مفاوضات الأرجوحة

news image

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة بث | B
إشراف: عبدالله العميره

ما يقارب شهرين
والمشهد يدور كأرجوحة لا تتوقف.

أول النهار:
“الاتفاق بات قريبًا”.

آخر النهار:
“الخلافات ما زالت عميقة”.

أول النهار:
وسائل إعلام تتحدث عن:
“انفراد خطير”
و”تسريبات حاسمة”
و”مصادر مطلعة جدًا”.

وفي آخر النهار
يصمت الجميع فجأة
وكأن شيئًا لم يكن.

عجلة تدور..
لكنها فارغة من الهواء.

تغرز في الأرض أكثر مما تتحرك.

والمفارقة أن بعض وسائل الإعلام تتعامل مع كل تسريب وكأنه:
فتح القسطنطينية.

ثم تعود بعد ساعات لتبتلع العنوان
وتنتقل إلى “انفراد” جديد
دون أن تسأل نفسها:
هل كانت تعرف فعلًا ما يحدث؟

أم أنها كانت مجرد جزء من ضجيج التفاوض؟

المشكلة أن كثيرًا من الإعلام لا يشارك في صناعة الحدث
ولا يمتلك مفاتيح غرف القرار
لكنه يتحرك أحيانًا بثقة مبالغ فيها
وكأنه يجلس داخل غرفة المفاوضات نفسها.

والنتيجة:
تأرجح جماعي في الإدراك.

الرأي العام يستيقظ على:
حرب.

وينام على:
سلام.

ثم يصحو مجددًا على:
“احتمال انهيار الاتفاق”.

ثم يعود المساء ليحمل:
“أجواء إيجابية”.

حتى أصبح المشهد وكأن العالم كله يعيش داخل:
شريط أخبار مرتبك
يديره التوتر أكثر مما تديره المعلومة.

وهنا يظهر السؤال الأخطر:

من يدير الإعلام فعلًا؟

السياسي؟
أم المفاوض؟
أم أجهزة الاستخبارات؟
أم الخوارزميات؟
أم غرف التسريب المنظمة؟
أم إعلاميون يلهثون خلف السبق ولو سقط المعنى؟

الحقيقة أن الجميع يدير الجميع بطريقة ما.

السياسي يستخدم الإعلام:
للضغط
والجسّ
واختبار ردود الفعل.

والإعلام يستخدم السياسي:
لصناعة الإثارة
ورفع المشاهدات
وخلق “الحدث المستمر”.

أما الرأي العام
فيجلس في المنتصف
مثل مشاهد يتابع مباراة لا يعرف:
من يلعب
ولا أين المرمى
ولا هل انتهت المباراة أصلًا.

لكن الخاسر الحقيقي هنا ليس طرفًا واحدًا.

الرأي العام يخسر حين يتحول إلى:
متلقٍ مرهق
يتأرجح يوميًا بين:
الخوف
والأمل
والإشاعة
والتضليل.

والإعلام يخسر حين يظهر:
مرتبكًا
ومتسرعًا
وغير قادر على التفريق بين:
المعلومة
والتسريب
والحرب النفسية.

أما السياسي الذي لا يفهم تأثير الإعلام
فقد يظن أن:
الغموض
والتسريبات
والتناقض
مجرد أدوات تفاوض ذكية.

بينما الحقيقة أن الإفراط فيها قد يهز:
الثقة
والمصداقية
واستقرار الوعي العام.

لكن ربما أخطر ما في المشهد
أن بعض الأطراف لم يعد يعنيها الرأي العام أصلًا.

المهم فقط:
إدارة اللحظة
وكسب الوقت
وتحريك الأسواق
وضبط الأعصاب.

وهنا يتحول الإعلام من:
أداة وعي
إلى:
جزء من معركة إدارة الإدراك.

وفي الأزمات الطويلة
لا يعود السؤال:
من انتصر؟

بل:
من حافظ على عقله وسط هذا الضجيج؟

لكن هل يمكن للإعلام أن يتحكم في “الأرجوحة” بدل أن يصبح جزءًا منها؟

نعم
حين يتوقف عن لعب دور:
الراكب المرتبك
ويتحول إلى:
قائد إدراك.

القائد الإعلامي الحقيقي ليس من يصرخ أولًا:
“عاجل”.

ولا من يلهث خلف:
التسريبات
والسبق
والإثارة.

بل من يمتلك القدرة على:
الفرز
والفهم
وضبط الإيقاع
ومنع الرأي العام من السقوط داخل الفوضى النفسية.

الإعلامي المحترف لا يتحرك مع كل دفعة في الأرجوحة.

بل يراقب:
من يدفعها
ولماذا
وإلى أين يريد أن تصل.

ولهذا لا يتحكم بالإعلام:
الناقل السريع فقط.

بل:
العقل الهادئ.

العقل القادر على:
فصل المعلومة عن الحرب النفسية
وفصل التسريب المقصود عن الحقيقة
وفهم التوقيت قبل العنوان.

القائد الإعلامي الحقيقي لا يسمح بأن يتحول الجمهور إلى:
ضحية توتر يومي.

بل يبني:
وعيًا متزنًا
وإيقاعًا هادئًا
وثقة طويلة المدى.

وفي الأزمات الكبرى
أخطر ما يمكن أن يفعله الإعلام:
أن يصبح جزءًا من الأرجوحة نفسها.

لأن الإعلام حين يفقد توازنه
يفقد معه الناس:
البوصلة
والثقة
والقدرة على الفهم.

أما الإعلام الناضج
فهو الذي يعرف متى:
ينقل
ومتى يشكك
ومتى يصمت
ومتى يقول للرأي العام:

“ليس كل ما يُقال حقيقة.. وليس كل ضجيج حدثًا”.

أرجوحة السياسيين تحتاج إلى:
إدارة إعلامية خبيرة 
وعقلية ناضجة 
واحتراف هادئ 
ومهنيين عاليي الجودة.