هرمز بلا ألغام
ترامب يعلن تطهير المياه الدولية في المضيق ويتوعد بتدمير أي سفينة تعيد زرع الألغام، فيما تبدأ واشنطن إعادة دبلوماسييها إلى المنطقة، لكن الملاحة تبقى بعيدة عن مستوياتها الطبيعية
25 أغسطس 2026
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إزالة جميع الألغام أو تفجيرها في المياه الدولية بمضيق هرمز، محذرًا إيران من أن أي سفينة أو قارب يحاول زرع ألغام جديدة سيتعرض للتدمير.
وقال إن الولايات المتحدة تراقب «كل شبر» من المضيق، وإن سياسة عدم التسامح مع زرع الألغام أصبحت نافذة بالكامل.
وأكد مسؤولان أمريكيان اكتمال تطهير الممر الملاحي الرئيس الذي تستخدمه السفن لعبور المضيق، بعد عملية نفذتها القوات الأمريكية خلال الأشهر الماضية.
الممر لم يُفتح
يمثل الإعلان تحولًا عملياتيًا مهمًا؛ إذ أزالت واشنطن أحد أخطر التهديدات المادية للملاحة، لكنها لم تعلن عودة حركة السفن إلى وضعها الطبيعي.
فإزالة الألغام لا تنهي قدرة إيران على تهديد الناقلات بالصواريخ والطائرات المسيّرة والقوارب المسلحة، ولا تلغي القيود وقوائم السفن والغرامات التي حاولت طهران فرضها.
وما تزال صادرات النفط العابرة للمضيق عند نحو خمسة ملايين برميل يوميًا، مقارنة بأكثر من عشرين مليون برميل قبل الحرب.
وبذلك، أصبح الممر أقل خطرًا تحت سطح الماء، لكنه لم يصبح آمنًا بالكامل فوقه.
الدبلوماسيون يعودون
بالتزامن، بدأت الولايات المتحدة إعادة موظفين إلى بعثاتها الدبلوماسية في السعودية ولبنان وإسرائيل والعراق، بعد تقليص أعدادهم مع تصاعد الحرب.
كما سُمح لأفراد عائلات العاملين في السفارة الأمريكية بالرياض بالعودة، فيما تستعد بعثات أخرى في الأردن وعُمان والكويت وقطر لزيادة مستوياتها التشغيلية.
ولا تعني هذه الخطوة انتهاء الخطر، لكنها تكشف أن التقدير الأمني الأمريكي لم يعد يتوقع مواجهة عسكرية واسعة وفورية بالمستوى الذي استدعى الإجلاء وتقليص البعثات.
النفط يقرأ التهدئة
استقبلت أسواق النفط التطورات باعتبارها تخفيفًا لاحتمال التصعيد، فانخفضت الأسعار بأكثر من 4%، وتراجع خام برنت إلى نحو 88.34 دولارًا للبرميل، وخام غرب تكساس إلى 81.67 دولارًا.
ولم تتعامل الأسواق مع العقوبات الأمريكية الجديدة بوصفها حصارًا مكتملًا؛ لأن واشنطن لم تستهدف المصارف الصينية الكبرى، ولم تحدد بعد الدول التي ستواجه العزل عن النظام المالي الدولاري أو موعد بدء تطبيقه.
الحصار يصل إلى الوقود
في المقابل، بدأت آثار الضغط تظهر بوضوح داخل إيران، حيث تشكلت طوابير أمام محطات الوقود في طهران ومدن أخرى، وسط نقص في إمدادات البنزين.
وتشير تقديرات إلى عجز يبلغ نحو 15 مليون لتر يوميًا، في وقت يقترب فيه التضخم من 90%، وتراجعت العملة الإيرانية إلى نحو مليوني ريال إيراني مقابل الدولار.
ويضع نقص الوقود الحكومة الإيرانية أمام خيار صعب: تقليص الدعم ورفع الأسعار بما قد يثير غضبًا داخليًا، أو الاستمرار في تمويل منظومة أصبحت أكثر كلفة تحت الحصار والعقوبات.
من يملك هرمز؟
يبقى السؤال الأهم: ماذا تكسب الولايات المتحدة من عملية عسكرية واقتصادية تبدو بهذا الحجم؟
المكسب الأمريكي لا يقتصر على إزالة الألغام وإعادة الملاحة؛ بل يتمثل في انتزاع مضيق هرمز من يد إيران بوصفه أداة للضغط، وتحويل أمنه إلى مسؤولية أمريكية مباشرة. وبهذا تستعيد واشنطن قدرتها على حماية تدفق الطاقة، وطمأنة حلفائها، وإعادة بناء الردع، والضغط على طهران للتفاوض من موقع أضعف، مع وضع شركائها التجاريين أمام الاختيار بين إيران والنظام المالي القائم على الدولار.
ومن هنا يمكن فهم تصريح الرئيس دونالد ترامب بأنه يعدّ مضيق هرمز «أرضًا أمريكية». فالعبارة لا تمنح الولايات المتحدة سيادة قانونية على المضيق، لكنها تعلن مفهومًا آخر للسيطرة: أن تكون واشنطن هي القوة التي تحمي الممر، وتحدد شروط العبور فيه، وتمنع إيران من استخدامه متى أرادت.
لكن هذا يفتح سؤالًا أكثر حساسية: هل المواجهة كلها مسرحية منسقة بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل؟
يثبت تاريخ العلاقات بين الأطراف الثلاثة أن العداء العلني لم يمنع الاتصالات والصفقات السرية عندما التقت المصالح. وهذا ما وثقه تريتا بارسي في كتابه «حلف المصالح المشتركة»، كما أكدته وقائع «إيران–كونترا»، حين وصلت أسلحة أمريكية إلى إيران عبر إسرائيل في ذروة الخصومة المعلنة.
غير أن السوابق لا تكفي لإثبات وجود مسرحية مشتركة اليوم. والأقرب أن ما يجري مواجهة حقيقية تحكمها حدود غير معلنة: تضرب الولايات المتحدة وإسرائيل لإضعاف إيران دون إسقاط الدولة، وترد طهران بما يحفظ صورة النظام دون استدعاء الضربة التي تنهيه، بينما تبقى قنوات الوسطاء مفتوحة لمنع الحرب من تجاوز السقف الذي يستطيع الجميع تحمله.
وهذا لا يعني أن الأطراف اتفقت على نص واحد؛ بل إن كل طرف يحاول كتابة نهاية تخدمه. الولايات المتحدة تريد استعادة السيطرة على هرمز، وإسرائيل تريد إضعاف القدرات الإيرانية، والنظام الإيراني يريد البقاء وتحويل صموده إلى نصر سياسي.
لذلك، قد لا تكون الحرب مسرحية منسقة، لكنها ليست أيضًا مواجهة بلا ضوابط. إنها حرب حقيقية تتخللها رسائل واتصالات وحسابات دقيقة، ويعرف كل طرف فيها أين يضغط، ومتى يتوقف، وما الذي يريد الاحتفاظ به إلى طاولة التفاوض.
الخلاصة
أُزيلت الألغام من الممر الرئيس، لكن الصراع على من يملك قرار هرمز لم ينتهِ.
فإيران خسرت جانبًا من قدرتها على تعطيل المضيق، بينما تحاول الولايات المتحدة تحويل الإنجاز العسكري إلى سيطرة سياسية وأمنية طويلة المدى. وبينهما تتحرك الوساطات بحثًا عن اتفاق يمنع عودة الألغام والسفن الحربية والعقوبات إلى الواجهة.
ويبقى السؤال:
هل أزالت الولايات المتحدة ألغام هرمز لإنهاء الحرب، أم لتنتزع السيطرة على مسارها وتوقيت نهايتها؟