ترامب.. رجل الأعمال الرئيس
هل يوظّف دونالد ترامب المال لخدمة القوة الأميركية، أم يوظّف القوة الأميركية لتحصيل المال؟ وهل تصلح عقلية الصفقة لإدارة دولة تقود العالم؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
حين يتحدث الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن الحرب، يذكر كلفتها.
وحين يتحدث عن الحلفاء، يسأل عما يدفعونه.
وحين يناقش التجارة، يبدأ بالعجز والرسوم.
وحين يعلن اتفاقًا، يبرز الاستثمارات والعقود والوظائف التي ستعود على الولايات المتحدة.
ليست هذه مفردات متفرقة في خطاب ترامب، بل تكاد تكون طريقة متكاملة لفهم السياسة:
السوق أصل، والحماية لها كلفة، والتحالف شراكة في المصروف، والنفوذ ينبغي أن ينتج عائدًا.
يرى ترامب أن الولايات المتحدة منحت العالم لعقود أمنًا وسوقًا وعملة وحماية عسكرية، بينما دفع بعض الحلفاء أقل مما ينبغي، واستفاد خصوم من السوق الأميركية أكثر مما سمحت به أسواقهم.
ولهذا دخل البيت الأبيض بعقل رجل الأعمال:
مراجعة الدفاتر، وإعادة تسعير العلاقات، وتحصيل مقابل القوة.
لكن الدولة ليست شركة تمامًا.
ومن هنا يبدأ السؤال الذي يستحق النظر:
هل يصحح ترامب خللًا قديمًا في إدارة القوة الأميركية، أم أن الإفراط في تسعيرها قد يقلل مع الوقت من قيمة أصول لا تظهر أصلًا في الميزانية؟
ما الذي أصاب فيه؟
ليس من الإنصاف اختزال عقلية ترامب في الجشع أو الابتزاز.
فقد وضع إصبعه على خلل حقيقي في توزيع أعباء النظام الدولي.
استفادت دول أوروبية لعقود من المظلة الأميركية، بينما بقي إنفاقها الدفاعي أقل مما تطالب به واشنطن.
ومع تصاعد التهديدات، وضغط ترامب خصوصًا، التزم حلفاء الناتو في قمة لاهاي عام 2025 برفع الإنفاق الدفاعي والأمني إلى 5% من الناتج بحلول 2035. والمسودة الأصلية تشير كذلك إلى ارتفاع الإنفاق الأوروبي والكندي بصورة كبيرة وإقرار قيادة الناتو بأثر ضغط ترامب في هذا التحول.
وهنا تبدو عقلية المال مفيدة:
حين جعل ترامب الحماية قابلة للحساب، أصبح الحلفاء أكثر وعيًا بأن الأمن ليس خدمة أميركية مجانية.
والمنطق نفسه أعاد إلى النقاش الأميركي أسئلة ظلت سنوات في الخلفية:
لماذا تفتح أميركا سوقها بينما تضع دول أخرى حواجز أمام صادراتها؟
ولماذا تتحمل واشنطن جزءًا أكبر من فاتورة الأمن إذا كانت دول أخرى تستفيد منه؟
أسئلة مشروعة، حتى إن اختلفت الإجابات عنها.
الرسوم | من يدفع؟
يقدم ترامب الرسوم الجمركية بوصفها وسيلة تجعل الخارج يدفع مقابل دخول السوق الأميركية.
لكن الاقتصاد أكثر تعقيدًا.
فالرسوم يدفعها المستورد الأميركي أولًا، ثم تنتقل كلفتها بدرجات مختلفة بين الشركات والموردين والمستهلكين.
وقد رفعت الرسوم إيرادات الخزانة، وشجعت بعض الشركات على تغيير سلاسل الإمداد وزيادة الإنتاج المحلي والأتمتة.
لكنها رفعت الأسعار أيضًا، وتحمل الأميركيون جزءًا من كلفتها. والمسودة توثق تقديرات للاحتياطي الفيدرالي تشير إلى أثر ملموس للرسوم في أسعار السلع والتضخم الأساسي.
وهنا تظهر مفارقة تستحق الانتباه:
ترامب يستطيع أن يثبت أن الرسوم جمعت المال، لكنه لا يستطيع دائمًا أن يقول إن الخارج وحده هو من دفعه.
الدولة ليست متجرًا
تستطيع الشركة أن تغلق فرعًا لا يحقق عائدًا.
أما الدولة الكبرى فقد تبقى في منطقة مكلفة؛ لأن انسحابها قد يترك فراغًا يشغله خصم، وتعود كلفته بعد سنوات أكبر مما وفرته.
وتستطيع الشركة استبدال عميل.
لكن الحليف قد يكون قاعدة، ومعلومة استخباراتية، وميناء، وممرًا جويًا، وصوتًا سياسيًا.
كما أن الدولة لا تستطيع قياس نجاحها بأرباح سنة واحدة؛ لأنها تملك أصولًا أخرى يصعب وضعها في جدول:
الثقة، والردع، والسمعة، واستمرار التحالف.
فالتحالف الذي لا يدر دخلًا مباشرًا قد يمنع حربًا باهظة، والدبلوماسية التي لا تنتج عقدًا اليوم قد تحفظ نفوذًا لعقود.
قيمة الدولة الكبرى ليست فقط فيما تحصله، بل فيما تستطيع منعه من الحدوث.
وهنا يصبح التحدي أمام ترامب أكثر دقة.
فمطالبة الحليف بالدفع قد تجعله أكثر مسؤولية، وهذا جيد.
لكن إذا شعر الحليف أن العلاقة أصبحت خدمة تُعاد تسعيرها باستمرار، فقد يبدأ في بناء بدائل لا مالية فقط، بل سياسية أيضًا.
يمكن دفع الحليف إلى إنفاق أكثر، لكن الثقة لا تُشترى بالطريقة نفسها.
القوة والصفقة
ترامب لا يخفي إعجابه بعقود التسليح والاستثمارات والوظائف التي تنتجها.
ولا يعني ذلك أنه يخوض الحروب لبيع السلاح؛ فهذا استنتاج لا تدعمه الوقائع وحدها.
لكن المؤكد أنه يرى للقوة العسكرية عائدًا اقتصاديًا أيضًا: صناعة دفاعية أكبر، وظائف، مساهمات من الحلفاء، وعقود جديدة.
وهذا ليس خطأ في ذاته.
السؤال فقط هو:
هل يصبح العائد المالي نتيجة للقوة، أم معيارًا للحكم على نجاح استخدامها؟
فالحرب التي تنتج عقودًا بمليارات الدولارات قد تبقى فاشلة إذا لم تحقق هدفها السياسي.
وفي المقابل، قد تكون عملية مكلفة ماليًا ناجحة إذا منعت تهديدًا أكبر.
هنا تختلف حسابات الدولة عن حسابات الشركة.
لمن يبني ترامب القوة؟
يبقى سؤال لا تجيب عنه الأرقام وحدها:
هل يريد ترامب أن يترك أميركا أقوى لأنها إرث الرئيس السابع والأربعين، أم لأنها الدولة التي سيعيش فيها الأميركيون بعده؟
قد يكون الجواب: الاثنان معًا.
فالرؤساء يفكرون في التاريخ كما يفكرون في الحاضر، وترامب أكثرهم وعيًا بصورة الإرث والقوة والإنجاز.
لكن الفرق كبير بين أن تكون قوة أميركا هي الغاية، وأن تكون قوة أميركا أداة لخدمة الأميركيين وحماية الحلفاء واستدامة النفوذ.
فإذا بقيت القوة وسيلة، خدمت الدولة.
أما إذا أصبحت الغاية في ذاتها، فقد تنجح في فرض السيطرة أكثر مما تنجح في بناء المستقبل.
مال الدولة ومال العائلة
يبقى هذا المحور الأكثر حساسية، ولذلك ينبغي التعامل معه بلا اتهام.
هناك فرق بين سؤالين:
هل تحقق سياسات ترامب عائدًا للولايات المتحدة؟
و:
هل تستفيد أعمال عائلته من البيئة التي تمنحها الرئاسة؟
المسودة تستند إلى تقارير عن عائدات كبيرة حققتها أعمال مرتبطة بعائلة ترامب من صفقات في الشرق الأوسط والعملات الرقمية والعقارات. لكنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذه الأرقام لا تثبت وحدها وقوع مخالفة قانونية، ولا أن قرارًا سياسيًا اتُخذ مقابل منفعة خاصة.
وهذا هو الحد الذي ينبغي أن نقف عنده.
المسألة ليست إدانة، بل حساسية الصورة.
فعندما تتقاطع الأعمال الخاصة مع دول وشركات تتأثر بقرارات البيت الأبيض، يصبح الحفاظ على وضوح المسافة بين مصلحة الدولة ومصلحة العائلة ضرورة للرئاسة نفسها.
وقد يكون الخطر هنا على الثقة قبل أن يكون على القانون.
ما لا يظهر في الميزانية
تكمن قوة ترامب في أنه يسأل سؤالًا تجاهلته السياسة طويلًا:
كم ندفع، وماذا نحصل؟
وهذا سؤال صحي.
لكنه يصبح أقل أمانًا إذا تحول إلى السؤال الوحيد.
فالميزانية تستطيع حساب الرسوم التي دخلت الخزانة.
لكنها لا تستطيع بسهولة حساب الثقة التي خرجت.
وتستطيع تسجيل قيمة عقد السلاح، لكنها لا تسجل قيمة حليف بدأ يبحث عن بديل.
وتستطيع حساب مساهمة دولة في كلفة القاعدة العسكرية، لكنها لا تقيس فورًا قيمة استمرارها في الوقوف إلى جانب واشنطن ساعة الخطر.
وهنا تكمن المفارقة:
ترامب يرى بوضوح أصول القوة الأميركية التي اعتاد الآخرون الاستفادة منها بأقل كلفة، ويطالب بثمنها.
وقد يكون ذلك تصحيحًا ضروريًا.
لكن بعض أعظم أصول الولايات المتحدة لا تحمل بطاقة سعر.
فالنفوذ له قيمة، والثقة لها قيمة، والقدرة على جمع الحلفاء خلف قرار أميركي لها قيمة.
لكن هذه القيم لا تظهر دائمًا في الحساب إلا حين تبدأ في التراجع.
لذلك قد تكون عقلية رجل الأعمال ميزة كبيرة للرئيس عندما تمنعه من تبديد موارد بلاده.
وتصبح مخاطرة فقط عندما تقنعه بأن كل ما لا يمكن تسعيره لا يملك قيمة.
فالولايات المتحدة لم تصبح قوة عظمى لأنها الأغنى وحدها، بل لأن دولًا كثيرة رأت مصلحتها في نظام تقوده.
ولهذا يستطيع ترامب أن يدير جانبًا كبيرًا من الدولة بعقل رجل الأعمال.
لكن إدارة قوة تقود العالم تحتاج إلى دفتر حسابات أوسع؛ لأن بعض أثمن الأصول لا تظهر قيمتها إلا بعد خسارتها.