يوم التأسيس.. مولد الدولة السعودية قبل ثلاثة قرون

news image

إعداد وتحليل
إدارة الإعلام الإستراتيجي – وكالة BETH

إشراف
عبدالله العميره

 

ليس يومًا في التقويم… بل لحظة في التاريخ

في 22 فبراير من كل عام، لا تستعيد المملكة العربية السعودية تاريخًا مضى فحسب، بل تستحضر لحظة ولادة فكرة.
فالدول لا تبدأ بالحدود، بل تبدأ بالقرار:
قرار أن يكون هناك كيان، ونظام، ومعنى للاستقرار في جغرافيا كانت تعيش على إيقاع القبيلة والفرقة وتنازع النفوذ.

يوم التأسيس ليس احتفالًا بماضٍ مكتمل،
بل استدعاءٌ لأول لحظة وعي سياسي تشكّل فيها مشروع الدولة على يد الإمام محمد بن سعود عام 1727م في الدرعية:
لحظة الانتقال من “المحلية المتفرقة” إلى “النواة السيادية”.

 

مراحل الدولة السعودية… الفكرة التي لم تنكسر

لم يكن مسار الدولة السعودية خطًا مستقيمًا، بل كان سلسلة من الانقطاع  القصير والاستئناف أكثر قوة:

  الدولة السعودية الأولى (1727–1818)
تأسيس الفكرة: كيان سياسي منضبط، يقوم على الأمن، وإدارة الموارد، وبناء الاستقرار في قلب الجزيرة العربية.
انتهت بالقوة العسكرية، لكن الفكرة راسخة لم تُهزم.

  الدولة السعودية الثانية (1824–1891)
استعادة المشروع .
ترميم الدولة في بيئة مضطربة إقليميًا وداخليًا.
حدثت كبوة للفارس مرة ثانية، لكن  لم تطل .. نهض الفارس والوعي بالدولة أصبح أعمق.

  الدولة السعودية الثالثة (1902–حتى اليوم)
هنا لم تعد الدولة مجرد استعادة،  عاصمة الكيان…
بل إعادة تعريف شاملة للدولة الحديثة:
من كيان سياسي إلى دولة مؤسسات، ثم إلى دولة مشروع حضاري وتنموي.

 

ماذا يعني “يوم التأسيس” اليوم؟

المعنى الحقيقي ليوم التأسيس لا يكمن في الزي التراثي، ولا في الطقوس الرمزية وحدها، بل في هذا السؤال:

ماذا يعني أن تمتلك دولة جذورًا تمتد ثلاثة قرون في منطقة لم تكن تعرف استقرار الدول؟

يعني أن الاستقرار في السعودية ليس طارئًا.
وأن فكرة الدولة هنا ليست مستوردة من الحداثة، بل نابعة من تجربة تاريخية طويلة في إدارة الأرض والناس والتوازنات.

يوم التأسيس يذكّر بأن السعودية لم تُبنَ فجأة مع االنفط، بل بنت حضارتها على قواعد راسخة من الدين والإرث العربي الأصيل،
 كانت دولة قبل الثروة… ثم صارت دولة تُعيد تعريف الثروة نفسها: اقتصادًا، وإنسانًا، ونفوذًا، مع رسوخ القواعد الأصلية.

 

من الدرعية إلى الرياض… انتقال الفكرة لا انتقال المكان

الدرعية ليست مجرد موقع تاريخي،
بل هي رمز انتقال العقل السياسي السعودي من “حماية المكان” إلى “بناء الدولة”.

واليوم، حين تقود الرياض مشروع التحول الوطني ورؤية 2030،
فإنها لا تبدأ من فراغ، بل من سلسلة متراكمة من تجارب الحكم، والبناء..

 

فكرة الدولة… حين يصبح الاستقرار مشروعًا لا حالة

الدول التي تعيش بلا جذور تاريخية طويلة، تبحث دائمًا عن شرعيتها في الخارج.
أما الدولة التي وُلدت من قرار داخلي منذ ثلاثة قرون،
فإن شرعيتها تُبنى من القدرة على الاستمرار والتكيّف والتجدد.

وهنا تكمن فرادة التجربة السعودية:
الدولة لم تبقَ لأنها قوية فقط،
بل لأنها تعلّمت من تجاربها.

 

خاتمة | يوم التأسيس ليس ماضيًا… بل اختبار للحاضر

الاحتفال بيوم التأسيس لا يكون  احتفالا بالماضي فقط، بل افتخارا بالماضي العريق، واعتزازا بالحاضر، والمستقبل،
هنا تبرز الفكرة:
فكرة الدولة كضمانة للاستقرار، وكإطار جامع، وكحاضنة للتنوع والتحديث.

يوم التأسيس ليس ذكرى،
بل مقياس:
مقياس لقدرتنا على تحويل الجذور إلى أفق،
والتاريخ إلى طاقة مستقبل.

 

 المكان و الدولة

يذهب بعض الخطاب السطحي إلى تصوير المملكة العربية السعودية بصورتها الحديثة كـ“كيان مصطنع” بلا عمق تاريخي، وكأن الجغرافيا وُلدت مع السياسة. هذه قراءة مبتورة للتاريخ والمكان معًا.

الواقع التاريخي أعمق من هذا التبسيط:

السعودية ليست “مكانًا مستحدثًا”، بل هي أرض مركزية في التاريخ الإنساني والديني والحضاري.
على هذه الجغرافيا قامت أعظم مدينتين في الوعي الإسلامي والإنساني:
مكة المكرمة والمدينة المنورة — مدينتان تتجاوز رمزيتهما أي تعريف سياسي حديث، وتمثلان عمقًا حضاريًا وروحيًا “أزليًا” في الذاكرة الإنسانية.

كما أن أرض الجزيرة العربية لم تكن فراغًا حضاريًا قبل الإسلام ولا بعده، بل شهدت حضارات واستيطانًا بشريًا متواصلًا سبق التدوين التاريخي في بعض مناطقه، وتداخلت فيه طرق التجارة، والديانات، والتجمعات العمرانية القديمة.

 

الجذور السياسية قبل “التأسيس”: من مانع المريدي إلى نواة الدولة

أما الحكم السعودي، فليس وليد لحظة التأسيس في 1727م بمعناها الرمزي الحديث فقط، بل يمتد بجذوره السياسية إلى ما قبل ذلك بقرون.

مانع بن ربيعة المريدي يُعدّ الجد الأعلى لأسرة آل سعود، ومؤسس الدرعية في وسط الجزيرة العربية عام 850هـ (1446م).
وهو يُمثّل البداية الفعلية لـ “الكيان المحلي الحاكم” الذي تشكّلت منه لاحقًا نواة الدولة السعودية الأولى.

أبرز المحطات:

عاد مانع المريدي من شرق الجزيرة العربية (منطقة القطيف) إلى وادي حنيفة

بدعوة من قريبه ابن درع

وأسّس الدرعية (غصيبة والمليبيد)

لتصبح لاحقًا مركز الحكم الذي انطلقت منه الدولة السعودية الأولى

بهذا المعنى، فإن “التأسيس” في 1727م لم يكن خلقًا من عدم، بل تحويلًا لتاريخ محلي ممتد إلى مشروع دولة سيادية.

 

قراءة BETH

السعودية لم تُخلق من فراغ جغرافي أو تاريخي،
بل هي نتاج تراكمي لـ:

عمق مكاني (جغرافيا مقدسة ومركزية حضارية)

وعمق سياسي محلي سابق على الدولة الحديثة

ثم انتقال واعٍ من “الإمارة المحلية” إلى “مشروع الدولة”

من يصف السعودية بأنها “مصطنعة المكان”،
يختزل الجغرافيا في السياسة،
ويغفل أن الدول قد تُعلن في لحظة…
لكن الأمكنة تُصنع عبر قرون.

الدولة التي تعرف جذورها، لا تخشى أفقها.