فساد الفيفا.. إفساد المتعة

news image

كيف تتحول كرة القدم من منافسة عادلة داخل المستطيل إلى شبكة مصالح خلفه؟ ولماذا يستمر الفساد رغم الفضائح والمحاكمات والإصلاحات؟

 

كتب: عبدالله العميره

ماذا يحدث؟

لم تعد كرة القدم مجرد لعبة.

إنها اقتصاد عالمي، ومنصة سياسية، وصناعة إعلامية، وسوق للإعلانات وحقوق البث، وأداة لبناء صورة الدول، ومساحة تجتمع فيها مشاعر مليارات البشر.

ولهذا، فإن من يسيطر على قرار كرة القدم لا يحدد مكان إقامة بطولة أو قيمة عقد تجاري فقط؛ بل يملك القدرة على توزيع المال والظهور والنفوذ والسمعة.

ومن هنا يبدأ الخطر.

فكلما اتسعت قوة كرة القدم، ازداد عدد الذين لا يرون في الملعب مباراة، بل يرون خارجه سوقًا هائلة يمكن اقتسامها، وأصواتًا يمكن شراؤها، واتحادات يمكن إخضاعها، ودولًا يمكن مكافأتها أو معاقبتها.

والفساد الرياضي لا يبدأ دائمًا بحقيبة مال تحت الطاولة.

قد يبدأ بمعلومة تُحجب.

أو قرار يُتخذ داخل دائرة ضيقة.

أو تمويل يُربط بالولاء.

أو عقد ضخم لا يعرف أصحاب اللعبة كيف صيغ.

أو نفوذ انتخابي يُبنى بأموال يفترض أنها مخصصة لتطوير كرة القدم.

وقد لا يكون كل قرار سيئ فسادًا بالمعنى الجنائي، لكن غياب الشفافية، وتعارض المصالح، وتركيز السلطة، واستخدام المال المؤسسي لبناء الولاءات، تخلق البيئة التي ينمو فيها الفساد حتى لو لم تصل كل واقعة إلى المحكمة.

كرة القدم للبيع؟

عاد السؤال بقوة بعد أزمة مشروع «FIFA Forward Enterprise»، الذي اقترح إنشاء شركة تُقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار، تتولى إدارة الحقوق التجارية والفعاليات التابعة للاتحاد الدولي لكرة القدم، مع بيع حصة تصل إلى 20% منها لمستثمرين من القطاع الخاص، مقابل نحو 4.2 مليارات دولار.

لم يكن الاعتراض على دخول الاستثمار الخاص في صناعة رياضية ضخمة؛ فالرياضة تعتمد أصلًا على الرعاية والبث والتذاكر والاستثمار.

الاعتراض انصبّ على ما هو أخطر:

من اقترح الصفقة؟

كيف حُددت قيمة الشركة؟

من اختار المستثمرين؟

ما الحقوق التي كانت ستنتقل إليهم؟

وما مدى اطلاع الاتحادات الوطنية، وهي صاحبة العضوية في «الفيفا»، على التفاصيل قبل مطالبتها بالموافقة؟

وتصاعدت الأزمة عندما تحدثت تقارير عن عرض مالي يصل إلى 40 مليون دولار لكل اتحاد وطني إذا حظي المشروع بالتأييد، في مقابل بقاء التمويل عند مستويات أقل إذا رُفض.

وقدّم «الفيفا» المشروع باعتباره وسيلة لتعظيم الموارد واستثمارها في تطوير اللعبة، مؤكدًا أن كرة القدم ليست معروضة للبيع، وأن المشروع لن يمضي من دون تأييد أغلبية الاتحادات.

لكن قوة الاعتراضات، والانقسام داخل المؤسسة نفسها، ورفض اتحادات وقارات للمشروع، دفعت إلى سحبه بعد أيام من ظهوره إلى العلن. 

والسؤال هنا لا يتعلق بالصفقة المسحوبة وحدها.

كيف وصل مشروع بهذا الحجم، يتعلق بالحقوق التجارية لأهم بطولات العالم، إلى مرحلة متقدمة قبل أن يعرف كبار العاملين في المؤسسة واتحاداتها تفاصيله الكاملة؟

إذا كان المشروع ممتازًا، فلماذا لم يُعرض منذ بدايته بشفافية؟

وإذا كانت الاتحادات ستصوت عليه بحرية، فلماذا ارتبطت الموافقة بمبالغ مالية ضخمة قد تؤثر في استقلال قرار الاتحادات الصغيرة؟

اتهام لا يجوز تجاهله

ازدادت الأزمة خطورة بعدما اتهم الأمير علي بن الحسين، رئيس الاتحاد الأردني لكرة القدم، رئيس «الفيفا» جياني إنفانتينو بممارسة ما وصفه بـ«الابتزاز»، عبر ربط المساعدة في معالجة قضايا تخص الاتحاد الأردني بالحصول على تأييد سياسي وانتخابي.

وتحدث الأمير علي عن تأخر مستحقات مرتبطة بكأس العرب، ومشكلات واجهت المشجعين، وأعباء مالية وتنظيمية، وقال إن عرضًا شفهيًا قُدم بما يفيد أن دعم ترشح إنفانتينو قد يساعد على حل تلك القضايا.

هذا اتهام صادر عن رئيس اتحاد وطني ومرشح سابق لرئاسة «الفيفا»، وليس حديثًا عابرًا من مشجع غاضب.

لكنه يظل اتهامًا يحتاج إلى تحقيق مستقل وشفاف، وإلى رد موثق من الاتحاد الدولي؛ فلا العدالة تسمح بإدانة أحد استنادًا إلى اتهام وحده، ولا المهنية تسمح بتجاهل اتهام بهذه الخطورة.  

فالمال المخصص لتطوير كرة القدم ليس ملكًا لرئيس «الفيفا»، ولا هدية يقدمها لمن يؤيده.

إنه مال اللعبة، وحق الاتحادات المستوفية للشروط، ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة انتخابية أو وسيلة لشراء الصمت والولاء.

وإذا ثبت أن خدمة اتحاد ما أو صرف مستحقاته يمكن أن يرتبط بموقفه من انتخابات الرئاسة، فنحن لا نكون أمام خلاف إداري، بل أمام اعتداء على استقلال القرار الرياضي.

الفساد الذي عرفناه

ليست المخاوف الحالية منفصلة عن تاريخ قريب.

في مايو 2015، انفجرت أكبر فضيحة في تاريخ إدارة كرة القدم، عندما أوقفت السلطات السويسرية عددًا من مسؤولي «الفيفا» في زيورخ، بناءً على تحقيقات أمريكية كشفت شبكات من الرشى والاحتيال وغسل الأموال مرتبطة بحقوق التسويق والبث والبطولات.

وبلغ عدد الأفراد والكيانات الذين وجهت إليهم اتهامات في إحدى مراحل التحقيق 41، بينما تجاوزت الأموال التي وافق مدانون على مصادرتها 190 مليون دولار.

وفي عام 2025، ذكرت وزارة العدل الأمريكية أن التحقيقات المرتبطة بفساد كرة القدم العالمية أسفرت عن أكثر من ثلاثين إدانة وإقرارًا بالذنب، واستعادة أكثر من 200 مليون دولار من الأموال المصادرة.  

هذه ليست شائعات صحفية ولا خصومات رياضية.

إنها إدانات وأموال مصادرة ومحاكمات كشفت كيف تحولت حقوق المباريات والبطولات، لدى بعض المسؤولين، إلى أبواب للإثراء الشخصي.

وأدت الفضيحة إلى رحيل قيادات، وإيقافات، وتعديلات في أنظمة الحوكمة، ووعود بمرحلة جديدة من النزاهة.

لكن السؤال بعد أكثر من عقد هو:

هل تغير النظام، أم تغير الأشخاص الذين يقفون في قمته؟

لماذا يستمرئون الفساد؟

الفساد لا يستمر لأن الفاسد شجاع؛ بل لأن النظام المحيط به يجعله مطمئنًا.

يبدأ الفاسد باختبار صغير.

يمرر قرارًا بلا مساءلة.

يمنح امتيازًا لصديق.

يخلط بين مال المؤسسة ونفوذه الشخصي.

فإذا لم يعترض أحد، تصبح الخطوة التالية أكبر.

ومع الوقت، لا يعود يرى ما يفعله فسادًا؛ بل «إدارةً للعلاقات»، أو «حمايةً للمصالح»، أو «مرونةً سياسية»، أو «مكافأةً لمن يتعاون».

حين تفسد القمة، لا تستطيع محاسبة الفساد تحتها؛ فالفاسد الكبير يحتاج إلى فساد الصغار، كما يحتاجون إلى صمته وحمايته.

وهكذا يُمنح الخطأ اسمًا لطيفًا حتى يصبح قابلًا للتكرار.

ويستمر الفساد في المؤسسات الرياضية الكبرى لعدة أسباب مترابطة.

المال بلا مالك ظاهر

يدير «الفيفا» مليارات الدولارات، لكنه ليس شركة يملكها مساهمون يراقبون قيمة أسهمهم، ولا حكومة تخضع مباشرة لبرلمان وناخبين.

إنه اتحاد دولي خاص، أعضاؤه اتحادات وطنية، ويملك في الوقت نفسه سلطة التنظيم، وتوزيع الأموال، ومنح البطولات، وإصدار العقوبات.

هذا التركيب يمنحه استقلالًا ضروريًا لحماية الرياضة من التدخل الحكومي، لكنه قد يمنحه كذلك مساحة واسعة من السلطة لا تقابلها رقابة عامة بالقوة نفسها.

والمال الذي لا يشعر أحد بأنه مالكه المباشر، يسهل على بعض المسؤولين معاملته كأنه مال بلا صاحب.

لكن صاحب المال الحقيقي هو الطفل الذي يحتاج إلى ملعب، والنادي الصغير الذي يحتاج إلى مدرب، والاتحاد الفقير الذي ينتظر مشروعًا يطور مسابقاته.

كل دولار يُستخدم لشراء ولاء هو دولار سُرق من مستقبل اللعبة، حتى لو لم يدخل حسابًا شخصيًا.

صوت متساوٍ.. وحاجة غير متساوية

يضم «الفيفا» 211 اتحادًا وطنيًا، ولكل اتحاد صوت واحد في الانتخابات، بصرف النظر عن حجم الدولة أو عدد سكانها أو تاريخها الكروي.

وهذا المبدأ يبدو عادلًا؛ لأنه يمنع الدول الكبرى من احتكار القرار.

لكن المشكلة تظهر حين تكون اتحادات كثيرة شديدة الاعتماد على تمويل «الفيفا».

فالاتحاد الذي لا يستطيع تشغيل مسابقاته أو بناء مقره من دون الدعم المركزي لا يذهب إلى الانتخابات مستقلًا تمامًا عن الجهة التي توزع الأموال.

وهنا تنشأ معادلة خطرة:

صوت متساوٍ قانونيًا، لكنه غير متساوٍ اقتصاديًا.

وحين يستطيع الرئيس أو دائرته تقديم التمويل باعتباره فضلًا شخصيًا، بدل كونه حقًا مؤسسيًا تحكمه معايير معلنة، تتحول برامج التطوير إلى شبكة ولاء انتخابية.

ولا يعني ذلك أن كل اتحاد يتلقى الدعم يبيع صوته؛ بل يعني أن النظام يفتح باب التأثير، ويضعف القدرة على التمييز بين التنمية المشروعة وبناء النفوذ.

من يراقب الحَكم؟

في الملعب، يراقب الحكم اللاعبين، وتراجعه تقنية الفيديو، ويقيّم أداءه مختصون. ومع ذلك، تظل في يده سلطة واسعة قد تحمي نزاهة المباراة، أو تفتح الباب لإفسادها.

إذا كان الفساد المالي والإداري داخل «الفيفا» وبعض الاتحادات يعبث بإدارة اللعبة، فإن فساد التحكيم يعبث بروحها؛ يسرق متعة المنافسة العادلة، ويؤجج الجماهير، ويحوّل القوة الناعمة من جسر للتقارب إلى وقود للتنافر والكراهية.

لكن من يراجع القرارات الكبرى داخل المؤسسة التي تضع القوانين، وتوزع الأموال، وتعاقب الاتحادات، ثم قد تغضّ الطرف عن الفساد حين يتسلل إلى الملاعب؟

حين يكون مصدر التمويل، وصاحب النفوذ الانتخابي، والمشرف على أجهزة الرقابة، جزءًا من البناء نفسه، تصبح الاستقلالية المكتوبة في اللوائح غير كافية.

فلا قيمة للجنة أخلاق تُسمى مستقلة إذا كانت مواردها أو تعييناتها أو مستقبل أعضائها مرتبطًا بمن يفترض أن تحقق في قراراتهم.

واختبار استقلال اللجنة لا يكون في القضايا الصغيرة، بل عندما يصل السؤال إلى أعلى الهرم.

هل تستطيع التحقيق؟

هل تستطيع نشر النتائج كاملة؟

هل تستطيع حماية المبلغين؟

وهل تستطيع فرض عقوبة من دون خوف أو تفاوض؟

الصمت شريك

لا يعيش الفساد بجهد الفاسدين وحدهم.

يحتاج إلى موظف رأى وسكت.

وإلى مسؤول عرف وفضّل منصبه.

وإلى اتحاد حصل على المال فلم يسأل عن مصدر القرار.

وإلى نجم رياضي أعاره شهرته مقابل مكافأة.

وإلى وسيلة إعلام اكتفت بتغطية المباريات، كأن ما يجري في الغرف المغلقة لا يؤثر في النتيجة داخل الملعب.

وتتسع دائرة الصمت لأن كل فرد يقول إن اعتراضه لن يغير شيئًا.

لكن الأنظمة الفاسدة لا تقوى لأنها لا تُرى؛ بل لأنها تُرى من كثيرين، ويقرر كل واحد منهم أن يتولى غيره الكلام.

من الملعب إلى النفوذ

تنجح كرة القدم لأنها تقدم وعدًا بسيطًا:

فريقان، وقواعد واحدة، ووقت متساوٍ، والفائز من يسجل أكثر.

لكن حين تُنقل المنافسة إلى خارج الملعب، تتغير القواعد.

تصبح القوة في الوصول إلى أصحاب القرار.

والانتصار في اختيار اللجان.

والهدف عقدًا تجاريًا.

والبطولة ورقةً انتخابية.

والدعم مكافأةً للمؤيد.

عندها لا تخسر الفرق وحدها؛ بل تخسر كرة القدم معناها.

فالمشجع يستطيع تقبل هزيمة فريقه إذا شعر بأن المنافس كان أفضل، لكنه لا يتقبل بسهولة أن يكون مصير المنافسة قد تأثر بقرار لا يعرف كيف اتُخذ، أو بقاعدة طُبقت على فريق واستُثني منها آخر.

والرياضة لا تعيش بالنتائج وحدها.

تعيش بثقة الجمهور في أن النتيجة لم تُكتب قبل المباراة.

من القوة الناعمة إلى الإساءة الناعمة

تستخدم الدول كرة القدم لبناء جسور مع العالم، وتقديم ثقافتها، وتحسين صورتها، وتنشيط اقتصادها، وجذب الزوار والاستثمارات.

وهذا استخدام مشروع للقوة الناعمة ما دام يجري من خلال المنافسة العادلة والاستثمار والإنجاز والتنظيم.

لكن حين يدخل الفساد أو التسييس أو الابتزاز، تنقلب القوة الناعمة إلى «إساءة ناعمة».

فبدل أن تقرب الرياضة الشعوب، تصبح وسيلة لتبادل الاتهامات.

وبدل أن يعترف الجمهور بإنجاز المنافس، يبحث عن مؤامرة خلفه.

وبدل أن تُقاس الدولة بقدرتها على التنظيم، تُحاصرها الشبهات التي أنتجها ضعف المؤسسة الدولية.

والأخطر أن الفساد قد يسيء إلى أطراف لم تشارك فيه.

فأي قرار غامض يمنح بطولة لدولة، أو يغير نظام مسابقة، أو يوزع عائدًا ماليًا، لا يضر «الفيفا» وحده إذا أحاطت به الشبهات؛ بل يلقي بظلاله على الدولة والاتحاد والبطولة واللاعبين والجماهير.

الفاسد يأخذ المنفعة لنفسه، ويوزع الضرر على الجميع.

السعودية تحتاج «فيفا» قويًا

تستعد المملكة لاستضافة كأس العالم 2034 ضمن مشروع وطني يتجاوز إقامة المباريات إلى تطوير المدن والملاعب والنقل والسياحة والرياضة وجودة الحياة.

ولذلك فإن نزاهة «الفيفا» وشفافية قراراته ليستا شأنًا خارجيًا بعيدًا عن السعودية.

المملكة تحتاج إلى اتحاد دولي قوي ومحترم؛ لأن نجاح كأس العالم لا يُبنى بالمنشآت والتنظيم وحدهما، بل يحتاج إلى مؤسسة دولية تحمي البطولة من التسييس والشبهات وتطبق معايير واضحة على الجميع.

كما أن خصوم المشروعات السعودية يبحثون دائمًا عن أي خلل داخل المؤسسة الدولية لربطه بالمملكة، حتى إذا لم تكن طرفًا فيه.

ولهذا، فإن المصلحة السعودية ليست في «فيفا» ضعيف يسهل التأثير فيه، بل في «فيفا» قوي لا يستطيع أحد استغلاله ضدها أو ضد غيرها.

فالدولة التي تستثمر ملياراتها لبناء مشروع رياضي حقيقي لا تحتاج إلى مجاملة من مؤسسة مرتبكة؛ بل إلى عدالة تحمي إنجازها، وشفافية تمنع المشككين من تشويهه أو سرقة قيمته.

وأمام السعودية فرصة للإسهام في استعادة ثقة العالم بكرة القدم، وتقديم نموذج يجمع بين ضخامة البناء ونزاهة الإدارة. فما تشيده من ملاعب ومنشآت، وما تضخه من استثمارات، وما تستقطبه من نجوم وخبرات، ينبغي أن يوازيه بناء مؤسسي لا يقل قوةً ووضوحًا.

فالمشروع الرياضي السعودي لا يحتاج إلى أن يُشار إليه بالبنان لحجم إنفاقه فقط، بل لقدرته على تحويل الاستثمار الكبير والمعلن إلى إدارة كفؤة، ومنافسة عادلة، وتشريعات شفافة، ورقابة لا تستثني أحدًا.

كما أن الدوري السعودي، وهو يتقدم نحو موقعه بين أقوى دوريات العالم، لن تُقاس قوته بأسماء نجومه وقيمة عقوده وحدهما؛ بل بمدى الثقة في عدالة منافساته، واستقلال قراراته، ونزاهة تحكيمه، وقدرته على تصحيح أخطائه علنًا.

فالقوة الرياضية تُشترى بالاستثمار، أما الثقة فلا تُشترى؛ بل تُبنى بالنزاهة، وتُثبتها الممارسة.

ليست كل خسارة مؤامرة

مقاومة الفساد لا تعني تحويل كل قرار تحكيمي خاطئ أو خسارة رياضية إلى مؤامرة؛ فهذا التفكير يفسد اللعبة بطريقة أخرى.

فالأخطاء جزء من كرة القدم، والحكام بشر، والفرق تخسر، وقد تكون القرارات الفنية سيئة من دون أن تكون فاسدة.

لكن الخطأ يفقد صفته العارضة عندما يتكرر على نحوٍ منهجي، أو تُطبق القواعد بانتقائية، أو تظهر خلف القرارات مصالح وصلات وأهداف تسعى إلى إفساد المنافسة أو تقويض مشروع بعينه. عندئذ لا تكفي تبريرات «الخطأ البشري»، بل يصبح التحقيق المستقل والشفاف ضرورةً لحماية اللعبة.

ومن أخطر نتائج ضعف الثقة أن يصبح الجمهور مستعدًا لتفسير كل شيء بالفساد؛ فلا يعود الانتصار مقنعًا، ولا الهزيمة مقبولة، ولا الحكم بريئًا، ولا البطولة نزيهة.

لذلك، لا تحمي الشفافية المال والقرارات فقط؛ بل تحمي الجمهور من العيش داخل الشك الدائم.

العدالة تحتاج إلى دليل، كما تحتاج الاتهامات إلى تحقيق، ويجب التفريق دائمًا بين:

الخطأ.

وسوء الإدارة.

وتعارض المصالح.

والإخلال الأخلاقي.

والجريمة المالية.

جمعها تحت كلمة واحدة قد يصنع الإثارة، لكنه لا يصنع إصلاحًا.

كيف تُستعاد اللعبة؟

لا تحتاج كرة القدم إلى بيان جديد عن النزاهة، بل إلى نظام يجعل الفساد أصعب، واكتشافه أسرع، وعقوبته أكيدة.

استقلال حقيقي للرقابة

يجب أن تتمتع لجان الأخلاق والتدقيق بميزانيات وتعيينات مستقلة، وأن تملك صلاحية التحقيق مع أي مسؤول مهما علا منصبه.

نشر القرارات الكبرى

ينبغي نشر الأسس المالية والفنية للصفقات الكبرى، وتقارير التقييم، وتعارضات المصالح، ونتائج التصويت في القرارات التي تمس مستقبل اللعبة.

فصل التنمية عن الانتخابات

يجب توزيع أموال تطوير كرة القدم وفق معايير معلنة وقابلة للقياس، لا وفق قرب الاتحاد من الرئيس أو موقفه الانتخابي.

حماية المبلغين

الموظف الذي يكشف فسادًا ينبغي أن يجد جهة مستقلة تحميه، لا بابًا يؤدي إلى فقدان وظيفته وتشويه سمعته.

تحديد مدد المناصب

كلما طال بقاء المسؤول في شبكة دولية واسعة، ازداد احتمال تحول العلاقات المهنية إلى منظومة ولاء شخصية.

رقابة خارجية

لا يكفي أن يحقق «الفيفا» في نفسه.

العقود الكبرى، وأموال التطوير، وتعارض المصالح، تحتاج إلى تدقيق خارجي مستقل ونشر خلاصاته للرأي العام.

مساءلة النجوم

لا ينبغي استخدام اللاعبين السابقين والمدربين والمشاهير واجهاتٍ لتلميع قرارات لم يطلعوا على تفاصيلها.

الشهرة مسؤولية، وليست شهادة نزاهة تمنح لمن يدفع.

هل نتعلم؟

لقد سقط مسؤولون، وصودرت أموال، وتغيرت لوائح، ووُعد العالم بأن زمن الغرف المغلقة انتهى.

لكن الفساد لا يموت بإبعاد شخص إذا بقي النظام قادرًا على إنتاج شخص آخر يمارس الأدوات نفسها.

ولا يكون الإصلاح في تغيير أسماء الجالسين حول الطاولة، بل في جعل الطاولة زجاجية يراها الجميع.

كرة القدم لا تحتاج إلى قادة يحبون الظهور إلى جانب الكأس.

تحتاج إلى مؤسسات تحمي حق الشعوب في الاستمتاع بها.

ولا تحتاج إلى من يعلن أن اللعبة توحد العالم، ثم يستخدم أموالها لتقسيم اتحاداتها إلى مؤيدين ومعارضين.

إن أجمل ما في كرة القدم أنها تمنح الإنسان تسعين دقيقة لا يعرف نهايتها.

والفساد يبدأ حين يعرف أحدهم، قبل الآخرين، كيف ستُوزع الفرص والأموال والقرارات.

الخلاصة

الفاسد في كرة القدم لا يسرق مبلغًا فقط.

إنه يسرق عدالة المنافسة.

ويشوه إنجاز الفائز.

ويصنع عذرًا للخاسر.

ويحول الجماهير من شركاء في المتعة إلى خصوم يتبادلون الكراهية.

ويستخدم القوة الناعمة للدول والأندية والنجوم، ثم يعيدها إليهم محملةً بالشك والإساءة.

ولذلك فإن إنقاذ كرة القدم لا يبدأ من تقنية جديدة لمراقبة خط المرمى، بل من عين لا تُغلق أمام ما يحدث خارج الملعب.

سنستعيد متعة اللعبة عندما يصبح المسؤول خائفًا من السؤال، لا الصحفي خائفًا من طرحه.

وعندما يكون المال وسيلة لتطوير كرة القدم، لا لتطوير نفوذ من يديرونها.

وعندما نعرف أن الكأس لا يذهب إلى من يملك الطريق الأقصر إلى غرف القرار، بل إلى من استحقه داخل المستطيل.

كرة القدم قادرة على أن تعود المتعة الأولى للشعوب.

لكن عليها، قبل تنظيف الملاعب بعد المباريات، أن تنظف الغرف التي تُصنع فيها قراراتها.

____________________

بعد النشر | هل اخترع الإعلام الفساد؟

أثارت المقالة ردود فعل واسعة؛ أشاد بعضها بطرحها، فيما شكك آخرون في وجود فساد داخل «الفيفا»، ورأوا أن القضية لا تتجاوز رواية صنعتها وسائل الإعلام، أو صراعًا أوروبيًا مع رئيس الاتحاد الدولي.

لكن الإعلام لم يخترع اعتقال مسؤولي «الفيفا» في زيورخ، ولم يصدر الأحكام، ولم يصادر الأموال. التحقيقات والمحاكم فعلت ذلك، وأسفرت القضية عن أكثر من ثلاثين إدانة وإقرارًا بالذنب، واستعادة أكثر من 200 مليون دولار من الأموال المصادرة.

كما أن الإعلام لم ينسب إلى الأمير علي بن الحسين اتهامًا لم يقله؛ بل نقل تصريحه، ونسبه إليه، وأكد أنه يظل اتهامًا يحتاج إلى تحقيق مستقل، لا إدانةً جاهزة.

وقد تعارض أوروبا رئيس «الفيفا» دفاعًا عن نفوذها ومصالحها، لكن الشك في دوافع المعترض لا يمحو الوقائع. ففساد الخصم لا يثبت نزاهة من يعارضه، والمصلحة لا تجعل كل ما يكشفه صاحبها كذبًا.

كذلك، لا يمكن فصل «الفيفا» عن الاتحادات الوطنية الفاسدة وكأنها أجسام لا علاقة بينها؛ فهذه الاتحادات تنتخب قيادته، وهو يمولها ويراقبها ويعاقبها. وإذا تبادل المركز والأطراف المال والأصوات والصمت، فنحن لا نكون أمام فسادين منفصلين، بل أمام منظومة تحمي نفسها.

الإعلام المهني لا يطلب من القارئ أن يصدقه بلا دليل؛ بل يعرض الوقائع، ويفصل بين الاتهام والإدانة، ويترك الباب مفتوحًا للتحقيق والرد.

أما إنكار أحكام المحاكم والأموال المصادرة والتصريحات العلنية بدعوى أن «الإعلام اختلقها»، فليس تشكيكًا في الإعلام؛ بل رفضٌ للوقائع لمجرد أنها لا توافق الفكرة المسبقة.

الإعلام قد يكشف الفساد، وقد يخطئ في تفسيره؛ لكنه لا يستطيع اختراع محكمة، أو تزوير ثلاثين إدانة، أو مصادرة مئتي مليون دولار. ومن أراد نفي الفساد، فعليه أن ينقض الدليل، لا أن يتهم المرآة لأنها أظهرت الصورة.

والحديث عن فساد إداري داخل «الفيفا» لا ينفي نجاح بطولات كأس العالم، بما فيها النسخة الأخيرة، وقبلها مونديال قطر 2022؛ فالنجاح التنظيمي للدولة المستضيفة شيء، ونزاهة المؤسسة الدولية وقراراتها شيء آخر، ولا يجوز استخدام أحدهما لنفي الآخر.

والعالم ينتظر أن تتقدم البطولات المقبلة نحو نموذج أكثر اكتمالًا، بدءًا من مونديال 2030، وصولًا إلى كأس العالم 2034 في السعودية، حيث تشير القدرات التنظيمية، وحداثة المشروعات الرياضية والبنية التحتية، وحجم التحول الجاري، وإمكان الاستفادة من تجارب البطولات السابقة وأخطائها، إلى نسخة مرشحة لتحقيق نجاح غير مسبوق.

وقد يضع مونديال السعودية معيارًا تنظيميًا وتقنيًا وإنسانيًا يصعب تكراره لسنوات؛ لا لأنه يخفي أخطاء كرة القدم، بل لأنه يتعلم منها، ويبني فوق أفضل ما أنجزه العالم قبلها.

ويبقى السؤال: هل ستغيّر اتهامات الفساد والخلافات مع رئيس «الفيفا» مسار برامج الاتحاد والاستحقاقات الدولية المقبلة، أم ستكون عاصفة تنتهي بتنظيف المؤسسة ودفعها إلى تقديم نموذج أفضل؟ 
 البطولات ستستمر وفق برامجها؛ لارتباطها بعقود والتزامات دولية يصعب تعطيلها، لكن الأزمة قد تغيّر طريقة إدارة «الفيفا»، وتفرض شفافيةً ورقابةً أوسع؛ فالعاصفة لن توقف كرة القدم، لكنها قد تنظف المؤسسة التي تديرها.

ففساد الإدارة في «الفيفا» لا يُسقط نجاح البطولات، كما أن نجاح البطولات لا يمنح المؤسسة شهادة نزاهة إذا ثبت خطؤها. وبين الأمرين، يبقى ما ينتظره العالم واضحًا: كرة قدم توازي عدالةُ قراراتها جمالَ تنظيمها.