رتحت"، فنحن بصدد انتخاب رئيس للجمهوريّة ولا حاجة لذلك".
وأكّد جعجع أنّه "لا يجوز استعمال موضوع النّصاب للالتفاف على انتخاب الرّئيس، بل يجب استعماله لانتخاب رئيس، وكنت أفضّل أن يدعو برّي النّواب الّذين يقاطعون الجلسات للحوار، للقول لهم إنّ ذلك لا يجوز". وذكر أنّ "الدّستور أعطى حرّيّةً لكلّ كتلة ونائب أن يصوّت للمرشّح الّذي يريده، لكنّه لم يعطِ الحرّيّة لزيادة مآسي اللّبنانيّين مأساةً".
وأعلن أنّ "تخوّفًا من أيّ محاولة تعطيل إضافي لانتخابات الرّئاسة، أو تمرير المزيد من الوقت من دون أن يتمّ انتخاب رئيس، سنتجاوب مع دعوة برّي للحوار ولكن بشروط"، مركّزًا على أنّ "اقتراحنا أن يدعو بري إلى جلسة لانتخاب رئيس جديد للجمهوريّة في أسرع وقت ممكن، شرط ألّا تكون جلسةً صوريّةً، على أن يُحكى في إطارها كلّ ما يلزم بموضوع الرّئاسة. لتكن جلسةً نوعًا ما "مفتوحة"، ولا تنتهي قبل انتخاب رئيس".
ورأى جعجع أنّه "لو كان الفريق الآخر لديه النّيّة الفعليّة بالحوار والتّشاور، فقد كان كلّ الوقت مفتوحًا أمامنا، والحوار لا يحتاج إلى منابر، بل يحصل وراء الكواليس"، ومؤكّدًا أنّ "لا شيء يدلّ على أنّ الفريق الآخر يريد التّوافق على مرشّح للرّئاسة، ونحن لدينا مرشّحنا وسنستمرّ بالتّصويت له؛ وليقُم الفريق الآخر بالأمر عينه".

التيار الوطني الحرّ يتعامل بحذرٍ مع مبادرة برّي:

إذ قال رئيس التيار الوطني الحر النائب جبران باسيل: “أي دعوة لاحقة للحوار من الخارج أم الداخل نتعاطى معها بالمبدأ بايجابية لأنّنا مقتنعون أنّنا لن نصل الى نتيجة إلا بتأمين الأغلبية المطلقة بحسب الدستور”. 
وقال باسيل في تصريح بعد إجتماع تكتل لبنان القوي:“نحن قمنا بجولة على كل الكتل النيابية لعرض ورقة الأولويات الرئاسية باستثناء كتلة التحدي التي لم تحدد موعدًا ونعتبر أنّ التواصل مع بعضنا أمر أساسي ومهم”.
واعتبر “أننا نقترب أكثر من الفراغ ونحتاج الى حوار ومن يراهن على فكرة التحدي جرب، ودستورنا أصلا لا يسمح بفكرة التحدي والجميع اليوم في حالة عجز سواء عن تأمين النصاب أو بدرجة أقل موضوع الأكثرية”.
و تجدر الإشارة إلى أن رئيس التيار الوطني الحر الحر جبران باسيل ( و هو صهر الرئيس السابق ميشال عون)، يضع كرسي رئاسة الجمهورية نصب عينيه و يطمح إلى أن يتم انتخابه كرئيس للجمهورية اللبنانية، على الرغم من أنه يخضع للعقوبات الأمريكية بموجب قانون ماغنتسكي.

معهدُ كارنيغي: باسيل كان السبب الأساسي في خلاف عون مع ميقاتي:

اذ قال الباحث في معهد مالكوم كير كارنيغي الأميركي لدراسات السلام مايكل يونغ في تحليل له نُشر بمركز كارنيغي في بيروت، أن أمل عون بأن يخلفه باسيل في رئاسة الجمهورية كان أحد الأسباب الرئيسة خلف التوترات القائمة مع رئيس الوزراء المكلَّف نجيب ميقاتي.
إذ كُلِّف ميقاتي بتأليف حكومة بعد الانتخابات النيابية في أيار/مايو الماضي، لكنه بقي متريّثًا في هذا الصدد، إذ شعر بأن من الأفضل انتظار انقضاء ولاية عون وهو يترأس حكومة تصريف أعمال، لتجنّب الشروط التي حاول باسيل فرضها على الحكومة الجديدة.
و  كان باسيل يأمل في أن يتمكن من استخدام تأثيره على الحكومة كورقة ضغط لانتخابه رئيسًا، أو ليختار هو الرئيس المقبل، ما يمهّد بالتالي الطريق لانتخابه رئيسًا بعد ست سنوات. و كان يعوّل باسيل على أن حماه هو الذي سيوقّع مرسوم تشكيل حكومة جديدة، لكن هذا الوضع تبدّل مع خروج عون من سدة الرئاسة.
 

الفراغ الرئاسي ينقُل مركز الثقل السياسي إلى رئيس مجلس النواب نبيه بري: 


إذ أنه من المنظار الدستوري، فإنّ نبيه برّي يُعد اليوم الرئيس الشرعي الوحيد، إذ لا رئيس للجمهورية، و لا صلاحيات دستورية للحكومة المستقيلة سوى انها حكومة تصريف أعمال، و بالتالي فلا صلاحيات دستورية حقيقية إلا في يد مجلس النواب اللبناني الذي يرأسه نبيه برّي. 
و في هذا الإطار، يقول مايكل يونغ، أن الوضع الحالي ينقل مركز الثقل إلى مجلس النواب، ولا سيما إلى رئيسه نبيه بري، و في في حال كان عون وباسيل يأملان بالحصول على مبتغاهما في الحكومة من خلال انتهاج سياسة حافة الهاوية مع ميقاتي، ففشلهما في الاتفاق معه عزّز فعليًا موقع خصمهما الأساسي بري. في الوقت الراهن، يبدو أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو أن ينتخب مجلس النواب رئيسًا جديدًا للجمهورية.

يونغ يستبعد توصل القوى السياسية اللبنانية إلى توافق حول انتخاب رئيس للجمهورية:


اذ يقول يونغ، إن بري قد حاول اغتنام  الفرصة من خلال الدعوة إلى حوار يُعقد تحت إشرافه لانتخاب رئيس توافقي، و  في مطلق الأحوال، من المستبعد أن تتوصّل القوى السياسية اللبنانية راهنًا إلى الاتفاق على مرشّح للرئاسة، ومن المتوقّع أن يستمر الفراغ الرئاسي لأسابيع، أو حتى لأشهر، قبل أن يبدأ الأفرقاء بتغيير مواقفهم.
و يضيف يونغ أن الأوضاع الحالية ستدفع مغادرة عون باسيل إلى الاعتماد أكثر من أي وقت مضى على حزب الله، الذي لا يرغب في أن يرى حليفه المسيحي الأساسي ضعيفًا، إنما لا ينوي أن يفعل لمصلحة باسيل الجهود التي بذلها من أجل عون. في هذا السياق، يواجه باسيل معضلة، فمن المرجّح أن يؤدي تقاربه من حزب الله إلى تراجع مكانته على الساحة المسيحية، ولن يساعده ذلك أيضًا في علاقته مع الأميركيين، فهو يسعى إلى التخلّص من العقوبات الأميركية المفروضة عليه، لكن لا أخلاقياته الشخصية ولا سلوكياته السياسية تجعل هذا الأمر ممكنًا في الوقت الراهن. وسيواصل باسيل في المستقبل المنظور دفع ثمن اختيار معسكر حزب الله، وستتكبّد طموحاته أضرارًا كبيرة نتيجةً لذلك.