اليوم 169: الحصار يعبر الحدود

news image

ترامب يهدد الدول التي تمنح إيران «شريان حياة»، فيما تبدأ روسيا تعويض ترسانتها عبر بحر قزوين؛ وإسرائيل تنسحب من معظم القتال تاركةً الولايات المتحدة أمام حرب نجحت في بدئها ولم تحسم طريقة إنهائها

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

انتقلت الحرب في يومها 169 من الضغط على إيران إلى تهديد كل دولة أو مؤسسة تساعدها على البقاء.

فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بدء ما وصفه بأشد عملية اقتصادية ضد دولة، محذرًا من «عواقب اقتصادية هائلة» على أي طرف يقدم لإيران شريان حياة، سواء عبر شراء النفط، أو تحويل الأموال، أو تسجيل السفن، أو توفير المكونات والمواد التي تسمح لها بإعادة بناء قدراتها.

وفي الوقت الذي تحاول فيه واشنطن إغلاق منافذ إيران الاقتصادية، كشفت معلومات استخباراتية جديدة أن روسيا بدأت نقل مكونات للطائرات المسيّرة وذخائر ومادة «تي إن تي» المتفجرة إلى طهران عبر بحر قزوين.

وهكذا ظهرت في اليوم نفسه حركتان متعاكستان: الولايات المتحدة تحاول تجفيف الشريان، وروسيا تفتح له طريقًا لا تصل إليه البحرية الأمريكية.

الحرب لم تعد بين واشنطن وطهران وحدهما؛ بل بين مَن يخنق إيران ومَن يمنعها من الاختناق.

ترامب يطارد الشريان

لم يحدد ترامب حتى الآن قائمة الدول والمؤسسات المستهدفة، ولا طبيعة العقوبات التي ستفرض عليها، لكنه وسّع دائرة الحرب الاقتصادية من إيران إلى شبكة علاقاتها الخارجية.

ولا تعني عبارة «شريان حياة» المساعدات الحكومية المباشرة فقط؛ بل يمكن أن تشمل:

  • شراء النفط الإيراني أو تسويقه.
  • معالجة المدفوعات والتحويلات المالية.
  • توفير قطع الغيار والمكونات الصناعية والعسكرية.
  • تسجيل السفن أو تأمينها وإخفاء ملكيتها.
  • استخدام شركات وسيطة وموانئ ومطارات لنقل السلع.
  • مساعدة إيران على الالتفاف على الحصار البحري والعقوبات.

وهذا هو الفارق بين العقوبات على إيران والعقوبات الثانوية: الأولى تمنع المؤسسات الأمريكية من التعامل معها، أما الثانية فتضع العالم أمام خيار بين السوق الإيرانية والوصول إلى الاقتصاد الأمريكي.

لكن اتساع التهديد يكشف كذلك صعوبة تنفيذه؛ لأن الأطراف التي تستطيع منح إيران شريانًا حقيقيًا ليست شركات صغيرة فقط، بل دول كبرى مثل روسيا والصين.

فإذا نفذت واشنطن تهديدها كاملًا، فقد تتحول الحرب الاقتصادية على إيران إلى مواجهة تجارية ومالية مع دول تملك القدرة على الرد. وإذا استثنت الأطراف الكبيرة واكتفت بمعاقبة الشركات الأضعف، فقد تفقد العملية جزءًا من صدقيتها.

ترامب يستطيع تهديد كل من يساعد إيران؛ لكن نجاح التهديد يتوقف على قدرته على معاقبة مَن لا يخشى العقوبة بسهولة.

روسيا تفتح قزوين

أفادت معلومات من وثيقة حكومية أوروبية، أكدها مسؤول غربي، بأن روسيا تنقل إلى إيران مكونات للمسيّرات وذخائر ومادة «تي إن تي» عبر بحر قزوين، لمساعدتها على تعويض جزء من مخزونها المتضرر خلال الغارات الأمريكية والإسرائيلية.

ولم تعلن موسكو أو طهران تفاصيل هذه الشحنات، كما لا توجد معلومات علنية كافية عن كمياتها أو مواعيد وصولها. ولذلك ينبغي التعامل معها بوصفها معلومات استخباراتية قوية الدلالة، لا سجلًا مكتملًا لما تسلمته إيران بالفعل.

لكن اختيار بحر قزوين مهم؛ فهو بحر مغلق لا تملك الولايات المتحدة أو حلفاؤها وجودًا بحريًا دائمًا داخله، وتطل عليه روسيا وإيران مباشرةً، ما يسمح بنقل الشحنات بينهما بعيدًا عن نقاط التفتيش الغربية والممرات التي تستطيع البحرية الأمريكية مراقبتها.

ولا تعني المكونات الروسية أن إيران استعادت ترسانتها أو قدرتها السابقة؛ فتعويض منصات الإطلاق والمصانع وشبكات القيادة والدفاعات الجوية يحتاج إلى وقت وقدرات تتجاوز شحنات الذخيرة والمتفجرات.

لكنها تمنح طهران ما تحتاج إليه لمرحلة الاستنزاف: ذخائر أقل تعقيدًا، ومكونات يمكن تجميعها، ومواد تسمح بإعادة تشغيل جزء من خطوط إنتاج المسيّرات.

موسكو لا تعيد بناء القوة الإيرانية كاملةً؛ لكنها قد تمنع وصولها إلى الدرجة التي تريدها واشنطن من العجز.

ماذا تريد روسيا؟

لا تحتاج روسيا إلى انتصار إيراني كامل كي تستفيد.

يكفيها أن تبقى إيران قادرة على إشغال الولايات المتحدة، واستنزاف ذخيرتها ومواردها، ورفع كلفة وجودها العسكري، ومنعها من نقل كامل تركيزها إلى أوروبا أو مناطق أخرى.

كما تستفيد موسكو اقتصاديًا من ارتفاع أسعار الطاقة، ومن ازدياد الطلب الصيني على النفط الروسي بعد تراجع الإمدادات الإيرانية واضطراب طرق الخليج.

ولهذا قد يكون الدعم الروسي محسوبًا بعناية: كمية تكفي لإطالة قدرة إيران على المقاومة، من دون الدخول رسميًا في الحرب أو منح طهران أسلحة تغير ميزانها بصورة تستدعي مواجهة أمريكية مباشرة مع موسكو.

وتضع هذه الشحنات تصريح ترامب أمام أول اختبار عملي؛ فإذا كان كل شريان لإيران سيواجه عواقب اقتصادية، فإن الطريق عبر قزوين يقود مباشرةً إلى روسيا.

إسرائيل تغادر العبء

انسحبت إسرائيل إلى حد كبير من القتال المباشر، على الرغم من أن الحرب لم تحقق جميع أهدافها المعلنة، ولم يُفتح مضيق هرمز، ولم يُحسم الملف النووي، ولم تفقد إيران قدرتها على إطلاق المسيّرات والصواريخ أو إعادة تصنيعها.

فهل يعني ذلك أن إسرائيل حققت أهدافها؟

الإجابة الأدق: حققت جزءًا مهمًا من أهدافها العسكرية، لكنها لم تحقق نهايةً سياسية للحرب.

نجحت الضربات الإسرائيلية والأمريكية في إضعاف الدفاعات الجوية الإيرانية، وقتل قيادات سياسية وعسكرية، وتدمير منشآت وقواعد، وتقليص جانب من قدرات الصواريخ والمسيّرات، وضرب القوات البحرية ومراكز القيادة.

كما نقلت إسرائيل الخطر الإيراني من تهديد تواجهه منفردة إلى حرب تخوضها الولايات المتحدة مباشرةً، وأصبحت حماية إسرائيل وإضعاف إيران جزءًا من عبء عسكري أمريكي مستمر.

ومن هذه الزاوية، تستطيع إسرائيل تقليل مشاركتها بعدما حققت حدًا مقبولًا من إضعاف خصمها، مع احتفاظها بحق العودة إلى الضرب إذا رأت أن إيران تعيد بناء تهديد مباشر ضدها.

لماذا انسحبت إسرائيل؟

لا يمكن رد الانسحاب الإسرائيلي إلى سبب واحد، لكن مجموعة عوامل تفسره:

أولًا، تختلف النهاية التي تريدها إسرائيل عن النهاية التي تحتاج إليها الولايات المتحدة. فإسرائيل يكفيها أن تبقى إيران ضعيفة ومنشغلة وغير قادرة على بناء تهديد قريب، بينما تحتاج واشنطن إلى اتفاق يفتح هرمز، وينهي الحصار، ويضبط البرنامج النووي، ويحمي القواعد والحلفاء ويبرر كلفة الحرب أمام الناخب الأمريكي.

ثانيًا، خفض المشاركة يقلل تعرض المدن الإسرائيلية للصواريخ، ويحافظ على الذخائر ومنظومات الاعتراض، ويتيح للجيش إعادة توزيع قدراته على غزة ولبنان وسوريا.

ثالثًا، قد ترى إسرائيل أن مواصلة الولايات المتحدة الحصار والضغط الاقتصادي تحقق أهدافًا إسرائيلية من دون أن تتحمل تل أبيب الكلفة العسكرية والسياسية نفسها.

ورابعًا، لم يعد استمرار الضربات الجوية يضمن نتائج استراتيجية جديدة؛ فالأهداف الكبيرة ضُربت، بينما يحتاج القضاء الكامل على القدرات المتبقية إلى حرب أطول، ومعلومات أدق، وتكرار الغارات على منشآت يعاد بناؤها أو نقلها.

إسرائيل لم تنهِ حربها مع إيران؛ بل أنهت الجزء الذي رأت أن عائده يبرر كلفته، وتركت للولايات المتحدة مهمة تحويل الضربات إلى نهاية سياسية.

نجاح البداية وفشل النهاية

دخلت الولايات المتحدة الحرب وهي تملك تفوقًا جويًا وبحريًا وتقنيًا يسمح لها بضرب أهداف واسعة داخل إيران.

لكن التفوق العسكري لا يجيب وحده عن سؤال: ماذا يحدث في اليوم التالي؟

فقد أعلنت واشنطن وطهران اتفاقين لوقف إطلاق النار، في أبريل ويونيو، بهدف استعادة التدفق الطبيعي للملاحة عبر هرمز والانتقال نحو إنهاء الحرب. لكن الاتفاقين انهارا؛ لأن الطرفين لم يتفقا على ترتيب التنفيذ ولا على الثمن المتبادل.

تريد إيران رفع الحصار والعقوبات والإفراج عن أموالها قبل إعادة الملاحة إلى طبيعتها، بينما تريد الولايات المتحدة فتح المضيق والتحقق من الالتزام الإيراني قبل تقديم التنازلات.

وهنا تظهر مشكلة الاستراتيجية الأمريكية: نجحت واشنطن في إضعاف إيران عسكريًا، لكنها لم تستطع تحويل الضعف إلى استسلام أو اتفاق أو ممر مفتوح.

وانتقال ترامب اليوم إلى «الحرب الاقتصادية الساحقة» يؤكد أن القوة العسكرية لم تنتج النهاية المطلوبة، فاستُبدلت القنابل بمحاولة تجفيف القدرة على الصمود.

نجحت الولايات المتحدة في دخول الحرب، لكنها لا تزال تبحث داخل العقوبات والحصار عن باب للخروج منها.

هرمز يحسم الحقيقة

عبرت تسع سفن تجارية فقط مضيق هرمز يوم الأربعاء، وهو العدد نفسه المسجل في اليوم السابق، مقارنة بأكثر من 130 سفينة يوميًا قبل الحرب.

وتراجعت حركة السفن عبر باب المندب إلى 27 سفينة، مقابل 32 سفينة في اليوم السابق، مع احتمال وجود حركة إضافية لسفن أوقفت أجهزة التتبع.

وتكشف هذه الأرقام أن ادعاء فتح هرمز لا يزال سياسيًا أكثر منه تجاريًا؛ فالممر لا يعود إلى العمل عندما تعبره سفن محدودة، بل عندما تستعيد شركات النقل والتأمين والناقلات العملاقة ثقتها بقدرته على العمل من دون حماية استثنائية.

المضيق لا يصوّت بالتصريحات؛ يصوّت بعدد السفن التي تجرؤ على العبور.

الطاقة تدفع الكلفة

ارتفع خام برنت إلى نحو 92 دولارًا للبرميل، فيما بقيت أسواق الوقود المكرر تحت ضغط أكبر من سعر النفط الخام نفسه.

فالحرب أخرجت جزءًا من طاقة التكرير في الشرق الأوسط من الخدمة، وأربكت نقل الديزل والبنزين ووقود الطائرات، ما يعني أن آثارها قد تستمر حتى إذا هدأت أسعار الخام.

كما بدأت الصين زيادة اعتمادها على النفط الروسي لتعويض تراجع الإمدادات الإيرانية، وهو ما ضيّق الخيارات أمام الهند ورفع المنافسة الآسيوية على البراميل البديلة.

وهكذا تعيد الحرب توزيع تجارة الطاقة: إيران تخسر مشترين، وروسيا تكسب طلبًا، والصين تغير المصدر، والهند تدفع كلفة المنافسة، بينما يتحمل المستهلك العالمي ارتفاع الوقود والتضخم.

ما بين السطور

يكشف اليوم 169 أن الحرب دخلت مرحلةً مختلفة.

لم تعد الولايات المتحدة تحاول فقط تدمير قدرات إيران، بل منع العالم من مساعدتها على إعادة بنائها. ولم تعد روسيا تكتفي بالاعتراض السياسي، بل بدأت—وفق المعلومات الجديدة—إرسال المواد التي تسمح لطهران باستعادة جزء من قدرتها على الاستنزاف.

أما إسرائيل، فقد تراجعت بعدما حصلت على أهم ما تحتاج إليه: إضعاف الخصم، وإدخال الولايات المتحدة في المواجهة، وإبعاد الجزء الأكبر من العبء المباشر عنها.

لكن ما يعد نجاحًا إسرائيليًا مرحليًا لا يشكل بالضرورة نجاحًا أمريكيًا؛ لأن الولايات المتحدة ورثت الملفات التي لا تحلها الغارة الجوية: هرمز، والبرنامج النووي، والحصار، ومستقبل النظام، وحماية الحلفاء، وطريقة إنهاء الحرب.

وهذا يفسر انتقال ترامب من استهداف إيران إلى استهداف مَن يتعامل معها؛ فعندما لا تُنتج الضربة اتفاقًا، يصبح منع الخصم من التعافي هو البديل المتاح.

إسرائيل سعت إلى جعل إيران أضعف؛ أما الولايات المتحدة فتحتاج إلى جعل ضعفها ينتج اتفاقًا، وهنا يقع الفرق بين تحقيق هدف عسكري وصناعة نهاية سياسية.

التقدير

لن تؤدي الشحنات الروسية وحدها إلى استعادة إيران قدراتها السابقة، لكنها قد تطيل قدرتها على الرفض، وتمنحها وسائل كافية لتنفيذ هجمات محدودة أو مواصلة تهديد الملاحة.

وسيكون المؤشر الأهم هو ما إذا كانت واشنطن ستعاقب جهات روسية مرتبطة بطريق قزوين، أم ستتجنب توسيع المواجهة إلى موسكو وتكتفي بملاحقة الوسطاء الأضعف.

كما ستكون الصين الاختبار الأكبر للحرب الاقتصادية؛ فهي سوق رئيسية للنفط الإيراني، وأي محاولة لإجبارها على التوقف قد تنقل الأزمة إلى العلاقات بين أكبر اقتصادين في العالم.

أما عسكريًا، فالأرجح أن تبقى إسرائيل خارج الجزء الأكبر من القتال ما لم تعاود إيران بناء قدرة تهددها مباشرةً، أو يفشل الضغط الأمريكي إلى درجة تدفع تل أبيب للعودة إلى الضربات.

ولا تبدو الحرب قريبة من نهاية حقيقية؛ فإيران تحصل على أدوات للبقاء، وروسيا تمنع عزلها الكامل، وواشنطن توسع الحصار، وإسرائيل تراقب من مسافة أقل كلفة، بينما لا يزال هرمز شبه مغلق.

في اليوم 169، لم تعد الولايات المتحدة تحاصر إيران وحدها؛ بل بدأت تحاصر كل طريق يؤدي إليها، لكن بحر قزوين كشف أن إغلاق جميع الطرق قد يكون أصعب من بدء الحرب نفسها.