ثقوب المليارات

news image

حين تنفق الدولة مليارات على مشروعات يُفترض أن تعيش لعقود، لا يكون الخطر في حجم الإنفاق فقط، بل في الثقوب الصغيرة التي قد تمر منها الهدر، ورداءة التنفيذ، وضعف الصيانة، ومخاطر تضارب المصالح

 

كتب: عبدالله العميره

حين تخصص الدولة مليارات لمشروعات خدمية وتنموية، فإنها لا تشتري مبنى أو حديقة أو طريقًا فقط؛ بل تشتري عمرًا افتراضيًا، وجودة، واستدامة، وأثرًا طويل المدى.

ولهذا فإن السؤال الأهم ليس: كم أنفقنا؟

بل: ماذا بقي مما أنفقنا عليه؟

فالمشكلة لا تبدأ دائمًا عند الوزارة التي تخصص الميزانية، بل قد تنشأ في المسافة بينها وبين الفرع المنفذ؛ حين يضعف الانسجام الإداري، أو تتقدم المجاملات والاعتبارات الشخصية على المعايير المهنية، كما قد تظهر الثغرات بين الجهة المالكة والمقاول، وبين المقاول والمقاولين من الباطن.

وكلما طالت سلسلة التنفيذ، اتسعت الحاجة إلى رقابة مستقلة لا تكتفي بالتقارير، بل تنزل إلى الأرض، وتراجع الجودة، والكلفة، والعقود، والتغييرات، والاستلام، ثم تعود بعد عام وعامين لتسأل:

هل بقي المشروع كما وُعد به؟

المليارات لا تحتاج إلى رقابة أكبر فقط، بل إلى رقابة مختلفة.

مشروعات التشجير والإسكان مثال واضح.

قد تُصرف مبالغ ضخمة على البناء أو غرس الأشجار، ثم تظهر في بعض المشروعات عيوب لا تتناسب مع قيمتها، أو لا يبقى من التشجير بعد سنوات ما يوازي كلفته.

وقد تُنشأ حدائق جميلة، ثم تتراجع لأنها لم تُبنَ منذ البداية على صيانة مستدامة.

وقد تُجمّل شوارع ومرافق، ثم يظهر الضعف في التشغيل والصيانة، أو في تأهيل العمالة، أو في مستوى الإشراف.

والأهم من ذلك رضا المواطن؛ فالمشروع الذي تراه الجهة المنفذة إنجازًا، قد يراه المواطن محدود الفائدة إذا لم يطل عمره، أو لم يحقق الغاية التي أُنشئ من أجلها: خدمته وراحته وتحسين جودة حياته.

ولا أعمم هنا؛ فهناك مناطق قدّمت أعمالًا وإنجازات رائعة وملموسة الأثر، كما أن هناك مشروعات قد يكون حضورها الإعلامي أكبر من أثرها الفعلي في حياة المواطن.

وهنا لا تكون المشكلة في الشكل الأول للمشروع، بل في قدرته على البقاء بالجودة نفسها.

فالخطر الأكبر أن يتحول المشروع الحكومي إلى صورة افتتاح: أشجار تُزرع، وأرصفة تلمع، وحدائق تُفتتح، ثم يتراجع الاهتمام بعد انطفاء الكاميرات.

وهذا أيضًا ليس حكمًا عامًا؛ فهناك تجارب تكشف بوضوح أثر جودة الإدارة، والفكر الإبداعي، وحسن توظيف الميزانيات. ويظهر ذلك في تفاوت متانة المشروعات وجمالها واستدامتها بين مدينة وأخرى، بل أحيانًا بين مدن المنطقة الواحدة.

ولعل الخبر مثال بارز بين مدن المنطقة الشرقية بما حققته من جمال وتنظيم وجودة حضرية، كما تبرز حائل بتجربة لافتة في العناية بالمشهد الحضري وجودة المرافق.

والسؤال هنا ليس: لماذا تختلف المدن؟ فمن الطبيعي أن تكون لكل مدينة طبيعتها واحتياجاتها، وإنما:

كيف استطاعت إدارة هنا أن تحقق من الميزانية أثرًا أوضح وأبقى من إدارة أخرى؟

فنجاح المشروع لا تقيسه قيمة ما صُرف عليه، بل جودة ما أُنجز، وطول عمره، ومقدار ما أضافه إلى حياة الناس.

كما أن بقاء المسؤول الخدمي في موقعه مدة طويلة قد يحمل خطر تراجع التجديد، خصوصًا إذا ضاقت دائرة القرار، ولم تُمنح الكفاءات الشابة مساحة حقيقية للمبادرة وصلاحيات تسمح لها بالإبداع.

فجودة المدن لا تصنعها الميزانيات وحدها؛ بل تصنعها أيضًا إدارة متجددة، وكفاءات ممكّنة، وقدرة على تحويل المال إلى أثر.

والمعيار الحقيقي للنجاح يبدأ بعد الافتتاح، لا قبله:

كم عاش المشروع؟

كم كلفت صيانته؟

هل بقي بالجودة نفسها بعد خمس سنوات؟

وهل ما صُرف عليه يتناسب مع عمره وأثره؟

هذه الأسئلة يجب أن تكون جزءًا أصيلًا من تقييم المشروعات، لا مجرد فضول صحفي.

وهنا تبرز أهمية الرقابة المستقلة والوقائية، ودور هيئة الرقابة ومكافحة الفساد والجهات الرقابية المختصة في حماية النزاهة والمال العام، خصوصًا في المشروعات ذات الميزانيات الضخمة والقطاعات الخدمية والبلدية والصحية والإسكانية ومشروعات جودة الحياة. وتتبنى المملكة أصلًا أدوات للوقاية من مخاطر الفساد وتعزيز الشفافية في المشتريات الحكومية، إلى جانب الرقابة والتحري عن المخالفات.

فكل مشروع كبير يحمل بطبيعته نقاطًا تستحق رقابة أشد:

تغييرات في العقود.

تمديدات.

أعمال إضافية.

مقاولون من الباطن.

اختلاف محتمل بين المواصفات والتنفيذ.

واستلام قد يبدو مكتملًا على الورق، بينما تكشف سنوات التشغيل الأولى حقيقة الجودة والاستدامة.

وهنا تصبح الرقابة المبكرة أكثر قيمة من التحقيق المتأخر.

مكافحة الفساد لا تبدأ بعد ضياع المال؛ بل تبدأ قبل صرفه، عند تصميم العقد، وأثناء التنفيذ، وعند اختبار الجودة، وبعد تشغيل المشروع.

ولا يقل الإعلام أهمية.

فالإعلام الذي يكتفي بنقل أخبار التدشين والافتتاح يروي نصف القصة فقط.

المشروع لا يحتاج خبرًا عند افتتاحه فحسب، بل يحتاج سؤالًا بعد عام:

ماذا بقي منه؟

والنقد هنا ليس خصومة مع الجهة الحكومية، بل حماية لها، وحماية للمال العام، وحماية للثقة.

الدولة لا تدفع مليارات من أجل يوم الافتتاح، ولا من أجل التجمل والتجميل المؤقت فقط.

الدولة تدفع من أجل أعوامًا بعده.

ولهذا فإن كل مشروع بمليار ريال يجب أن يُعامل كما لو أن كل ريال فيه تحت المجهر.