بعد سنواتٍ من المُماطلة.. لِمَاذا تَستَميتُ الإدارةُ الأميركية لإنجاز ترسيم الحدود بين لبنان وإسرائيل؟

news image

تقرير - مروة شاهين - بث: 
انطلقت المحادثات بشأن ترسيم الحدود البحرية بين إسرائيل ولبنان في 2020 و استضافتها الأمم المتحدة في مقر قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) في الناقورة، حيث تم الإعلان عن الاتفاق على بدء المحادثات في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2020، واجتمع ممثلو حكومات لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في 14 تشرين الأول/أكتوبر لإطلاق المحادثات الهادفة إلى التوصل إلى توافق حول الحدود البحرية الإسرائيلية-اللبنانية المشتركة.
و في ذلك الوقت، اتفق لبنان وإسرائيل، اللذان لا يزالان رسمياً في حالة حرب بعد عقود من الصراع، على التفاوض بشأن خلاف طويل الأمد يتعلق بحدود بحرية تمر بمنطقة يحتمل أن تكون غنية بالغاز في مياه البحر المتوسط.
وكانت قد توقّفت المفاوضات التي انطلقت بين لبنان وإسرائيل العام 2020 بوساطة أمريكية في أيار/مايو من العام الماضي جراء خلافات حول مساحة المنطقة المتنازع عليها.
و كانت واشنطن قد قادت على مدى سنوات وساطة بين الجانبين، تكثفت مع توقيع لبنان عام 2018 أول عقد للتنقيب عن الغاز والنفط في رقعتين في مياهه الإقليمية، إحداها تقع في الجزء المتنازع عليه مع إسرائيل.

ما هِي نقاط الإختلاف التي عرقلت التوصّل إلى الاتفاق؟

يدور النزاع الحدودي البحري بين لبنان وإسرائيل على مجمع نفطي في البحر الأبيض المتوسط، يقول لبنان إنه يقع ضمن مياهه الإقليمية والاقتصادية، وتزعم إسرائيل أن لها الحق في جزء من مساحة الرقعة. 
مجمل مساحة المياه الإقليمية اللبنانية يقدر بحوالي 22 ألف كيلومتر مربع، في حين تبلغ المساحة المتنازع عليها مع إسرائيل 854 كيلومتراً مربعاً. 
و قد قسمت المساحة المتنازع عليها بين لبنان وإسرائيل إلى عشر مناطق أو مجمعات، ويمثل المجمع 9 إحدى تلك المناطق وأبرزها، مع العلم أن المجمع أو"البلوك" رقم 9 في منطقة على شكل مثلث، تصل مساحتها إلى 860 كيلومتراً مربعاً، وتقع على امتداد ثلاثة من المجمعات البحرية العشرة في لبنان.
ويعود تاريخ المجمع أو الرقعة رقم 9 إلى عام 2009 حين اكتشفت شركة "نوبل للطاقة" الأمريكية كمية من احتياطي النفط والغاز في الحوض الشرقي من البحر الأبيض المتوسط. 
وتُشكّل البلوكات 8 و9 و10 نقطة خلاف مع إسرائيل، وتزعم هذه الأخيرة أن البلوك 8 جنوباً تبلغ مساحته 1400 متر مربع، وبعمق يتراوح بين 1672 و2062 متراً تحت سطح البحر جنوباً، وتزعم أنه يقع أيضاً داخل حدودها.
وكانت إسرائيل قد وقعت في 17 ديسمبر/كانون الأول 2011، اتفاقية مع قبرص لتعيين الحدود بينهما، وقامت تل أبيب بموجبها بقضم مساحة مائية تقدر بـ860 كيلومتراً مربعاً من المنطقة الاقتصادية الخالصة اللبنانية، وتحتوي هذه المنطقة على كميات كبيرة من النفط والغاز.

مُبادرة "هوف" هل تُبصر النور؟

و في  ظل الخلاف بين بيروت وتل أبيب تقدم الموفد الأمريكي السابق فريدريك هوف عام 2012 بمقترح إلى لبنان، يقوم على إعطاء 360 كيلومتراً مربعاً من المياه اللبنانية لإسرائيل، من أصل 860 كيلومتراً مربعاً هي مجموع مساحة ما يُسمّى الحقل النفطي رقم 9، وبالتالي يحصل لبنان على ثلثي المنطقة الاقتصادية مقابل ثلث لإسرائيل.
غير أن لبنان رفض هذا المقترح على أساس أن المنطقة بكاملها ضمن المياه الإقليمية اللبنانية.
وقيل إن هذه المبادرة التي تسمى (مبادرة هوف) ووافقت عليها إسرائيل، تتضمن في شكلها النهائي حصول لبنان على ما نسبته 65% من المنطقة المتنازع عليها.
و تُقدّر حصة لبنان من الغاز الطبيعي الذي يحتضنه هذا الجزء من البحر المتوسط بحوالي 96 تريليون قدم مكعب، وهذه ثروة يمكن أن تساعد لبنان على خفض حجم دينه العام الذي بلغ حتى نهاية 2017 نحو 77 مليار دولار، وهو أحد أعلى معدلات الدين العام في العالم.

الَمُفاوضات الحدودية.. لن تسهم في تخفيف التوتر بين الجانبين:

إذ أن لبنان إسرائيل في حالة حرب منذ إعلان قيام الكيان الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية، و قد خاض الجانبان حروباً دموية على مدار السبعين عاماً الماضية، كان أبرزها عام ١٩٨٢، حين اجتاحت إسرائيل الأراضي اللبنانية خلال صراعها مع منظمة التحرير الفلسطينية التي انسحبت من فلسطين و اتخذت من لبنان مقرّاً لها. 
و في هذا السياق، قال المحلل الإسرائيلي باراك رافيد إن إسرائيل ولبنان في حالة حرب ولم يتفقا أبدا على توزيع "المياه الاقتصادية"، بالإضافة إلى حقيقة أن هذه القضية لم تكن مثيرة للاهتمام لأي منهما حتى سنوات مضت.
لكن منذ أكثر من عقد تقريبا، وعندما بدأ اكتشاف حقول الغاز الطبيعي في شرق البحر المتوسط، أدركت إسرائيل ولبنان أن هناك إمكانات اقتصادية هائلة في تلك الحقول، وفق تقرير رافيد المنشور بموقع "واللا" العبري.
ومن هنا نشأ الخلاف حول الحقل المعروف باسم "بلوك 9" (تبلغ مساحته 860 كم مربعا) والذي تشير التقديرات إلى أنه يحوي احتياطيات غاز طبيعي تقدر بمليارات الدولارات، وأدى الخلاف الاقتصادي المائي إلى تصاعد التوتر الموجود في الأساس بين البلدين، الأمر الذي تسبب في عدم قيام شركات الطاقة العالمية بالتنقيب عن الغاز الطبيعي في المنطقة.
وعلى مدى نحو 10 أعوام حاولت الولايات المتحدة والأمم المتحدة التوسط بين إسرائيل ولبنان لبدء مفاوضات تقود إلى حل الخلاف.
وحول التغير المفاجئ في الموقف اللبناني قال رابيد : "يعطي مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون إجابات مختلفة على هذا السؤال، لكن التقدير هو أن الانفجار في مرفأ بيروت، إلى جانب الأزمة الاقتصادية في لبنان وانعدام الاستقرار السياسي في البلاد والخوف من عقوبات اقتصادية، كل هذا دفع اللبنانيين إلى الدخول في محادثات مع إسرائيل".

في ظِلّ انشغالها بالحرب الأوكرانية و الصراع مع الصين.. الإدارة الأمريكية تضع ملف الترسيم في اولوياتها:

إذ قال مسؤول في البيت الأبيض، إن حل النزاع البحري بين إسرائيل ولبنان يمثل أولوية رئيسية لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، بحسب ما نقله موقع أكسيوس الأميركي. 
و صرّح مسؤول آخر، في البيت الأبيض انه “في حين أن المنسق الرئاسي الخاص آموس هوكشتاين لم يزر لبنان أو إسرائيل في الأسابيع الأخيرة ، إلا أنه يواصل مشاركته القوية لإنهاء مناقشات الحدود البحرية. ونواصل تضييق الفجوات بين الطرفين ونعتقد أن التسوية الدائمة ممكنة. نرحب بالروح التشاورية لكلا الطرفين للتوصل إلى حل”.
وأضاف “ان الديبلوماسية المكوكية هي ببساطة أحد مكونات العمل الدقيق الذي يقوم به الفريق الأميركي لحل هذا النزاع ، ويتواصل هوكشتاين يوميًا مع المسؤولين الإسرائيليين واللبنانيين – بما في ذلك نائب رئيس البرلمان اللبناني إلياس بو صعب”.
وقال : “يعتبر حل النزاع حول الحدود البحرية أولوية رئيسية لإدارة بايدن. نعتقد اعتقادا راسخا أن أي صفقة لديها القدرة على تعزيز الاستقرار الدائم والازدهار الاقتصادي لكلا البلدين”. وذكر ان السفيرة الأميركية في لبنان دوروثي شيا هي أيضا على تواصل مع رئيس مجلس النواب ورئيس الوزراء ومستشاريهما.

تسريبات الإعلام العِبري تتحدث عن قُرب التوصّل إلى اتفاق في الأشهر المقبلة:

اذ قالت القناة 12 الإسرائيلية، إن إسرائيل ولبنان يقتربان من اتفاق ترسيم الحدود البحرية بوساطة، وأنه تقرر تأجيل استخراج الغاز من منصة كاريش حتى أكتوبر القادم، بعد أن كان مقررا بداية شهر سبتمبر.
وبموجب الاتفاقية التي يجري العمل عليها بوساطة الولايات المتحدة، سيتم إعادة ترسيم الحدود البحرية، بحيث سيتم إقامة منصتي غاز واحدة في لبنان والأخرى لدى الاحتلال، وسيتواجد جزء من منصة الغاز اللبنانية داخل الحدود البحرية الإسرائيلية، على أن يتم تعويض إسرائيل ماليا.

إجراءاتٌ لتجنّب الدخول في مواجهة عسكرية في الجنوب اللبناني:

فبحسب الاتفاق، سيتم إقامة المنصتين على بعد خمس كيلومترات من بعضهما البعض، لتحقيق “توازن الرعب”، الذي سيمنع مهاجمة المنصة الإسرائيلية.
وفي وقت سابق، حذّر وزير الدفاع الإسرائيلي بيني غانتس حزب الله اللبناني من أن أي هجوم على حقل الغاز البحري الحدودي كاريش قد يؤدي إلى حرب.
و قد تصاعد التوتر بين الجانبين بعدما قامت إسرائيل باستقدام سفينة إنتاج وتخزين تابعة لشركة “إنرجيان” ومقرها لندن، للعمل على استخراج الغاز من حقل “كاريش” الذي تعتبر بيروت أنه يقع في منطقة متنازع عليها. وقوبلت الخطوة الإسرائيلية حينها بتهديدات من حزب الله.

الإدارة الأمريكية: الغاز هو المهم.. و الباقي تفاصيل:

إذ ذكرت صحيفة "جوروزاليم بوست" الإسرائيلية، أن نقاط المفاوضات التي تقودها الولايات المتحدة تحولت للتركيز على التعويضات، وكمية الغاز، لدى كل طرف على الحدود البحرية.
ونوهت الصحيفة إلى أن الدولتين لم تتوصلا بعد إلى اتفاق نهائي، إلا أنه يعتقد أن هناك "تقاربا كافيا" بين المواقف من أجل بدء العمل على اتفاق، قد ينجم عنه إما تقسيم حقول الغاز التي قد تتقاطع على خط الحدود البحرية، أو الحصول على تعويضات مالية.
وتوقفت المفاوضات التي انطلقت بين الطرفين قبل عام بوساطة أميركية، في مايو الماضي، من جراء خلافات حول مساحة المنطقة المتنازع عليها، في حين يشكل ترسيم الحدود البحرية أهمية بالغة للبنان، إذ من شأنه أن يسهّل استكشاف الموارد النفطية ضمن مياهه الإقليمية.

الموقف اللبناني من سيْر المحادثات:

و في مَعرِض التعبير عن الموقف الرسمي للبنان، قال رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري إن الكرة في ملعب الوسيط الأميركي آموس هوكشتاين فيما يتعلق بترسيم الحدود البحرية الجنوبية للبنان، مؤكدا أن لبنان سيدافع عن حقوقه المشروعة إذا تعرضت سيادته للتهديد الإسرائيلي.
وقال بري، خلال حفل أقامته حركة أمل التي يتزعمها في ساحة القسم بمدينة صور جنوبي لبنان: "بانتظار جواب المفاوض الأميركي نؤكد أن حدودنا وسيادتنا كشرفنا، لا نفاوض عليها وسندافع عنها بكل ما نملك من قدرات"، مضيفا أن "الكرة الآن بالملعب الأميركي، نحن لسنا هواة حرب". 
وكان الوسيط الأميركي في مفاوضات ترسيم الحدود البحرية عقد في أوائل أغسطس/آب الجاري مباحثات مع مسؤولين في كل من لبنان وإسرائيل.

لماذا تستميت الإدارةُ الأميركية لإنجاز الاتفاق و استخراج الغاز بأقصى سرعة ممكنة؟ :

الأمر بالطبع يتعلق بالغاز الروسي، و سعي الإدارة الأمريكية إلى تقليل الاعتماد الغربي على غاز روسيا، إذ سعت الإدارة الأمريكية إلى تأمين مصادر أخرى للغاز الطبيعي حتّى قبل بدء الحرب الروسية في أوكرانيا وتداعياتها على سوق الطاقة العالمي. 
بالإضافة إلى مسألة الطاقة، فإن الإدارة الأمريكية تريد أن تنجز الاتفاق الذي سيأتي في مصلحة إسرائيل و لبنان على حدّ سواء، و سيساهم في تعزيز الأمن الإسرائيلي بالإضافة إلى تعزيز النفوذ و التواجد الأميركي في المنطقة.

و تعود أسباب هذه المساعي الأميركية إلى التالي:

١-سعي الإدارة الأمريكية إلى تخليص إسرائيل من العوائق التي تحول دون استخراج الغاز الطبيعي من المياه الإقليمية الشمالية، و بالتالي تستطيع إسرائيل بعد انجاز الاتفاق البدء باستخراج الغاز دون أن تكون معرضة لخوض حرب جديدة ضد حزب الله في جنوب لبنان. 
٢- سعي الاداره الأميركية إلى كسر نفوذ حزب الله الذي يرفض التفاوض مع الجانب الإسرائيلي و يرفض إعطاء إسرائيل أي حقوق نفطية بعد الخط ٢٩. 
٣- إن انجاز اتفاق الترسيم سيؤدي إلى التمديد لتواجد قوات الأمم المتحدة في جنوب لبنان، مما يجعل من حزب الله محاطاً بقوات دولية، و بالتالي لا يكون هو القوة المسلحة الوحيدة في جنوب لبنان، على اعتبار ان نفوذ الجيش اللبناني محدود في تلك المنطقة. 
٤- إن استخراج الغاز الطبيعي في لبنان و إسرائيل، سوف يؤمن كمية لا بأس بها من الغاز الطبيعي لأوروبا و بشكل سهل، نظراً لقرب السواحل اللبنانية و الفلسطينية من القارة الأوروبية، و بالتالي فإن انجاز الاتفاق في وقت قصير سوف يساهم في إنقاذ أوروبا من صقيع الشتاء هذا العام، بعد ما قطعت روسيا إمدادات الغاز الطبيعي عن عدد من الدول الأوروبية. 
٥-سعي الإدارة الأمريكية إلى تنويع مصادر الغاز العالمية، لضرب تجارة الغاز الروسي، حتى في المرحلة التي تلي الحرب الروسية الأوكرانية، إذ تريد الولايات المتحدة الأمريكية تخفيف النفوذ الروسي على سوق الغاز الطبيعي، بحيث يصبح لدى أوروبا و آسيا الوسطى و اليابان و دول شرق آسيا الموالية للولايات المتحدة الأمريكية بدائل أخرى للحصول على الغاز الطبيعي حتى بعد رفع العقوبات الغربية عن روسيا. 
و هكذا، فإن الولايات المتحدة الأمريكية، التي لطالما اعتبرت الملف اللبناني مسألة ثانوية لا مكان لها في الوقت الراهن على طاولة القرار الأمريكي، تعود لتجعل مسألة ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل في أساس أولوياتها، فهل يدفع الاهتمام الأمريكي الجانبين اللبناني و الإسرائيلي إلى الإسراع في التوصل إلى اتفاق يسمح لكل منهما بالاستفادة من الثروات النفطية الموجودة في شرق البحر المتوسط.