هل بوتين جادّ في استخدام السلاح النووي؟ و هل يستطيع النووي أن يحسِمَ مَصيرَ النِّزاعِ في أوكرانيا؟


تقرير - مروة شاهين - بث:
ثمانية أشهر مضَت على أشد نزاع عسكري تشهده القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فتلك القارة التي ما لبِثت أن استراحت من توتر الحرب الباردة التي كان صداها يرعب العالم بأسره بسبب ما شهدته القارة الأوروبية من عسكرة ساحاتها و دولها بالسلاح التقليدي و النووي من قبل الولايات المتحدة الأمريكية في غرب القارة من جهة و في شرقها من قبَل الإتحاد السوفيتي من جهة أخرى، تعود اليوم لتصبح من جديد ساحة للصراع العسكري بين الولايات المتحدة و روسيا، التي ورثت عن الاتحاد السوفيتي عقيدة التنافس مع الغرب الذي تقوده الولايات المتحدة.
"اوروبا بيتنا المشترك"، بهذه العبارة وصف احد زعماء الاتحاد السوفيتي السابق القارة الأوروبية، و ربما لم تكن هذه العبارة للدلالة على ضرورة إحلال السلام فى القارة الأوروبية بعد ما شهدته من نزاع في الحرب العالمية الثانية و ضرورة إبعادها عن الصراعات العسكرية بالوكالة و التي كانت دائرة في مختلف بقاع العالم من شبه القارة الكورية إلى قناة السويس، بقدر ما كانت تحمل من رسائل مشفرةٍ الأميركيين بأن الإتحاد السوفيتي لن يسمح بسيطرةٍ أميركية بحتة على القارة الأوروبية.

سرّ الصراع على أوروبا:
تصل مساحة القارة الأوروبية لحوالي 10.180 مليون كم2 (7.1% من مساحة الأرض). وهي القارة الثالثة من حيث عدد السكان في العالم، إذ يزيد عدد سكانها عن 741 مليون نسمة (أي 11% من سكان الأرض).و تمتدُّ روسيا وهي أكبر بلد أوروبي عبر كامل شمال آسيا وحوالي 40% من أوروبا.
و أدت الثورة الصناعية، التي بدأت في بريطانيا العظمى في نهاية القرن الثامن عشر، إلى تغير اقتصادي وثقافي واجتماعي جذري في أوروبا الغربية وفي النهاية إلى العالم الأوسع. و أخذت الحربان العالميتان مسرحها وأحداثها بشكل كبير في أوروبا، وأخذت مساهمتها في الشؤون السياسيّة في الانخفاض مع انخفاض هيمنة أوروبا الغربية في الشؤون العالمية في منتصف القرن العشرين وازدياد نفوذ كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي.
خلال الحرب الباردة، قُسمت أوروبا على طول الستار الحديدي بين منظمة حلف شمال الأطلسي في الغرب وحلف وارسو في أوروبا الشرقية، ومع سقوط الاتحاد السوفياتي في عام 1991 انضمت دول أوروبية شرقية إلى الاتحاد الأوروبي و إلى حلف شمال الأطلسي ، أي انتقلت من النفوذ الروسي إلى النفوذ الأميركي، ما أدى إلى خضوع كامل القارة إلى السيطرة الأميركية، عدا دول قليلة كبيلاروسيا و أوكرانيا سابقاً قبل إسقاط نظام فيكتور يانكوفيتش الموالي لروسيا.
و بعد أن استغرقت روسيا حوالي عشرين عاماً في تثبيت أمورها الداخلية بعد حالة الفوضى التي شهدتها البلاد إثر انهيار الاتحاد السوفيتي و خسارة العديد من الأراضي التي كانت تقع تحت حكمها مثل أوكرانيا و كازاخستان و قيرغيزستان، و ما تلى ذلك من محاولات بعض الجمهوريات الروسية الاستقلال عن الاتحاد الروسي مثل ما جرى في الشيشان و الحرب الشيشانية، و بعد أن ركزت على تطوير اقتصادها و بناء جيش قوي و أعادت ترسيخ نفوذها في دول و مناطق كانت تابعة لنفوذ الاتحاد السوفيتي مثل سوريا آسيا الوسطى، عادت روسيا من جديد لتنتهج إستراتيجية "العودة مجدداً إلى اوروبا"، في محاولة لكسر النفوذ الأميركي الطاغي على القارة الأوروبية سياسياً و اقتصادياً و عسكرياً.
روسيا تنتهج في أوكرانية سياسة الدفاع و الهجوم في آنٍ معاً:
إذا نظرنا إلى ما قامت به روسيا من عمليات عسكرية استهدفت فيها جارتها أوكرانيا، فقد يتبادر إلى الذهن سؤالٌ مُلحّ، هل روسيا قامت بغزو أوكرانيا للدفاع عن نفسها ام للهجوم على الناتو الذي يحاول ضم أوكرانيا إلى صفّه لتقوية موقفه العسكري في شرق أوروبا و زيادة الحصار الجيوسياسي على روسيا؟
في الحقيقة، إن هذا السؤال يحتمل و يشمل اجابتين، إن روسيا بلا شك ترى في توسع حلف الناتو نحو الدول ذات الحدود مع روسيا بمثابة تهديد للأمن القومي الروسي، لاسيما ضم دول البلطيق الثلاث (إستونيا و لاتفيا و ليتوانيا) إلى حلف شمال الأطلسي، و محاولة ضم جورجيا بعد أن وجه لها الرئيس الأمريكي جورج بوش دعوة لها للانضمام إلى الناتو في العام ٢٠٠٨ ما دفع روسيا في ذلك الحين إلى غزو جورجيا و إعلان محافظتي اوسيتيا الجنوبية و ابخازيا كجمهوريتين مستقلتين، إلى أن وصل الأمر إلى ما تعتبره روسيا تدخلاً غربياً في شؤون أوكرانيا لاسقاط النظام الأوكراني الموالي لروسيا و المجيئ بنظام جديد موالٍ للغرب بقيادة الرئيس الحالي فولوديمير زيلينسكي.

اللعبة بين روسيا و الولايات المتحدة حول أوكرانيا:
تكمن أهمية أوكرانيا في كونها خاصرة روسيا لوقوعها على حدودها من الجهة الجنوبية الغربية، كما تشكل أوكرانيا جزءاً مهما من قارة أوروبا و تحتل مساحة كبيرة إذ أن أوكرانيا هي ثاني أكبر دولة أوروبية من حيث المساحة، و هي دولة ذات موارد بشرية مؤهلة و ذات قيمة، عدا عن امتلاكها أكبر محطة للطاقة النووية و هي محطة زاباروجيا بالإضافة إلى أكبر بنية تحتية للصناعة العسكرية في القارة الأوروبية تتمثل في مصنع آزوفستال، كما أن أوكرانيا كانت تاريخياً جزءاً من روسيا و لم تنفصل عنها الا منذ ثلاثون عاماً بعد انهيار الاتحاد السوفيتي.
و بقيت أوكرانيا نوعاً ما في حالة من الحفاظ على علاقات ودية مع روسيا حتى العام حتى وصول الرئيس فلاديمير بوتين إلى سدة الرئاسة ، و الذي أعاد تشكيل سياسة روسيا الخارجية نحو العودة إلى إستراتيجيات التوسع اوروبياً و عالمياً، إذ دعمت روسيا في عهد الرئيس فلاديمير بوتين العديد من الجماعات الانفصالية الموالية لها في شرق أوكرانيا في منطقتي دونيتسك ولوغانسك، ما أدى إلى تدهور العلاقات بين الجارتين.
و في سعي أوكرانيا للحفاظ على وحدة أراضيها، سعى فولوديمير زيلينسكي بعد وصوله للرئاسة إلى تعزيز علاقات أوكرانيا مع الاتحاد الأوروبي و حلف الناتو تمهيداً لانضمام أوكرانيا إلى الحلف، الأمر الذي أثار حفيظة روسيا و اعتبرته تهديداً مباشراً لأمنها القومي.
و في ظل هذه الخلافات المتصاعدة، لم تعد روسيا تؤمن بأي مساعٍ دبلوماسية من شأنها ضمان أمنها القومي، و بالتالي انتهجت الخيار العسكري في مسعاها لثَني أوكرانيا عن الانضمام لحلف الناتو و جلب جنود و أسلحة حلف شمال الأطلسي التقليدية و النووية إلى الأراضي الأوكرانية الملاصقة للحدود الروسية.
و بعد ثمانية أشهر من الصراع العسكري، لم تتمكن روسيا بعد من تحقيق كامل أهدافها العسكرية في أوكرانيا، بسبب المقاومة الأوكرانية المدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية و حلف الناتو و الدول الأوروبية المعادية لروسيا، و بعد العديد من الخسائر العسكرية التي مُنيَ بها الجيش الروسي، أصبح الخيار النووي وارداً أمام الرئيس بوتين نظراً لعدم تمكن جيوشه من تحقيق إنجازات حقيقية في ميدان الحرب.

هل بوتين جادّ في استخدام السلاح النووي؟:
ان أي تهديد من أي نوع يكون في البداية مجرد تلويح بهدف تخويف الخصم و حمله على تقديم المزيد من التنازلات، إذ يعتقد الطرف المهدِد ان التهديد الذي أطلقه سيحمل الخصم على التراجع و تقديم التنازلات خوفاً من أن يتحول التهديد إلى فعلٍ حقيقي، و لكن للمشكلة تكمن في مثل هذه الحالات، في عدم تصديق الخصم بمدى جدية الطرف المهدِد في تنفيذ تهديداته، و إن الاستخفاف بالتلويح باستخدام الخيار النووي قد يجعل تهديدات بوتين غير ذات نفعٍ بالنسبة إلى الغرب الذي قد يلجأ إلى مزيد من التصعيد ضد روسيا و مصالحها في أوروبا الشرقية مما بزيد التهاب الصراع و يزيد معه احتمال تحول الصراع الإقليمي في شرق أوكرانيا إلى دمار نووي شامل يتأثر به العالم بأسره.
و إن اندثار الجيش الروسي في شرق أوكرانيا و خصوصاً في مدينة خيرسون و ليمان و زاباروجيا في إقليمي لوهانسك و دونيتسك ، دفع بالرئيس الروسي إلى إعلان تعبئة جزئية لقوات الاحتياط، و إعلان لوهانسك و دونيتسك و زاباروجيا و خيرسون أراضٍ روسية، ما يعني أن مزيداً من الخسائر الروسية في هذه المقاطعات، ستجعل من الخيار النووي احتمالاً وارداً أكثر من ذي قبل، إذ أن العقيدة النووية الروسية تنص على أنه من الوارد استعمال السلاح النووي للدفاع عن الأراضي الروسية من التعرض الغزو او الاعتداءات الخارجية.
و بعد الاطلاع على العقيدة النووية لروسيا، يمكن القول ان احتمالات استخدام السلاح النووي من قبل روسيا تتصاعد في الحالات التالية:
أولاً : ازدياد الدعم العسكري الغربي لأوكرانيا بشكل يستفز الجانب الروسي و يمكّن القوات الأوكرانية من التقدم بشكل يدحر القوات الروسية إلى ما بعد الأراضي التي ضمتها روسيا مؤخراً بموجب الاستفتاءات في شرق أوكرانيا.
ثانياً: وجود إصرار روسي مسبق على توجيه رسالة قوية للغرب من خلال استخدام السلاح النووي الاستراتيجي او التكتيكي لردع الولايات المتحدة عن أي محاولات للاستمرار في التوسع شرقاً نحو الحدود الروسية على صعيد حلف شمال الأطلسي (الناتو).
ثالثاً: التدخل العسكري المباشر من قبل حلف شمال الأطلسي في مواجهة روسيا عسكرياً في أوكرانيا، مما يؤدي إلى قلب موازين القوى لصالح الجانب الأوكراني، و بالتالي يصبح الخيار النووي أكثر حضوراً على طاولة القرار الروسية.
و بكل الاحوال يبقى الخيار النووي خياراً غير محببٍ لكلا الجانبين، فبلا شك ان الروس و معهم المجتمع الغربي لا يريدون تمدد هذه الحرب الإقليمية لتتحول إلى حرب عالمية ثالثة بفعل دخول أسلحة الدمار الشامل إلى الميدان العسكري، و لكن إن افترضنا حدوث هجوم نووي من قبل روسيا على مواقع أوكرانية، فما مدى الجدوى العسكرية التي سوف يحققها هذا الهجوم؟ و هل سيستطيع السلاح النووي حسم النزاع في أوكرانيا؟:
ان الإجابة على هذا التساؤل هي إجابة مؤكدة، فمن ما لا شك فيه أن استخدام أسلحة الدمار الشامل او الأسلحة النووية التكتيكية سوف تحسم النزاع، و لكن يبقى السؤال الأهم هو أن استخدام هذا النوع من الأسلحة سيحسم النزاع لصالح اي جانب من الجانبين؟
إن قيام روسيا باستخدام السلاح النووي في الميدان الأوكراني سيقلب موازين القوى لصالحها بلا شك، و لكن المشكلة تكمن في التداعيات التي قد تستتبع قيام روسيا بمثل الخطوة، و يمكن أن تتمثل هذه التداعيات بالآتي:
أولاً : استفزاز الجانب الغربي بشكل كبير، مما يؤدي إلى تدخل حلف شمال الأطلسي عسكرياً بشكل مباشر في النزاع الأوكراني، ما يُنذر بتمدد الصراع إلى دول أخرى في القارة الأوروبية بالإضافة إلى أميركا الشمالية و اليابان، ما يُنذِر بتحول الصراع من صراع إقليمي بين دولتين إلى صراع دولي تدخل فيه دول أخرى بخلاف روسيا و أوكرانيا، و يتحول الصراع إلى مقدمة حتمية لحرب عالمية ثالثة.
ثانياً: قيام الولايات المتحدة الأمريكية و حلفائها بالرد المماثل على الخطوة الروسية، أي قصف موسكو او اي ارض روسية بأسلحة نووية تكتيكية، ما يُوقع العالم بأسره في ظلال حرب نووية تكون مدمرة للجميع بلا استثناء.
ثالثاً: تنامي التداعيات الانسانية للهجوم النووي، مما يضع روسيا في موقف محرج أمام شعبها و شعوب العالم، و يؤدي إلى تحركات شعبية داخل روسيا تؤدي إلى إسقاط النظام الذي تسبب بالكوارث النووية و ما يستتبعها من كوارث انسانية، لا سيما أن الشعبين الروسي و الأوكراني تجمعهم صداقة و أخوّة تاريخية لم تتأثر بالعداوة بين الأنظمة.
رابعاً: و هو السيناريو الأكثر استبعاداً، الا و هو سكوت حلف الناتو و المجتمع الغربي عن استخدام روسيا للسلاح النووي في أوكرانيا، إذ أن الغرب يعلم جيداً أنه إذا تغاضى عن مثل هذه الخطوة فإن التالي بعد أوكرانيا ستكون بولندا او فرنسا او ألمانيا أو ربما الولايات المتحدة الأمريكية نفسها، و بالتالي فإنه من المستبعد ان يكرر الغرب خطأه الأول المتمثل بالسكوت عن أفعال بوتين في جورجيا عام ٢٠٠٨ و في شبه جزيرة القرم عام ٢٠١٤ ما شجعه على الإقدام على غزو أوكرانيا في العام ٢٠٢٢.
و هكذا، نجد ان إدخال التهديدات باستخدام الأسلحة الاستراتيجية إلى ميدان الحرب الأوكرانية يُنذر بتصعيد خطير قد يؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، و بالتالي فإن على جميع أطراف الصراع العودة إلى إعمال العقل قبل تصعيد الصراع من صراع تقليدي إلى صراعٍ نووي قد يكون مقدمة لكوارث انسانية لن يقدر أحد على احتوائها، و تبقى مسألة استخدام السلاح النووي من عدمه مسألة مرهونة بمدى قدرة الأطراف الفاعلين في الصراع على اللعب ضمن قواعد اللعبة، بشكل لا يشكل استفزازاً كبيراً للطرف الآخر و يدفعه إلى الإقدام على خطوات تصعيدية خطيرة تكون مدمرة لكلا الجانبين.