قراءة المشهد بالمقلوب

news image

كتب: عبدالله العميره

هناك مثل شعبي يلخص أحيانًا أزمة قراءة السياسة أكثر من كثير من النظريات:

«أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب.»

وفي السياسة ربما تصبح القاعدة أكثر دقة:

لا تكتفِ بما يُقال .. راقب ما يحدث بعده.

ماذا لو قرأنا المشهد بالمقلوب؟

ليس بأن نكذّب كل ما يقوله المسؤولون، ولا بأن نبحث عن مؤامرة خلف كل خبر.

بل أن نفعل شيئًا أبسط:

أن نترك التصريحات جانبًا قليلًا، وننظر إلى النتائج.

واشنطن تقول إنها تريد حرية الملاحة والاستقرار.

لكن هرمز أكثر اضطرابًا، وحركة السفن تراجعت، والنفط يقترب من 100 دولار، وكلفة الشحن والتأمين ترتفع.

وإيران تقول إنها تدافع عن سيادتها وتقاوم الحصار.

لكن اقتصادها يتعرض لضغط متزايد، وصادراتها النفطية تتراجع، ومعركة الداخل أصبحت أصعب.

إذن فلنقرأ الصورة من نهايتها، لا من بدايتها.

إذا كانت أمريكا تريد إنهاء الحرب..

لماذا تستمر؟

ولماذا تتحدث واشنطن عن وجود بحري قد يصبح طويل الأمد، وعن استمرار الحصار والضغط والضرب عند الحاجة؟

هذا لا يعني بالضرورة أن أمريكا تريد الحرب لذاتها.

لكن السؤال الأذكى هو:

هل أصبح استمرار الحرب، ضمن سقف يمكن التحكم فيه، أكثر فائدة من إنهائها سريعًا؟

فالضغط الطويل يضعف إيران.

ويرفع أهمية الحماية العسكرية الأمريكية.

ويعيد تشكيل ترتيبات أمن الخليج.

ويجعل الطاقة والممرات البحرية جزءًا أكبر من الحسابات الدولية.

ويُبقي واشنطن في المنطقة.

وهنا يصبح السؤال مختلفًا:

ليس فقط كيف تنتهي الحرب؟

بل:

ماذا يمكن أن يُبنى أثناء استمرارها؟

وإذا كانت إيران قوية..

لماذا يزداد اختناق اقتصادها؟

جرأة طهران في هرمز حقيقية، لكنها لا تعني أن ميزان القوة العسكرية أصبح لمصلحتها.

إيران تملك نوعًا آخر من القوة:

أن تجعل الضغط عليها مكلفًا للآخرين أيضًا.

تعطل الملاحة.

ترفع كلفة النفط والتأمين.

تربك الأسواق.

وتطيل الزمن.

ولهذا قد تبدو أحيانًا أقوى مما يقوله ميزان السلاح.

فهي لا تحتاج إلى أن تصبح أقوى من أمريكا.

يكفيها أن تجعل القوة الأمريكية غير قادرة على إنتاج نهاية سهلة وسريعة.

وهذا فرق كبير.

اقلب الصورة مرة أخرى

حين نقلب المشهد، تظهر مفارقة تستحق التوقف:

كلما ارتفع الخطر الإيراني، ارتفعت الحاجة إلى الحماية.

وكلما طال عدم الاستقرار، أصبح استمرار الوجود العسكري الأجنبي أكثر قابلية للتبرير.

ويقال إن الحرب تحمي الطاقة والملاحة، لكن الحرب نفسها رفعت كلفة الطاقة والشحن والتأمين، وأعادت للعالم حساباته حول الممرات والمنتجين والاحتياطيات.

هنا لسنا بحاجة إلى اختراع أسرار.

يكفي أن نسأل:

من يستفيد من النتيجة، حتى لو لم يكن هو من صنعها وحده؟

في السياسة، قد لا تكون النتيجة المخططة هي نفسها النتيجة المستفاد منها.

وهذا فارق يستحق الانتباه.

المنطقة ترى أيضًا

الخطأ الأكبر أن نتصور أن دول المنطقة تتفرج على المشهد ولا تقرأه.

السعودية ودول الخليج والقوى الإقليمية تعرف أن أمنها لا يمكن أن يبقى إلى الأبد متعلقًا بسؤال:

ماذا ستفعل أمريكا؟

ولا بسؤال مقابل:

ماذا ستفعل إيران؟

ولهذا تتسارع ترتيبات الدفاع، وتتعدد الشراكات، وتتغير التحالفات، ويزداد السعي إلى بناء قدرة أكبر في الأمن والطاقة والتقنية والصناعة.

فالدولة التي تفهم ما يحدث لا تنتظر نهاية الحرب فقط.

بل تبدأ من الآن في التفكير في اليوم الذي يليها.

وربما يكون السؤال الأهم لدول المنطقة ليس:

من سينتصر؟

بل:

ما الذي يجب ألا نسمح بأن يحدث لنا مرة أخرى؟

بالمقلوب

عندما نقلب الصورة، لا تصبح أمريكا ضعيفة بالضرورة.

ولا تصبح إيران قوية بالضرورة.

لكننا نرى شيئًا أكثر تعقيدًا:

أمريكا تستخدم تفوقها لإدارة ميزان أوسع من إيران، وإيران تستخدم قدرتها على التعطيل لمنع هذا التفوق من التحول إلى حسم سريع.

والمنطقة والعالم يدفعان جزءًا من الكلفة، ويعيدان في الوقت نفسه ترتيب حساباتهما.

لهذا ربما يكون الخطأ الأكبر في السياسة أن نستمع إلى ما تقوله الدول، ثم نتوقف.

فالمسؤول يشرح لك ما يريد فعله.

والبيانات تقول لك ما يريدك أن تعرفه.

أما النتائج، فتخبرك غالبًا بما يجري فعلًا.

ولذلك، حين تسمع الكلام وتصدقه، ثم ترى الأمور فتستعجب، لا تتعجل في اتهام عينيك.

وقال النبي ﷺ:

«الحرب خدعة.»

وقال عمر بن الخطاب:

«لستُ بالخِبِّ، ولا الخِبُّ يخدعني.»

وبين الخدعة والوعي، يبقى السؤال المحوري:

من الأذكى؛ المتحدث أم المتلقي؟

ثم يأتي السؤال الأعمق:

إلى متى؟

والإجابة ربما تبدأ من هنا:

إلى أن يتوقف المتلقي عن الاكتفاء بما يُقال، ويبدأ في قراءة ما يحدث.