هل عادت الولايات المتحدة لسياسات الحرب الباردة مع روسيا؟ و ما سبب تجدد المواجهة بين أرمينيا و أذربيجان؟


تقرير - مروة شاهين - بث:
شهد الاسبوع الماضي تجدد الاشتباكات بين أرمينيا وأذربيجان غداة يوم قتل فيه نحو مئة جندي في مواجهات حدودية هي الأكثر دموية بين الدولتين الواقعتين في القوقاز منذ 2020، وقتل عشرات الجنود من الجهتين وأعلنت روسيا وقف إطلاق النار لكن الجانبين تبادلا الاتهامات بانتهاكه.
وأعلنت أرمينيا أن القوات الأذربيجانية احتلت عشرة كيلومترات مربعة من أراضيها عقب اندلاع الاشتباكات.
ضوء أخضر من لتركيا و اذربيجان لبدء الاحتكاك بأرمينيا:
وفي وقت سابق، اتهمت وزارة الدفاع الأرمينية أذربيجان، المدعومة عسكريا وسياسيا من تركيا، بإطلاق نيران المدفعية وقذائف الهاون واستخدام أسلحة صغيرة في هجوم جديد. مضيفة أن "الوضع على الحدود الأرمينية الأذربيجانية ما زال متوترا"، مؤكدة من جديد على موقف أرمينيا من أن أذربيجان هي من اعتدت على أرضها ذات السيادة.
واتهمت أذربيجان بدورها أرمينيا، المتحالفة عسكريا مع روسيا، بإطلاق قذائف هاون ومدفعية على وحداتها العسكرية.
وحذرت أرمينيا من أن هذه الاشتباكات قد تتصاعد وتتحول إلى حرب، ودعت القوى الكبرى إلى إيلاء اهتمام أكبر للوضع الخطير الذي قالت إنه قد يؤدي إلى صراع كبير آخر في دول الاتحاد السوفيتي السابق.
وبعد حرب أولى أسفرت عن 30 ألف قتيل مطلع التسعينات، حدثت مواجهات بين البلدين الجارين في خريف 2020 حول ناغورني قره باغ، المنطقة الجبلية التي انفصلت عن أذربيجان بدعم من يريفان. وأسفرت الحرب الأخيرة عن مصرع نحو 6500 شخص وانتهت بهدنة تم التوصل إليها بوساطة روسية.
التدخل الدولي.. الولايات المتحدة تريد أخذ مكان روسيا كضامن للأمن في أرمينيا:
إذ دعا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة لشؤون أوروبا وآسيا الوسطى والأمريكيتين ميروسلاف جينكا، أذربيجان وأرمينيا إلى "العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى اتفاق سلام دائم".
وأكد جينكا، في كلمته لأعضاء مجلس الأمن "على الحاجة الملحة لتحرك الأطراف إلى الأمام بشأن ترسيم الحدود وتخفيف التوترات".
وقال وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن "يثير قلقنا دائما أن تحاول روسيا بطريقة أو بأخرى إثارة الوضع لتشتيت الانتباه عما يجري في أوكرانيا"، مضيفا أن بإمكان موسكو أيضا استخدام نفوذها للمساعدة في "تهدئة الوضع".
فيما قالت رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي إنها تعتزم زيارة أرمينيا في نهاية الأسبوع لتأكيد التزام واشنطن بأمن يريفان وديمقراطيتها.
وقالت بيلوسي في تغريدة على تويتر إنها ستؤكد للحكومة الأرمينية الدعم الأميركي لتسوية دائمة للصراع في منطقة ناغورني قره باغ.

الغاز الطبيعي.. الرقم الصعب الذي غيّر حسابات السياسات الغربية:
في ظل فرض الدول الغربية و لا سيما الأوروبية عقوبات على روسيا بسبب الحرب في أوكرانيا، و لكون قطاع الغاز الطبيعي و النفط هو الأكثر القطاعات الروسية التي تعتمد عليها الدول الأوروبية، خلفت هذه العقوبات أضراراً على أوروبا أكثر بكثير من ما كان متوقعاً، إذ يرزح الاقتصاد الأوربي تحت موجة عالية من التضخم الناتج عن الركود الاقتصادي و ارتفاع أسعار الطاقة و الغاز الطبيعي، فضلاً عن التحذيرات من شتاء قارص تشهده القارة الأوروبية في ظل قطع روسيا إمدادات الغاز الطبيعي عن أوروبا عبر تعطيل خط تورد ستريم ١.
و في هذا الإطار، جاء في مقال نشرته مجلة ذا اييكونوميست الأميركية و اطلعت عليه وكالة بث، أن روسيا غارقة في أوكرانيا بحيث لا يمكنها التدخل لصالح أرمينيا. وأزمة الطاقة العالمية تعني أن اعتماد أوروبا على منتجي الغاز مثل أذربيجان آخذ في الازدياد.
كما قال وزير الطاقة الأذربيجاني مؤخرا إن بلاده تخطط لزيادة صادرات الغاز إلى أوروبا بنسبة 30% هذا العام مقارنة بعام 2021.
وأضافت المجلة أنه بالنظر إلى الوضع في أوكرانيا، من المحتمل أن ترد روسيا على طلب أرمينيا تطبيق معاهدة تلزم موسكو بالدفاع عنها في حالة هجوم من قبل دولة أجنبية بـ"إجراءات رمزية" بدلا من التدخل العسكري على نطاق واسع، كما يقول لورانس برورز من معهد تشاتام هاوس.
ويضيف برورز أن حكومة أذربيجان تود بالتأكيد إضعاف قبضة روسيا على القوقاز، ولكن ليس لديها ما تكسبه من مواجهتها علانية. وهذا -كما أوضحت المجلة- يقلل من خطر نشوب حرب شاملة مع أرمينيا. ولكن طالما أن قضية ناغورني قره باغ تتفاقم، ويستخدم أحد الطرفين القوة لتأكيد مصلحته، فإن الوضع سيظل متقلبا.
و لكن ما أهمية أذربيجان؟ و لماذا سمح لها الغرب بالتمدد داخل ناغورنو قره باغ على حساب أرمينيا؟
تقع أذربيجان في منطقة جنوب القوقاز في أوراسيا وتمتد على غرب آسيا وشرق أوروبا، و تهيمن ثلاث سمات رئيسية على جغرافية أذربيجان: بحر قزوين الذي يشكل الحدود الساحلية الطبيعية إلى الشرق، وجبال القوقاز الكبرى إلى الشمال، والسهول الواسعة في وسط البلاد، و هذه المناطق جميعها غنية بالموارد الطبيعية و لا سيما النفط و الغاز، إذ أن ثلثا أذربيجان غني بالنفط والغاز الطبيعي.
كما أن أذربيجان أيضاً مركز اقتصادي هام لنقل المواد الخام، اذ تم تشغيل خط أنابيب باكو-تبليسي-جيهان في أيار /مايو 2006 ويمتد لأكثر من 1774 كيلومتر عبر أراضي أذربيجان وجورجيا وتركيا. تم تصميم خط أنابيب جيهان لنقل ما يصل إلى 50 مليون طن من النفط الخام سنوياً وينقل النفط من حقول بحر قزوين إلى الأسواق العالمية.
أما بالنسبة الأوروبيين، فإن خط أنابيب جنوب القوقاز، يمتد أيضاً عبر أراضي أذربيجان وجورجيا وتركيا وبدأ تشغيله في نهاية عام 2006 ويقدم امدادات إضافية من الغاز إلى السوق الأوروبية من غاز حقل شاه دنيز، كما تلعب أذربيجان أيضاً دوراً رئيسياً في مشروع طريق الحرير الذي يرعاه الاتحاد الأوروبي.
وقالت الخبيرة في الطاقة في بحر قزوين وسياسة أمن الطاقة الأوروبية، بريندا شافير، إن الحرب خلقت الحاجة إلى زيادة حجم تصدير النفط عبر خط أنابيب باكو-تبيليسي-جيهان.
وأضافت: "بسبب الحرب، أصبح التصدير عبر موانئ النفط الروسية على البحر الأسود أكثر تعقيدًا، بسبب ارتفاع معدلات التأمين على الناقلات التي تدخل المنطقة".
و تستفيد أذربيجان من تحول الاتحاد الأوروبي بعيدًا عن إمدادات الطاقة الروسية؛ ما يعزز شحنات النفط العابرة، كما أنها تتمتع بأسعار أعلى لخامها، بحسب ما جاء في تقرير نشرته منصة "إس آند بي غلوبال بلاتس".
ميراث بَقِيَ من الاتحاد السوفيتي.. ما هي أهمية آسيا الوسطى و غرب آسيا بالنسبة لروسيا ؟:
و تمتاز هذه المنطقة بأهمية جيوستراتيجية من خلال موقعها الجغرافي ومواردها المهمة. فهي تشاطىء بحر قزوين الغني بالموارد من جهة، وتشكل من جهة أخرى عقدة طرق برية وتمديدات انابيب الغاز والنفط من الشرق الأوسط وقزوين باتجاه الصين او منها باتجاه البحر الاسود وتركيا والبحر المتوسط, ومن الأخيرة باتجاه الخليج العربي عبر إيران, وأفغانستان وباكستان باتجاه المحيط الهندي. يضاف إلى ذلك غنى هذه المنطقة بالنفط والماء والمعادن الثمينة.
و تمتلك كازاخستان وتركمانستان احتياطيات وفيرة من النفط والغاز الطبيعي، كما أن احتياطيات أوزبكستان الخاصة تجعلها مكتفية ذاتيًا إلى حد ما. وتمتلك كل من قيرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان احتياطيات من الذهب وتتمتع كازاخستان بأكبر احتياطيات من اليورانيوم في العالم.
دول الطوْق الروسي:
بالإضافة إلى كون الدول المذكورة سابقاً تتمتع بأهمية اقتصادية كبيرة سواء على صعيد الموارد الطبيعي و النفط و المعادن، فإن دول آسيا الوسطى و غرب آسيا تتمتع بأهمية جغرافية كبيرة بالنسبة لروسيا، فإن هذه الدول تحاوط روسيا من جميع الجهات، و تشكل ما يمكن أن يسمى طوقاً يحاوط الحدود الروسية الجنوبية من أوروبا الشرقية و حتى الحدود مع الصين.
و كما حدث سابقاً في فترة الحرب الباردة، اذ حاولت الولايات المتحدة الأمريكية افتعال فوضى في منطقة دول الطوق، اما لتخفيف القبضة الروسية عن هذه الدول او لمحاولة جر روسيا إلى مواجهات عسكرية مسلحة مع جماعات مدعومة من الولايات المتحدة الأمريكية، كما حدث في أفغانستان مثلاً، تحاول الولايات المتحدة الأمريكية من جديد إفتعال فوضى في منطقة الطوق الروسي من أوروبا الشرقية و أوكرانيا وصولاً إلى أرمينيا و أذربيجان، و طاجيكستان و قيرغيزستان، إذ اندلعت مواجهات حدودية بين البلدين أدت إلى وقوع قتلي و جرحى و خسائر مادية من الطرفين.

ما هي أسباب تجدد المواجهات العسكرية بين أرمينيا و أذربيجان؟ :
ان إعطاء الولايات المتحدة الأمريكية و الغرب ضوءًا أخضراً للجانب الأذربيجاني لإعادة فتح مواجهة عسكرية مع أرمينيا و استعادة مساحات شاسعة من أراضي إقليم ناغورني قره باغ، يرتبط ارتباطاً مباشراً بالمواجهة القائمة بين روسيا و الغرب، إذ تهدف الدول العربية من خلال هذا السلوك إلى تحقيق الأهداف التالية:
١-اكتساب علاقة ودية مع أذربيجان، التي تعتبر دولة إستراتيجية بالنسبة لممرات الغاز الطبيعي و موارد الطاقة، إذ تمر في أذربيجان العديد من خطوط الغاز الطبيعي التي تنطلق من كازاخستان و دول آسيا الوسطى وصولاً إلى القارة الأوروبية، أي انها باختصار تسيطر على واردات أوروبا الآسيوية من الغاز.
٢-قد يكون السماح لأذربيجان بالتمدد داخل إقليم ناغورني قره باغ على حساب أرمينيا، محاولةً أوروبية لدفع أذربيجان إلى زيادة إنتاجها من الغاز الطبيعي و بالتالي زيادة تصدير الغار إلى أوروبا، التي تعاني من شبح شتاءٍ قارس و قاسٍ يهدد مواطنيها في ظل انقطاع واردات النفط الروسية.
٣-محاولة الولايات المتحدة الأمريكية خلق فوضى في منطقة دول الطوق الروسي، التي تتمتع فيها روسيا بنفوذ كبير، إذ تحظى روسيا بنفوذ واسع و طائل في دول الاتحاد السوفيتي السابق، و بالتالي فإن زعزعة الاستقرار في مناطق نفوذ روسيا سيخلق حالة من القلق و التذبذب لدى موسكو.
٤- و يهدف الغرب أيضاً إلى استغلال انشغال روسيا بحربها في أوكرانيا، و بالتالي عدم قدرتها على التدخل لصالح أرمينيا، إلى فكّ القبضة الروسية عن أرمينيا، من خلال الإيحاء بأن روسيا، التي تجمعها مع أرمينيا علاقات تاريخية بالإضافة إلى معاهدات الدفاع و الأمن، غير قادرة على حماية حلفائها و الدول التي تحت حمايتها، و بالتالي تقدم الولايات المتحدة الأمريكية نفسها كضامن جديد لأمن هذه البلدان الواقعة تحت النفوذ الروسي، في ظل عدم قدرة روسيا على التدخل نظراً لانشغالها بالحرب في أوكرانيا.
٥-محاولة الغرب تفتيت منظمة الأمن الجماعي، و هي تحالف عسكري دولي في أوراسيا يضم دول ما بعد الاتحاد السوفيتي،و تعود أصول هذه المعاهدة إلى القوات السوفيتية المسلحة، والتي حلت محلها تدريجيًا القوات المسلحة المتحدة لكومنولث الدول المستقلة، و تضم حالياً روسيا، وأرمينيا، وكازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكستان، وأوزبكستان، و تعتبر منظمة الأمن الجماعي النظير الشرقي لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، و يسعى الغرب لتفتيتها عبر إعطاء إيماءات للدول الأخرى العضوة في الحلف، أن روسيا لم تستطع حماية أرمينيا بموجب معاهدة الأمن الجماعي، و بالتالي فانها لن تستطيع حماية الدول الأخرى العضوة في الحلف ، و بالتالي فإن منظمة الأمن الجماعي أصبحت بلا فائدة ميدانية على الأرض، و إن الولايات المتحدة الأمريكية يمكنها أن تلعب دور ضامن الأمن لهذه الدول، تماماً كما تحاول فعله حالياً في الحالة الأرمينية.
و هكذا، نرى أن حالة الصراع الدولي السائدة حالياً قد عادت بنا إلى فترة الحرب الباردة بين الولايات المتحدة الأمريكية و الاتحاد السوفيتي السابق، إذ تسعى روسيا (التي هي وريثة الاتحاد السوفيتي) من جديد إلى محاولة التوسع في أوروبا الشرقية ( عسكرياً من خلال الحروب و الجماعات الانفصالية المدعومة من روسيا) و في آسيا الوسطى عن طريق النفوذ السياسي و الاقتصادي و السيطرة على مؤسسات صنع القرار، و عسكرياً ( من خلال القواعد العسكرية الروسية المنتشرة في آسيا الوسطى).
بينما تحاول الولايات المتحدة الأمريكية دعم الدول و الجماعات المسلحة الحكومية و غير الحكومية المعادية لروسيا في دول الطوق (الدعم العسكري الغير مسبوق لأوكرانيا على سبيل المثال)، إضافة إلى محاولات خطف النفوذ من أيدي الروس في آسيا الوسطى سواء عبر التدخل في الرأي العام (احتجاجات كازاخستان في العام الماضي)، أو عبر اللجوء إلى النفوذ الدبلوماسي كالدخول على خط الأزمة بين أذربيجان و أرمينيا كضامن للأمن الأرميني بدلاً من روسيا.
و هكذا، ينتهج القطبان العالميان (روسيا و الولايات المتحدة الأمريكية)، السياسات و الاستراتيجيات نفسها التي كانت متبعة إبان فترة الحرب الباردة، بالإضافة إلى توفر عوامل الاضطراب الدولي و الصراعات في مجالات متنوعة اقتصادياً و سياسياً و عسكرياً، َ تشكل ما يمكن أن يكون أرضية لأحلاف مستقبلية (المعاهدات الروسية الصينية على سبيل المثال)، بالإضافة إلى عودة بعض مظاهر سباق التسلح بين الشرق الغرب (مع دخول الصين على خط السباق)، فمع توفر كل هذه العوامل التي شكلت ملامح فترة الحرب الباردة، هل يعود العالم و يدخل في حرب باردة جديدة قد تغير نهايتها الخريطة السياسية للعالم بِرُمَتِه؟.