حين لا نحتاج إلى جواب
كتب: عبدالله العميره
نظن أحيانًا أن الراحة معلّقة على جواب.
نريد أن نعرف لماذا حدث ما حدث، ولماذا انتهى أمر على غير ما توقعنا، ولماذا اختار أحدهم طريقًا لم نفهمه، ولماذا لم تأتِ الحياة بما رتّبناه لها.
فنظل نبحث عن تفسير، كأن الحقيقة إذا اكتملت أمامنا ستعيد كل شيء إلى مكانه.
لكننا نكتشف مع الوقت أن بعض الأجوبة لا تصلح شيئًا.
قد نعرف السبب، ولا يتغير ما حدث.
وقد نحصل على التفسير، ويبقى الأثر كما هو.
وقد يأتي الجواب متأخرًا إلى درجة أننا نستقبله بهدوء ونقول في داخلنا: لم أعد أحتاجه.
وهذه ليست لا مبالاة، بل نوع من النضج.
فليس النضج أن نجد جوابًا لكل شيء، بل أن نعرف ما الذي يستحق جوابًا أصلًا.
في حياتنا أشياء كثيرة نحملها بعد انتهاء حاجتنا إليها.
موقف قديم، خيبة، كلمة، شعور بالذنب، أو قصة انتهت فصولها لكننا أبقينا الكتاب مفتوحًا.
والغريب أن بعض الأثقال لا يبقيها فوق أكتافنا أحد؛ نحن الذين نستمر في حملها.
نتفقدها بين حين وآخر، ونستعيد تفاصيلها، ثم نتساءل لماذا ما زالت تؤلمنا.
ربما لأننا لم نسمح لها بالرحيل.
ليس كل ما حدث لك يجب أن يصبح جزءًا دائمًا منك.
بعض التجارب جاءت لتعلمك فقط، لا لتسكنك.
وبعض الأشخاص مرّوا في حياتك ليتركوا أثرًا صغيرًا ثم يمضوا، وليس مطلوبًا أن يتحول كل عابر إلى حكاية طويلة؛ فقد منحتهم مساحة للعبور أكثر مما استحقوا، لأن بعضهم لم يفهمك، وبعضهم كابر بلا سبب، وبعضهم لم تكن له مصلحة في البقاء.
وهنا نفهم قيمة أولئك الذين يمرّون خفيفًا، لكن أثرهم يبقى في القلب والروح والعقل.
لا يقتحمون حياتنا، ولا يطالبوننا بأن نعيد ترتيبها من أجلهم.
يحضرون من دون ضجيج، ويتركون وراءهم شيئًا لطيفًا: فكرة أجمل، ابتسامة، ذكرى، أو شعورًا بأن العالم لم يكن قاسيًا تمامًا في ذلك اليوم.
قد لا يبقون طويلًا، لكنهم لا يتركون فوضى تحتاج سنوات لترتيبها.
وهؤلاء من أجمل ما تمنحه لنا الحياة.
فالإنسان لا يحتاج دائمًا إلى من يغيّر مصيره؛ أحيانًا يكفيه من يجعل الطريق أخف.
ومع الأيام نتعلم مهارة ربما لا تقل أهمية عن معرفة الأشياء:
أن نترك بعضها بلا إجابة.
ليس عجزًا، ولا هروبًا، بل اعترافًا بأن العقل لا يستطيع إغلاق كل الملفات، وأن القلب لا يحتاج إلى تفسير كامل كي يهدأ.
هناك أسئلة يجيب عنها الزمن.
وأخرى تصغر حتى تختفي.
وثالثة تبقى كما هي، لكننا نحن الذين نصبح أكبر منها.
وحين يحدث ذلك، لا ننتصر على الماضي، ولا نمحوه.
نحن فقط نتوقف عن منحه أكثر مما يستحق من حاضرنا.
فالراحة لا تأتي دائمًا حين نفهم كل شيء؛ أحيانًا تأتي حين نقرر أن بعض الأشياء لم تعد تحتاج منا إلى جواب.