اليوم 167 : المهلة تصبح إنذارًا

news image

 واشنطن ترفض تمديد تفاهم الستين يومًا، وطهران تمنحها «أسابيع قليلة» قبل الانتقال إلى الهجوم؛ ومقذوف يصيب سفينة في هرمز بينما تستأنف السعودية تحميل النفط بحذر

 

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

لم تنتهِ مهلة الستين يومًا باتفاق سلام، لكنها لم تنتهِ أيضًا بعودة فورية إلى الحرب الشاملة.

ما حدث أخطر من مجرد فشل موعد دبلوماسي؛ فقد استبدل الطرفان المهلة المشتركة بساعتين منفصلتين: الولايات المتحدة تتمسك بحصارها من دون سقف زمني، وإيران تمنحها «أسابيع قليلة» لتنفيذ تفاهم يونيو، قبل الانتقال إلى عمل عسكري وصفته بأنه «دقيق وفي توقيته».

وبذلك لم يعد السؤال: متى يبدأ التفاوض؟ بل: أي الساعتين ستصل أولًا إلى لحظة الانفجار؟

من الدفاع إلى الهجوم

أبلغ مسؤول إيراني رفيع بأن طهران تستعد للانتقال من الوضع الدفاعي إلى «وضع هجومي كامل»، إذا أخفقت الوساطات ولم تنفذ واشنطن بنود التفاهم المؤقت.

ووفق الرسالة الإيرانية، فإن العمل المحتمل لن يقتصر على مضيق هرمز، بل قد يمتد إلى نطاق إقليمي أوسع، بهدف كسر الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ والسفن الإيرانية.

ولا يعني ذلك أن قرار الهجوم اتُخذ بالفعل؛ فالحديث عن «أسابيع قليلة» يترك نافذة أخيرة للوسطاء. لكنه يحول الانتظار من فرصة مفتوحة للدبلوماسية إلى إنذار عسكري قابل للتنفيذ.

واللافت أن طهران لم تحدد تاريخًا علنيًا لانتهاء إنذارها، ما يمنحها حرية اختيار اللحظة والهدف، ويضع القوات الأمريكية ودول المنطقة أمام حالة تأهب ممتدة.

بعد إسقاط المهلة المشتركة، وضعت إيران مهلة غامضة من «أسابيع قليلة» من دون تحديد نهايتها؛ لتحتفظ بموعد التصعيد، وتستخدم الوقت في ترميم قدراتها واختبار خصومها، وربما انتظار حدث يمنحها مبررًا للهجوم. فهي لا تمدد الزمن لأنها تملكه، بل لأنها تبحث داخله عن لحظة يكون فيها الهجوم أقل كلفة وأكثر قابلية للتبرير.

ترامب يلغي الساعة

في المقابل، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن بلاده لا تسعى إلى تمديد تفاهم يونيو، وقلل من أهمية انتهاء مهلة الستين يومًا، قائلًا إنه لا يوجد جدول زمني يلزم واشنطن.

وهنا تظهر المفارقة: الولايات المتحدة ترفض تمديد الاتفاق رسميًا، لكنها لا تغلق قنوات الاتصال عمليًا.

فقد كُشف عن قناة خلفية أوصلت رسالة أمريكية إلى قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، في محاولة للتأكد من أن المفاوضين الإيرانيين قادرون على إلزام المؤسسة العسكرية بأي اتفاق محتمل.

واشنطن لا تفاوض إيران عبر باب واحد؛ فهي تضغط على الدولة بالحصار، وتتواصل مع مركز القوة العسكرية من الباب الخلفي.

وهذا يكشف أن المشكلة الأمريكية لم تعد في صياغة الاتفاق وحدها، بل في تحديد الجهة الإيرانية التي تستطيع ضمان تنفيذه.

ضربة بعد المهلة

في أول تطور ميداني لافت بعد انتهاء المهلة، أصاب مقذوف مجهول سفينة كانت تغادر مضيق هرمز، متسببًا في أضرار داخل غرفة المحركات ووقوع إصابة بين أفراد الطاقم.

وتدخل خفر السواحل العماني لمساعدة بقية الطاقم، فيما لم تُعلن هوية الجهة المنفذة، ولم تُسجل أضرار بيئية حتى الآن.

ولا تسمح المعلومات المتاحة باتهام إيران مباشرة، لكن توقيت الحادث يمنحه دلالة تتجاوز هوية الفاعل؛ فهو يقول لشركات الملاحة إن انتهاء المهلة لم يفتح الممر، وإن الإبحار ما زال قرارًا عالي المخاطر.

وقد يكون أخطر ما في الهجوم أنه وقع على سفينة خارجة من الخليج، ما يعني أن التفاهمات المقترحة بشأن فصل مساري الدخول والخروج لم تتحول بعد إلى ضمان أمني فعلي.

ست سفن فقط

عبرت ست سفن تجارية المضيق يوم الاثنين؛ ثلاث دخلت الخليج وثلاث غادرته، مقارنة بمتوسط عشرة أيام يبلغ 11 سفينة، وأكثر من 130 سفينة يوميًا قبل الحرب.

ولم تكن بين السفن العابرة أي ناقلة نفط عملاقة أو ناقلة للغاز الطبيعي المسال، ما يؤكد أن الزيادة المحدودة في العدد لا تعني عودة الملاحة التجارية.

وعبرت بعض السفن من المسار القريب من إيران، لكن السفن الكبرى وشركات التأمين لا تزال تنتظر اتفاقًا مكتوبًا وضمانات قابلة للتنفيذ، لا تفاهمات سياسية قابلة للتراجع. 

المضيق مفتوح على الخريطة، لكنه شبه مغلق في حسابات التجارة.

ممر عُمان المعلق

تقول إيران وعُمان إنهما توصلتا إلى تفاهم بشأن خريطة مرور السفن، يقوم على تخصيص مسار للدخول قريب من الجانب الإيراني، وآخر للخروج بمحاذاة عُمان، من دون رسوم خلال مرحلة مؤقتة.

لكن البيان النهائي لم يصدر، لأن الخلاف لم يعد فنيًا حول خطوط الملاحة فقط؛ بل سياسيًا حول من يمتلك حق إدارة الممر، ومن يمنح السفن الإذن، وما إذا كان فتحه سيسبق رفع الحصار الأمريكي أم يأتي بعده.

وزاد ترامب الضغط على مسقط بتصريح بالغ الحدة، نُقل عنه من دون نشر تسجيل صوتي، هدد فيه بضرب عُمان إذا أعاقت فتح المضيق. 

ولا يبدو أن المقصود هو استعداد أمريكي فعلي لضرب دولة حليفة؛ بل محاولة منع اتفاق إيراني–عُماني يمنح طهران اعترافًا عمليًا بحق التحكم في حركة الملاحة.

فالخلاف الحقيقي ليس على مرور السفن فقط، بل على هوية صاحب المفتاح.

السعودية تختبر العبور

في تطور اقتصادي مهم، استأنفت أرامكو تحميل النفط من موانئ رأس تنورة والجعيمة الواقعة داخل المضيق، بعد توقف استمر نحو ثلاثة أسابيع إثر الهجمات التي طالت ناقلات خلال التصعيد السابق.

وحمّلت ثلاث ناقلات عملاقة مليوني برميل لكل منها بين 12 و16 أغسطس، فيما تشير بيانات أولية إلى استعداد ست ناقلات أخرى للتحميل خلال الشهر.

كما عرضت أرامكو شحنات فورية من الخامين العربي المتوسط والعربي الثقيل، مع إمكان نقلها من سفينة إلى أخرى قبالة الفجيرة. استئناف التحميل السعودي

لكن هذه العودة لا تعني استعادة المسار طبيعته؛ فهي عملية محسوبة تستخدم عددًا محدودًا من السفن ومسارات تحميل أكثر مرونة.

والرسالة السعودية مزدوجة: المملكة لا تسلّم بإغلاق هرمز، لكنها لا تتعامل معه كذلك بوصفه ممرًا آمنًا بالكامل.

الصين تغادر الممرات

وفي مقابل الاختبار السعودي، أوقفت شركتا شحن صينيتان حكوميتان كبيرتان إرسال ناقلاتهما عبر مضيقي هرمز وباب المندب، وبدأتا تحميل النفط من موانئ خارج الخليج أو قريبة من عُمان والفجيرة.

وتدير الشركتان أكثر من مئة ناقلة عملاقة، وكانتا تنقلان قرابة نصف واردات الصين النفطية من الشرق الأوسط قبل الحرب. 

وهذا التحول مهم؛ لأن الصين ليست طرفًا عسكريًا في الحرب، لكنها بدأت تعيد تشكيل طرق حصولها على الطاقة كما لو أن اضطراب الممرات سيستمر طويلًا.

حين تغيّر أكبر دولة مستوردة للنفط مسارات أسطولها، يتحول الخطر من حادث مؤقت إلى واقع تجاري جديد.

النفط يصوّت ضد السلام

ارتفع خام برنت إلى نحو 91.76 دولارًا للبرميل، مسجلًا ثالث جلسة متتالية من المكاسب، فيما صعد الخام الأمريكي إلى 85.55 دولارًا.

ولا يعكس الارتفاع نقص الإمدادات وحده؛ بل حكم السوق على المسار السياسي: لا اتفاق قريب، ولا فتح كامل لهرمز، ولا ضمان بأن الإنذار الإيراني سيمر من دون تنفيذ. 

ما بين السطور

الجديد في اليوم 167 ليس انتهاء المهلة؛ فقد كان فشلها متوقعًا مع استمرار الحصار وتعثر الملاحة.

الجديد هو أن الطرفين تخلصا من الالتزام بساعة واحدة:

  • ترامب ألغى عمليًا السقف الزمني الأمريكي.
  • إيران صنعت سقفًا جديدًا من طرف واحد.
  • عُمان تحاول تثبيت ممر بحري قبل انفجار الساعتين.
  • السعودية تختبر قدرة المضيق على العمل.
  • الصين تتصرف على أساس أن التعطل طويل الأمد.

وهذا يعني أن الصراع انتقل من مرحلة التفاوض تحت مهلة إلى مرحلة الردع تحت إنذار.

أما القناة الأمريكية مع الحرس الثوري، فهي أهم خيط دبلوماسي بين الأسطر؛ إذ تؤكد أن واشنطن، رغم تهديداتها، تبحث عن الجهة القادرة على منع الهجوم الإيراني التالي.

التقدير

الأرجح أن طهران لن تبدأ خلال الساعات المقبلة مواجهة شاملة؛ فهي منحت نفسها «أسابيع»، لا أيامًا، وتريد استخدام الإنذار لتحسين شروطها قبل تنفيذه.

لكن استهداف السفينة يوضح أن الميدان قد يسبق القرار السياسي، سواء بهجوم إيراني محدود، أو عمل تنفذه جهة مرتبطة بها، أو حادث يُساء تفسيره.

وتجعل اتفاقية مكة أي هجوم مباشر، إيراني أو من غير إيران، على السعودية أو تركيا أو باكستان اختبارًا لصدقية الدفاع المشترك، بما يرفع كلفة سوء الحساب ويضيق مساحة العمليات التي يمكن وصفها بأنها محدودة.

وسيكون المؤشر الحاسم خلال الأيام المقبلة واحدًا من ثلاثة:

صدور البيان الإيراني–العُماني، أو توقف الاعتداءات على السفن، أو بدء تنفيذ متبادل يربط فتح هرمز بتخفيف الحصار.

أما إذا بقيت المفاوضات سرية، واستمرت السفن تُستهدف، وبدأت إيران تسمّي موعد إنذارها، فسيكون اليوم 167 بداية العد التنازلي الجديد، لا امتدادًا للمهلة المنتهية.

انتهت ستون يومًا من دون سلام؛ وبدأت بعدها أسابيع لا يعرف أحد كم بقي منها قبل الضربة.