حين يتغذى الوعي على الألم

لماذا نستحضر سلبيات الماضي ونُهمل إشراق الحاضر؟
✍️ عبدالله العميرة – BETH
هل كتابة الأخبار والروايات وتقديم الأعمال السلبية أسهل، أم أن البحث في الإثارة الإيجابية والقصص المبهجة أصعب؟
سؤال قديم بملامح جديدة، يظهر كلما جلسنا أمام شاشة، أو فتحنا كتابًا، أو استمعنا لقصة.
كأن الإنسان، بطبعه، يميل إلى ما يهزه أو يُبكيه أكثر مما يُضحكه أو يُلهمه.
وكأن الدراما السوداء أكثر قدرة على جذب الانتباه من الضوء.
وربما لأن استدعاء السلبيات والتركيز عليها ونقلها، أسهل بكثير من تحليل الإيجابيات والبحث في تأثيرها؛
فالسلبية لا تحتاج سوى كاميرا، بينما الإيجابية تحتاج إلى بصيرة.
🧠 ذاكرة الانتقاء الزمني
لماذا نستحضر من الماضي السلبي أكثر من الإيجابي؟
لأن الألم أعمق أثرًا في الذاكرة البشرية. ولأن الظلم، والخسارة، والخذلان، تترك ندوبًا فكرية لا تزول بسهولة.
بعض الجهات – إعلامية أو سياسية – تجد في استحضار السلبيات وقودًا لاستمرار خطابها أو مشروعها.
فالماضي هنا يتحول من مصدر تعلّم… إلى مصدر تعبئة.
🌱 صناعة الأمل في زمن الإنجاز
رغم كل ما تحقق في الحاضر، تجد من يُصر على أن الماضي كان أجمل.
لكن هل هذا حنين صادق؟ أم هروب من مسؤوليات اليوم؟
في زمن الإنجاز، تحتاج الشعوب إلى من يربط بين الإنجاز والمستقبل، لا من يحنّط الحاضر ويغلفه بمقارنات عاطفية.
علينا أن نُعيد الاعتبار لقصص النجاح اليومية، حتى لو لم تكن درامية بما يكفي.
📺 الإعلام بين الإحياء والدفن
الإعلام أداة مزدوجة:
يستطيع أن يُذكّرك بماضٍ مؤلم لتتعلم، أو ليُقيّدك به.
يستطيع أن يُضخّم الحوادث السلبية، ويهمل التحولات الإيجابية لأنها لا تُثير.
صناعة الخبر السلبي أسهل، لأنه يقوم على المفاجأة والانفعال.
أما صناعة الخبر الإيجابي، فتتطلب وعيًا وسردًا ذكيًا، لا يعتمد على الصدمة، بل على الإلهام.
📚 التعليم والمناهج: بين التحنيط والتحفيز
هل نُعلّم أبناءنا التاريخ من أجل الفخر والتأمل، أم من أجل تثبيت الشعور بالخذلان؟
كثير من المناهج تحوّلت إلى متاحف للانتكاسات، بدل أن تكون مختبرات للأفكار الحضارية.
المطلوب هو تعليم الماضي كجسر، لا كجدار.
🧬 التحولات النفسية في المجتمعات
تتكوّن عقدة الماضي عندما تتحوّل الذكريات إلى مرجعية مستدامة للهوية.
وهنا يتحول المجتمع إلى كائن يتغذى على مآسيه، ويكرر وجعه بدل تجاوزه.
أما المجتمعات المتوازنة، فهي التي تعرف كيف تضع الذكرى في مكانها الصحيح، دون أن تمنحها حجمًا أكبر من الواقع.
🌍 نماذج دولية تجاوزت الماضي
ألمانيا لم تُنكر ماضيها، لكنها لم تسمح له أن يُدير حاضرها.
رواندا تجاوزت واحدة من أبشع المجازر العرقية، واستثمرت في المصالحة الوطنية.
اليابان نفضت رماد القنبلة النووية، وارتفعت بعلم الصناعة والتعليم.
كل هذه النماذج لم تمحُ الماضي… لكنها لم تتعلّق به كذريعة.
🔭 مستقبل بلا مرآة خلفية
ليس المطلوب أن ننسى الماضي، بل أن نُعيد استخدامه كأداة وعي لا كحائط مبكى.
أن نُدرّب عقولنا وإعلامنا ومناهجنا على التقاط الإيجابيات، وتقديمها بسرد مشوّق، لا ممل ولا مباشر.
فالإثارة ليست حكرًا على المآسي… حتى الأمل يمكن أن يكون مثيرًا، إذا صيغ بذكاء.
✨ ومضة
انتهى شهر رمضان، ومعه انطفأت أضواء البرامج التي ملأت الفضاء التلفزيوني،
بعضها مستعاد من سنوات فائتة، وبعضها نسخة مكرّرة بلا روح.
لا أعني بتكرار الأسماء، فهناك أعمال نادرة – مثل برنامج سين – تشع أملًا، وتقدّم التجديد بعمق وجمال.
لكنني أعني تكرار الفكرة العقيمة… التهام الماضي، ونبش السلبيات، والبحث في نفايات المجتمع، بدلًا من استكشاف نوره.
كأن المؤلفين والمخرجين يمرّون بشارع نظيف مزهر، مليء بالحياة، ثم يختارون برميل النفايات،
يفتحونه، ويعرضونه على الناس باسم "الواقع"، وهو أبعد ما يكون عنه.
فهل انتهى رمضان… وتنتهي معه هذه العادة؟
أم تعود الشاشات بأفكارها المتعفّنة، لتُعيد تدوير الجهل في صورة برامج رياضية متعصبة، أو دراما تقتات على التشوّه؟
إنها ليست متعة… بل استثمار الجاهل في الجهل، تمامًا كما يُعرض برميل النفايات على أنه شاشة وطن.
🎨 الصورة
في هدوء رمزي، تُجسّد الصورة المرافقة فكرة المقال: رأس إنساني يتأمل، ودائرة بداخلها علامة تحقق (✔) تنبض داخل الوعي.
لا ضجيج، بل صفاء. لا انفجار في اللون، بل توازن في الإدراك.
إنها دعوة صامتة للتفكّر، تُشير إلى أن استدعاء الماضي ليس فعلًا انفعاليًا، بل مسؤولية فكرية.
فالوعي الحقيقي لا يقتات على الألم… بل يتحقق، يختار، ويمضي إلى الأمام.