إيران من التأسيس إلى المآلات: من يرسم؟ ومن يستثمر؟

news image

 

 إيران من التأسيس إلى المآلات: من يرسم؟ ومن يستثمر؟

تقرير تحليلي خاص – BETH

 

مقدمة تحليلية: في عمق الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط، تبرز إيران كنموذج معقد لمعادلات الهيمنة والتحكم والصراع الطويل بين القوى الغربية. ليس نظام الملالي الذي يحكم إيران منذ 1979 مجرد نتيجة لثورة شعبية، بل هو جزء من مشهد أوسع خُطّت ملامحه بأيدٍ غربية، ودُفع إلى الواجهة بخطابات دينية وشعارات سياسية تخفي ما هو أعمق: صراع على النفوذ، وثروات، وتوازنات جيوسياسية تعود جذورها إلى ما قبل الثورة، وتتشابك مع أدوار فرنسية وأمريكية وإسرائيلية.

 

أولاً: التأسيس - كيف نشأ النظام الحالي في إيران؟

انطلقت الثورة الإيرانية عام 1979 بأغلبية شعبية ضد حكم الشاه محمد رضا بهلوي، الذي كان يُنظر إليه على أنه حليف مخلص للولايات المتحدة. ولكن مع انكشاف الوثائق، والأدوار الدبلوماسية المموّهة، يظهر أن باريس، وتحديدًا الاستخبارات الفرنسية، لعبت دورًا محوريًا في احتضان الخميني، ومنحه منبرًا إعلاميًا وآمنًا في ضاحية "نوفل لو شاتو" قرب باريس، حيث أدار خطابه الثوري.

تم تسويق الخميني لا كمجرد زعيم عقدي، بل كقائد بديل يُحدث توازنًا جديدًا بعد سقوط الشاه. في هذه اللحظة، كانت فرنسا تُوظّف ثقلها التاريخي في المنطقة (الفرانكفونية السياسية) لرسم ملامح نظام جديد، على قاعدة: "فرنسا ترسم، وأمريكا تستثمر".

 

ثانيًا: فرنسا… من الملاذ إلى المعمل

احتضان الخميني لم يكن فقط مسألة لجوء سياسي، بل مخططًا لبناء واجهة عقدية قوية تعيد ضبط معادلة النفوذ بعد الفشل في دعم الشاه. فرنسا، التي فشلت في الحفاظ على مستعمراتها المباشرة، شرعت في هندسة مشاريع نفوذ غير مباشر من خلال تصدير النخب القابلة للتشكّل السياسي.

هدف فرنسا لم يكن أيديولوجيًا، بل اقتصاديًا واستراتيجيًا: كسر الاحتكار الأمريكي في الخليج، وتوظيف العمامة الشيعية كجسر للنفاذ إلى عمق آسيا الوسطى، وتهديد النفوذ السني التقليدي. ومن هنا نفهم الخلاف غير المعلن بين باريس وواشنطن: الأولى تريد نظامًا قابلًا للضبط، والثانية تريد نظامًا قابلًا للاستثمار.

 

ثالثًا: أمريكا… من احتواء الثورة إلى استثمارها

في اللحظة التي ظنت فيها أمريكا أنها خسرت إيران، تحرّكت نحو استثمار الفوضى. الدعم غير المباشر لطهران في حربها مع العراق (إيران غيت) هو أوضح مثال. أمريكا لا تحسن التخطيط طويل الأمد، لكنها تُجيد "الركوب على الموجة". النظام الإيراني، بشعاراته الراديكالية، منح أمريكا ذريعة مستدامة للبقاء في المنطقة، وتسويق الوجود العسكري بوصفه حاجزًا ضد "الخطر الإيراني".

وهنا تتجلّى المقولة: "فرنسا ترسم، إسرائيل تُخطط، أمريكا تستثمر". لكن… هل هذه المقولة صائبة؟

 

رابعًا: المقولة تحت المجهر… ومآلات الفشل

رغم سطوة هذه المقولة في التحليل السياسي، إلا أن نتائجها العملية كثيرًا ما كانت فاشلة:

النموذج الإيراني أنتج كيانًا مشاغبا عبثياً، لا يمكن ضبطه ولا السيطرة عليه.

فرنسا فقدت بوصلتها في طهران، بينما واشنطن حاصرت نفسها بنظرية "العدو الضروري".

إسرائيل التي تخطط بدقة، تجد نفسها اليوم في مواجهة محور يمتد من بيروت إلى بغداد إلى صنعاء.

إن تكرار الفشل في الحصاد لا يعني أن الزرع لم يكن مقصودًا، بل أن الأرض لم تُحسب بدقة… وهو ما يعيدنا إلى سؤال الأدوات والمنهج.

 

خامسًا: هل "بروتوكولات حكماء صهيون" خلف الستار؟

تثير هذه الوثيقة كثيرًا من الجدل، ويعتقد كثير من الباحثين أنها مزوّرة أو أداة دعائية صنعتها قوى الاستعمار الروسي القديم لتبرير سياسات القمع ضد اليهود. لكن بعض ما ورد فيها – من حيث فلسفة التسلل عبر المال والإعلام – يتقاطع مع ما نشهده اليوم.

السؤال الحقيقي ليس: هل الوثيقة صحيحة؟ بل: هل توجد أطراف تعمل وفق منهج يشبه ما ورد فيها؟

 

سادسًا: من يرسم العملاء… ومن يكتب نهاياتهم؟

الاستعمار الحديث لا يحتاج إلى جيوش، بل يصنع نخبًا محلية تعمل ضمن مخطط، وتُمنح شرعية وشهرة ثم يتم حرقها إذا انقلبت. هذا ما حدث مع قادة كثيرين في إفريقيا،، وأمريكا اللاتينية.

ونظام الملالي ليس استثناءً… تم رسمه ليكون ثوريًا، وتحول إلى ذراع لنشر العنف والتصدير الأيديولوجي، ثم إلى "نظام مزعج" حتى لحُماته.

 

سابعًا: هل تغيّر شيء؟ أم ما زال العالم يعمل بنظرية الليمونة؟

رغم انفتاح العقول، وفتح الأسواق، إلا أن نظرية "اعصرها ثم ارمها" لا تزال حاضرة في عقل الدولة العميقة. صحيح أن أدوات السيطرة تغيرت – من الاحتلال العسكري إلى التكنولوجيا والاقتصاد – لكن الفكرة واحدة: نهب حتى النهاية.

"الملالي" نُصّبوا على رأس إيران كواجهة، لكن تم تضييق مساحة تحركهم حتى باتوا اليوم أدوات مشروخة. لم تعد الثورة تُصدر، بل يُصدّر باسمها الإرهاب… ليبرر الانقضاض عليها لاحقًا.

خاتمة BETH

 إن النظام الإيراني لم يُخلق من فراغ، بل خُطط له في الغرف الرمادية، لكن من يرسم البدايات لا يضمن النهاية. واليوم، يقف هذا النظام أمام حقيقته: هل ما زال أداة؟ أم أصبح عبئًا على من صنعه؟ وهل ما نشهده اليوم هو بداية نهايته… المرسومة منذ البدء؟