الفقر البصري
كتب: عبدالله العميره
الحدث كبير.
ضربة عسكرية، ناقلات نفط، حرب مفتوحة، وأسواق تترقب.
لكن على الشاشة:
لقطة مدتها ثانيتان.
ثم تعاد.
مرة.
وخمسًا.
وعشرًا.
وعشرين.
وفي كل مرة، التعليق نفسه تقريبًا؛ كلمات كثيرة، ومعلومة قليلة.
المشكلة هنا ليست في قصر اللقطة.
فبعض أعظم أحداث التاريخ لم يصل منها إلى العالم إلا ثوانٍ معدودة.
المشكلة في أن المؤسسة الإعلامية حين لا تملك صورة أخرى، ولا معلومة أعمق، ولا زاوية جديدة، تبدأ في مطّ الثانيتين حتى تبدوا نشرة كاملة.
وهنا يظهر ما يمكن تسميته:
الفقر البصري.
ليس المقصود فقر الكاميرا وحدها.
بل فقر غرفة الأخبار حين لا تعرف ماذا تفعل بالصورة التي بين يديها.
فالإعلام المهني لا يعالج نقص اللقطات بتكرارها، بل يعالجه بالمعلومة والتحليل.
يضيف خريطة.
يشرح موقع الضربة.
يعرض مسار السفينة.
يقارن بحادثة سابقة.
يشرح لماذا الهدف مهم أصلًا.
هل الناقلة مرتبطة بصادرات النفط؟
هل استهدافها يضغط على الموانئ؟
هل يؤثر في أسعار الخام؟
هل يرفع كلفة التأمين والشحن؟
هل يغير حركة الناقلات في الخليج؟
هنا تبدأ التغطية الحقيقية.
ويستضيف خبراء في الطاقة والأسواق والاقتصاد البحري، لا ليكرروا ما شاهده الجمهور، بل ليجيبوا عن السؤال الأهم:
ماذا ستفعل هذه الضربة بعد أن تنتهي ثانيتاها؟
هل سيرتفع النفط؟
هل تتغير علاوات التأمين؟
هل تتردد شركات الشحن؟
هل تتسع دائرة المخاطر على التجارة؟
أما إعادة المشهد نفسه عشرين مرة، فلا تضيف عشرين معلومة.
إنها تضيف شيئًا واحدًا فقط:
انطباعًا مضخمًا عن حدث لم تتغير معلوماته.
وهنا الفرق بين الإعلام الذي يغطي الحدث، والإعلام الذي يستهلكه بصريًا.
فإذا كانت اللقطة قصيرة، والمعلومة فقيرة، والتعليق سطحيًا، يصبح التكرار محاولة لملء فراغ لا في الشاشة فقط، بل في التفكير أيضًا.
المشهد قد يكون قويًا.
لكن القوة لا تأتي من عدد مرات عرضه، بل من مقدار ما تضيفه المؤسسة إلى فهمه.
تكرار ثانيتين عشرين مرة لا يصنع تغطية.
إنه فقط يجعل الفقر أطول، ويكشف أكثر مما يستر عن مستوى المهنية وإدارة العمل الإعلامي.
وهذه ليست حالة منفردة.
هل تريدون مثالًا آخر؟
نقاش تركيا وإسرائيل يُدار بمنطق التوك شو التقليدي: تضخيم وإثارة للقشور، بدل تحليل مهني عميق يشرح الجذور والاحتمالات والنتائج.
وأمثلة أخرى لا تحتاج إلى عناء لاكتشافها؛ لا علاقة لها بضغط العمل أو تسارع الأحداث، بل تكشف خللًا في صميم الممارسة المهنية.
وللتوضيح، هذا ليس بحثًا عن الأخطاء؛ فالأخطاء في العمل الإعلامي كثيرة، وبعضها يتكرر حتى يصبح مألوفًا. لكن ما نتحدث عنه هنا مختلف: خلل مهني واضح في التعامل مع حدث كبير، يكشف ضعفًا في إدارة التغطية أكثر مما يكشف خطأً عابرًا.
والهدف من الإشارة إليه ليس التشهير ولا تسجيل المواقف، بل الإصلاح؛ لأن مثل هذا الخلل لا يحتاج إلى تبرير طويل، بل إلى مراجعة سريعة، وتصحيح جاد، وربما تغيير عاجل في طريقة إدارة العمل.
الاستمرار في الخطأ ليس ثباتًا؛ بل مكابرة عمياء تُهين ذكاء المتابع وتقتل المتعة البصرية.
حين تتوافر التقنية والدعم، وتتكرر الأخطاء المهنية الفاضحة، فالمشكلة ليست في الإمكانات بل في الإدارة.