دعوة لطرد عشّاق الدّم

يقدّم الكاتب والمحلل السياسي اللبناني نبيه البرجي، في هذا المقال الصادر عن مؤسسة الفكر العربي، قراءة فكرية وسياسية حادة لتحولات إسرائيل والولايات المتحدة والشرق الأوسط، رابطًا بين صعود الخطاب الديني المتشدد في إسرائيل، والتحولات داخل الرأي العام الأميركي، وتراجع قدرة القوة العسكرية وحدها على إدارة المنطقة. ويتوقف عند الحضور السعودي المتنامي، وشرط الدولة الفلسطينية، واتفاقية مكة الدفاعية، بوصفها مؤشرات على انتقال المنطقة نحو معادلات جديدة لا يمكن إدارتها بأفكار الماضي وأدواته.
_
نص المقال بعنوانه كما جاء من المصدر : دعوة لطرد عشّاق الدّم من القرن الحادي والعشرين
حتّى أنّ القلق ذهبَ بالفيلسوف اليهوديّ الفرنسيّ برنارد هنري ليفي إلى حدّ التوجّس من "ليلة الكريستال في نيويورك"، تمثّلاً بما حلّ بيهود برلين ليل 9 و10 تشرين الثاني/ نوفمبر 1938. ثمّة زلزال سيكولوجيّ وسياسيّ يهزّ المدينة التي تستضيف أكبر وأقوى جالية يهوديّة في العالَم. الأجيال الجديدة، وبحسب ليفي، بَدأت ترى في اللّاساميّة أكثر جاذبيّة من رقصة "الروك أند رول". لم يتوقّف كلامه هنا، بل رأى أنّنا أمام حقبة سوداء تَستدعي إعلان التعبئة العامّة في صفوف اليهود على ضفَّتَيْ الأطلسيّ كي لا يفاجئنا الهولوكوست (المحرقة) الآخر عند هذا المُفترق الوجوديّ.
نُذكّر كيف أنّ الرئيس دونالد ترامب سبق واستنْفرَ يهود نيويورك لمُواجَهة زهران ممداني في صناديق الاقتراع، لأنّ انتخابه عُمدةً للمدينة يشكّل لحظةً قاتلة بالنسبة إلى "هويّة" سكاّنها. الآن، وتعقيباً على الانتخابات التمهيديّة للحزب الديمقراطي في ميتشيغان، لا يتورّع ترامب عن وصف الفائز عبد الرّحمن (عبدول) السيّد، وهو من أصلٍ مصري، وأبدى تعاطفه مع ضحايا الحرب الإسرائيليّة المجنونة في غزّة، بـ "الشيوعي الكاره لإسرائيل ولليهود"، عودة إلى المكارثيّة بذريعة التصدّي لتلك البدعة اللّغويّة والتاريخيّة "اللّاساميّة".
جي. دي. فانس ذهبَ أبعد من ذلك بكثير ليَصِف، ضمناً، المُسلمين بالبرابرة "لا قدّر الله... قد يُصبح عبد الرّحمن السيّد رئيساً بعد 3 سنوات. لا نريد أن يلغي كلّ العمل الرائع الذي قمنا به". هل لأنّه مسلم فقط و"كاره لإسرائيل"؟ مسلم في واشنطن رئيساً للولايات المتّحدة، ومسلم في نيويورك عمدة للمدينة. هذا ليس انقلاباً في التاريخ، بل هو انقلاب في الكرة الأرضيّة أو في القضاء والقدر!!
جيريمي بن عامي، رئيس المنظّمة اللّيبراليّة اليهوديّة "جي ـ ستريت" المناهضة للّوبي اليهودي (الآيباك) يرى أنّ القيادة الإسرائيليّة التي تأخذ بـ "اللّاهوت الاستراتيجي" تقود الدولة العبريّة إلى الانتحار في ظلّ تلك التقلّبات الدراماتيكيّة في المسار الفلسفي للقَرن، وإن كان يرى أنّ "الجنون الإيديولوجي" في إيران أسهم الى حدّ كبير في انتقال السلطة في إسرائيل من ضفّةٍ إلى ضفّة، لتبدوَ سياسات الائتلاف الآن أقرب ما تكون الى "رقصة الغربان بين القبور".
ولْولي أيّتها الأبواب
هكذا، وتحت عبارة "ولْولي أيّتها الأبواب... اصرخي أيّتها المدينة"، يقول سفر أشعيا "وتزول دمشق من بين المُدن وتُصبح ركاماً من الأنقاض". ويقول سفر حزقيال "أرض مصر خربة خرب مقفرة". أمّا الإصحاح 29 من المزامير فيقول "صوت الربّ يكسر الأرز... يكسر الربّ أرز لبنان". من داخل هذه المقبرة يرفع بنيامين نتنياهو شعار "إسرائيل الكبرى" بعدما قال غداة غزوه لغزّة بـ "تغيير الشرق الأوسط"، ودائماً وفق الرؤية (والرؤيا) التوراتيّة، كما ارتأى السفير الأميركي في القدس مايك هاكابي. ولكن ألا تقول الميثولوجيا العبريّة إنّ يهوه كان يرشق من كهفه السابلة بالحجارة. حتّى الآن لا يزال "ربّ الجنود" يقتل الأغيار (الغوييم) بالقنابل التي هي حجارة العصور الحديثة، إمّا للإبادة أو "لإعادة بناء الهيكل بجماجمهم". الخيار الثالث "الصلاة تحت أقدام الحاخامات" كما دعا زئيف جابوتنسكي. في رأي شلومو ساند، مؤلِّف "اختراع الشعب اليهوديّ"، "قد نَصل إلى تلك اللّحظة، حيث لا يكفي ضرب رؤوسنا بحائط المبكى. ولكن علينا ألّا نفاجأ بحجارة هذا الحائط تتساقط فوق رؤوسنا".
عالِم السياسة الأميركي نورمان فينكلشتاين رأى أنّه "آن الأوان كي نطرد عشّاق الدمّ من تلك القاعة التي تُدعى القَرن الحادي والعشرين". لاحظَ أنّ الحروب الأخيرة أظهرت مدى هشاشة بعض القادة الذين ما زال كلّ واحد منهم يرى في نفسه "حوذيّ الأزمنة". في الواقع إنّه يصلح لقيادة عربة الموتى فقط؛ "حتّى عربة الموتى يقودها الموتى"، أولئك القادة لم يدركوا بعد ألّا مجال لإعادة ترميم العظام التي لم يَعُد لها مكان في الثقافة الراهنة، وحيث يُمكن للذكاء الاصطناعي إعادة تركيب الكائن البشري، لا آلهة ولا أباطرة، "بل قد نَجِد التاريخ يتسوّل على أرصفة العالَم بعدما سقطت عصاه على قارعة الطريق"!
هنا قد يلتقي مع دعوة المستشرقة الألمانيّة أنجليكا نويفرت إلى إقفال أبواب النار في الشرق الأوسط "كي يستيقظ الأنبياء مرّةً أخرى ويدفعوا بالأباطرة، سواء أكانوا يسندون رؤوسهم إلى الحائط التكنولوجي أم إلى الحائط الإيديولوجي، إلى حيثما يرقد ذلك النَّوع الرديء من الموتى".
التأويل العدميّ للتوراة
هل يُمكن لـلولايات المتّحدة أن تأخذ بـ "اللّاهوت الاستراتيجي" الذي تعتمده إسرائيل؟ الإجابة عند الديبلوماسي المخضرم ريتشارد هاس الذي يرى أنّ الإمبراطوريّة وإن كانت الحليفة الكبرى لإسرائيل، وهي اللّاعب الوحيد في الحلبة (دون التغاضي عن الأشباح التي تُقيم في شقوق الجدران)، لا يُمكنها ككيانٍ استمدّ عبقريّته من التفاعل بين الثقافات وبين الأعراق وبين الأديان الانزلاق إلى جاذبيّة الغيب التي، إذ تظهر في بعض الأحيان، فهي تعني التزلّج على الوحول أو على النيران. لطالما تحدّث ناعوم تشومسكي عن التماهي بين "الحراثة في الغيب والحراثة في العدم".
هذا ما تطرّق إليه المفكّر الأميركي ديفيد وايز الذي يُحذّر القادة الأميركيّين من المُحاكاة مع القادة الإسرائيليّين الذين يأخذون بالتأويل اللّاهوتي، والتأويل العدميّ للتوراة، وحيث لا مشكلة في اللّجوء الى الأزرار النوويّة، باعتبار أنّ ذلك يؤشّر إلى ظهور الماشيح الذي يَحكم العالَم لألف عام. يسأل ماذا يُمكن أن يحدث إذا ما وُجد رجلٌ في البيت الأبيض يرى في القنبلة "هديّة من الله" من أجل إعادة تشكيل العالَم؟
إعادة تشكيل العالَم أم إعادة تشكيل العالَم الآخر؟.. سؤالٌ للكاهن الأميركي ديك ويلز الذي يقول "يوماً ما سنصبح كلّنا فلسطينيّين إذا لم نوقِف هذا التمدّد الأخطبوطي الإسرائيلي، ليس داخل "الإستبلشمنت فقط"، وإنّما أيضاً داخل المؤسّسة الدّينيّة"؛ إذ وصفَ السناتور الراحل لندسي غراهام بـ "الثعبان الذي يلتفّ حول قبّة الكابيتول"، لاحَظ تحوُّلاً في البنية الجيولوجيّة للّاوعي العامّ في أميركا الذي ترعْرَع على عصا البيوريتناز (الطهرانيّون) الإنكليز الذين هاجروا إلى العالَم الجديد في النصف الثاني من القرن السابع عشر، ليتمثّلوا في ذلك خروج بني إسرائيل من مصر. شعارهم كان بناء مجتمع مسيحي أنموذجي يُحتذى به عالياً City Upon The Hill.. ويلز سَأل "كيف لهم تحقيق هذا الشعار إذا كانوا قد أحلّوا نجمة داود محلّ الصليب؟".
إلى يهود نيويورك
هنا عودة الى برنارد هنري ليفي الذي يُحذّر يهود نيويورك من الذوبان داخل الإعصار الأميركي، والذي تُنبئ حركته بالاتّجاه إلى إحداث تغييرٍ في المسار التاريخي والإيديولوجي للمدينة. وهو ما تجسّد في اختيار زهران ممداني عمدةً لها، وفي الانتخابات التمهيديّة للحزب الديمقراطي. هذا بعدما كان الرئيس الديمقراطي ودرو ويلسون وراء وعد بلفور ما أوضحه ناحوم غولدمان، وهو أحد آباء الدولة، في أوراقه، وبعدما كان الرئيس الديمقراطي الآخر هاري ترومان قد اعترف بإسرائيل بَعد دقائق من إعلان قيامها، قائلاً "المسيح حين كان على الأرض لم يستطع إرضاءهم (اليهود)، كيف يُمكن لأحد أن يتوقّع أن تكون لي مثل هذه الفرصة؟" (كتاب جون جوريس "التكوين واليهود الأميركيّون وأسس الصراع العربي - الإسرائيلي").
من عقود حذّرهم غولدمان، الذي كان رئيس الوكالة اليهوديّة وأحد مؤسّسي ورؤساء المؤتمر اليهودي العالمي، من "الركوب على ظهر التاريخ، لأنّه الركوب على ظهر الشيطان". هكذا كان الخطأ القاتل للإمبراطوريّات الكبرى التي شهدنا غروبها الواحدة تلو الأخرى، لتتناهى إلينا تلك القهقهات التي لا ندري ما إذا كانت قهقهات التاريخ أم قهقهات الشيطان.
السقوط في اللّامعنى
وكان البريطاني ديزموند ستيوارت قد لاحظَ الاجترار الإسرائيلي "الميكانكيّ" للأفكار والنظريّات الماورائيّة "في ظنّ الكثيرين أنّهم يعيشون فوق العالَم. واقعاً خارج العالَم" ليكون السقوط أكثر فأكثر في اللّامعنى، في حين أنّ بقاءهم في المنطقة التي قال هيرودوت إنّها تقع على خطّ الزلازل يقتضي التفاعل مع جدليّة الأزمنة، وجدليّة الأمكنة في آن. قال "هذه مجتمعات لا تَدفن موتاها... هنا الذاكرة التي لا تهمد فيها النيران"، ما يجعلنا نستعيد قول ذلك الضابط الإسرائيلي الذي بُترت ساقه في غزّة "كان يخيّل لنا في الكثير من الأحيان كما لو أنّ الموتى يخرجون من قبورهم ليقاتلونا".
غداة حرب حزيران/ يونيو 1967 نبّههم ستيوارت إلى أنّ البلدان العربيّة الخارجة للتوّ من قرون من الاستعمار لا يُمكن أن تبقى على هشاشتها الرّاهنة. الآن يشكو الإسرائيليّون من الضغط السعودي على الرئيس دونالد ترامب، والذي حمله على التراجُع عن وعده لهم بالاعتراف بـ "يهودا والسامرة" (الضفّة الغربيّة) أرضاً إسرائيليّة. هذا ما حملَ إيتمار بن غفير على شنّ حملةٍ شعواء على الرئيس الأميركي من دون أن يأخذَ بالاعتبار كلام جدعون ليفي في "هآرتس".. "لولا الإمدادات العسكريّة الأميركيّة اليوميّة لكان علينا أن نقاتل الفلسطينيّين بالعصي والحجارة". لكنّ بن غفير خائف من أنّ الخطوة الأميركيّة قد تَستتبع خطوات أخرى "يمكن أن تهدّد وجودنا". وكان بنيامين نتنياهو قد علّق على التهديد الضمني الذي أطلقه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس بوقف تزويد الدولة العبريّة بالسلاح، بعدما مضت بعيداً في سياساتها الإسبارطيّة، بذلك الكلام الغبي "علينا الآن أن نعتمد على إمكاناتنا الذاتيّة في بناء قوّتنا"، ليعلّق السناتور بيرني ساندرز ساخراً "لا بأس أن تستوردوا الطائرات من المرّيخ..."
شرط الدولة الفلسطينيّ
وكان السخط الإسرائيلي قد انفجر بعدما أعلنت الرياض ربط التطبيع بإقامة الدولة الفلسطينيّة. القناة 14 قالت: "السعوديّون يريدون تعليق جثثنا على حائط المبكى"، وإلى حدّ السؤال ما "إذا كانت الأسوار قد بدأت تتهدّم من حولنا؟". لكنّ وزير الدفاع يسرائيل كاتس الذي يصف معارضوه رأسه بـ "الحفرة التي تصلح لتربية العناكب" ما زال عند موقفه بأنّ الطريق إلى "إسرائيل الكبرى" ما زال مفتوحاً على مصراعَيْه. على هذا الأساس "لا انسحاب من المناطق العازلة في كلّ من لبنان وسوريا". البَلدان كبوّابة لتحقيق الخرافة، ينبغي أن يبقَيا على فوّهة البركان.
مثلما تسلّلت تلك الثلّة من الذئاب تحت الظلام إلى السلطة، لا تزال قابعة في الظلام، وتحت شعار الحاخام مئير كاهانا "لتَنطفئ كلّ الشموع في الشرق الأوسط". ثمّة أسئلة كثيرة على الساحة الإسرائيليّة ما إذا كان اليمين الذي بقي على هامش السلطة لنحو ربع قرن في الطريق إلى التقهقر. استطلاعات الرأي تُظهر تقدُّم الجنرال غادي آيزنكوت الذي، في نظرنا، لا يُمكن أن تُقارَن شخصيّته بشخصيّة بنيامين نتنياهو، بأبعادها الشكسبيريّة. لا وضوح في الصورة؛ لكنّه الرجل الذي وصفَ لبنان بـ "مقبرة رؤساء وزراء إسرائيل"، بطبيعة الحال لا يريد أن يكون له قبر هناك. ولكن هل يُمكن له تشكيل حكومة في وسط تلك الفسيفساء السياسيّة البالغة التعقيد "لكأنّنا أمام غرنيكا سياسيّة" كما كَتبت "معاريف"، التي ترى أنّ "تشكيل الحكومة يحتاج إلى ثعلبٍ محنّك، لا إلى جرذٍ يحفر عشوائيّاً في الأرض".
زعيم اللّيكود لا يريد أن ينتهي كما انتهى مرشده الروحي مناحيم بيغن داخل بطّانيّة الصوف، ولا كما انتهى "بطله الأسطوري" آرييل شارون في الغيبوبة. أمّا إيهود أولمرت، فقد شقَّ طريقه بخطىً حثيثة إلى الزنزانة ليَظهر في الصورة هيكلاً عظميّاً خَرَجَ للتوّ من القبر كي يتناول طبق الحساء، ثمّ يعود إلى حيثما كان..
زوجته سارة قالت "نحزم حقائبنا ونغادر، ولْتَحترق إسرائيل" بعدما قال عاموس هرئيل إنّ نتنياهو انتهزَ تلك "اللّحظة الإيرانيّة" ليخوضَ تلك السلسلة من الحروب، وحيث أدّت حربُ غزّة الى تعرية الدولة العبريّة أمام العالَم بالانتقال الغبيّ من دَور الضحيّة التي كان يَستقطب قوىً هائلة في الغرب إلى دَور الجلّاد الذي يُفترض أن يُعلّق على حبل المشنقة.
إنّهم يبيعون أرواحهم للشيطان
في إسرائيل وحيث الدخول الأعمى في الثقافة التوراتيّة أو في الثقافة التلموديّة، لا بدّ للساسة من أن يَقتدوا بتراجيديّة "فاوست" لعملاق الأدب الألماني غوته، أي أن يبيعوا أرواحهم للشيطان. لا إدراك البتّة للتحوّلات التي تحدث في الرأي العامّ الأميركي، ولا في الرأي العامّ العالَمي. لنتابع ما يُقال، وما يُكتب. الآن في "معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى" صدمة داخل "الدولة العميقة" في إسرائيل، وإلى حدّ القول "لكأنّ يهوه تخلّى عنّا في هذا الظلام". التوقيع على اتّفاقيّة مكّة الدفاعيّة بين السعوديّة وتركيا وباكستان، لا بدّ من أن يؤدّي الى إحداث انقلابٍ في المشهد الاستراتيجي للشرق الأوسط.
كلام من قبيل ليست بالاتّفاقيّة الموحى بها أو المُبرمَجة، ولأغراضٍ محدّدة، من الخارج، بل إنّها ناتجة عن المصالح المشتركة للدول الثلاث، مع تداعيات ذلك على دولٍ أخرى لطالما عانت من الفوضى الإيديولوجيّة، بأبعادها الجيوسياسيّة والجيوستراتيجيّة، مع تسليط الضوء على "الدرع النووي" الباكستاني الذي لا بدّ يدفع بعيداً بالتهديدات الإسرائيليّة التي طالما ركّزت "على الضربات النوويّة المنتظرة، بل والحتميّة".
بطبيعة الحال لا بدّ للاتّفاقيّة من أن تَحمل تل أبيب، وربّما غيرها أيضاً، على إعادة النَّظر بالمُقارَبة الصمّاء لـ "اللّاهوت الاستراتيجي"، بعدما تبيّن أنّ هناك مَن يرى الواقع من ثقب الباب ليضعَ المنطقة دوماً على حافّة الهاوية أو على حافّة النهاية. ليبقى السؤال عن موقف القوى العظمى من الاتّفاقيّة الثلاثيّة، وهل حقّاً ما انتهى إليه الفيلسوف الفرنسي فرنسوا بورغا حول ضرورة الحدّ من دور "الأصابع الغليظة" في محاولة إدارة الأجيال وإدارة الثروات، وحتّى إدارة الأزمنة، في الشرق الأوسط؟
لكنّنا الآن في وسط تلك الفوضى الأبوكاليبتيّة، وحيث "رقصة الفالس فوق الجثث"، حتّى أنّ الجنرال الأميركي ديفيد بترايوس، الذي دعا إلى الخروج ممّا دعاها بـ "استراتيجيّة المستنقعات"، يرى "ضرورة أن يبحث سكّان الشرق الأوسط عن طرقاتٍ أخرى، وعن أبوابٍ أخرى لصناعة الأُفق، لا البقاء إلى الأبد رهينة الخنادق أو رهينة القبور". لعلّها نهاية الرؤوس المُقفلة والأزمنة المُقفلة.
منذ قرون قال الفيلسوف اليهودي الهولندي باروخ سبينوزا لليهود "اخلعوا هذا النَّوع من الحاخامات عن أكتافكم مثلما تخلعون معاطفكم الرثّة، لأنّهم يمتطون النصوص المقدّسة مثلما يمتطون أرواحكم"، فكان أن طاردوه بالسكاكين من هولندا الى موطن آبائه البرتغال. كم نَوع من الحاخامات، ومن أقصى الأرض الى أدناها، يطاردوننا بالسكاكين، حتّى في عقر دارنا، كي نبقى في دوّامة البقاء أو اللّابقاء!
تعليق BETH
المقال مكتوب من زاوية فكرية شديدة الوضوح، ويستخدم لغة أدبية وصورًا تاريخية ودينية كثيفة، لذلك لا ينبغي قراءته بوصفه تقريرًا بقدر ما هو رؤية تحليلية للكاتب تجاه المسار الذي تتخذه إسرائيل وتحولات البيئة السياسية المحيطة بها.
ومن منظور BETH، أهم ما يستحق التوقف عنده ليس حدة اللغة، بل الفكرة الأعمق خلفها: القوة التي لا تتكيف مع تغير المجتمع الدولي، والرأي العام، وموازين المصالح، قد تتحول مع الوقت من مصدر حماية إلى عبء على صاحبها.
والتطور الأهم في المنطقة اليوم أن الدول العربية المؤثرة، وفي مقدمتها السعودية، لم تعد تكتفي برد الفعل؛ بل بدأت تبني أدوات سياسية واقتصادية ودفاعية تمنحها مساحة أكبر في صياغة التوازنات.
المشكلة إذن ليست في قوة إسرائيل اليوم، بل في قدرتها على قراءة العالم الذي سيتشكل غدًا.