لا تؤجل نفسك
كتب: عبدالله العميره
كم من يومٍ جميل أفسدناه ونحن نحاول فهم شيء لم يكن يحتاج إلى كل هذا الاهتمام والتدقيق؟
كلمة قيلت على عجل، ورسالة تأخرت، وصوت تغيّر قليلًا، وصمت طال أكثر مما اعتدنا.
فنبدأ في جمع الاحتمالات، ونمنح التفاصيل الصغيرة حياةً كاملة داخل رؤوسنا، حتى يصبح التفكير فيها أكثر إرهاقًا من الحدث نفسه.
لكننا حين نتوقف قليلًا، ونمنح بعض الأفكار وقتًا، نكتشف أننا أعطيناها أكبر من حجمها، وأن ما أقلقنا فيها لم يكن معقدًا كما تصورناه.
وحتى الموضوعات الصعبة والملفات المستعصية، قد يكون إرجاؤها قليلًا مفيدًا؛ فبعض الحلول لا تأتي تحت الضغط، بل تظهر حين نمنح العقل فرصة ليراها.
بعض الأشياء لا تستحق كل هذا الاستنزاف.
ليس كل صمت رسالة، ولا كل تأخر موقفًا، ولا كل فتور نهاية تحتاج إلى تحقيق طويل.
وأحيانًا تكون الإجابة أمامنا، لكننا نرفض بساطتها لأننا نبحث عن تفسير آخر.
فالسلوك، حين يتكرر، يصبح جوابًا.
ومع الوقت نتعلم أن أجمل الناس ليسوا بالضرورة أكثرهم كلامًا أو حضورًا، بل أولئك الذين لا يرهقون القلب، ولا يجعلونك تراجع نفسك بعد كل لقاء، أو تقيس مكانتك لديهم كل صباح.
وفي العلاقات الآمنة، لا يعني الصمت دائمًا غياب الشعور؛ فالطمأنينة تقلل أحيانًا الحاجة إلى الشرح والإثبات المستمر، وقد تفرض الظروف صمتًا أقوى من الكلام.
والتماس العذر نعمة؛ لأنه يحمينا من استنزاف أنفسنا في تفسير أشياء وأشخاص أكثر مما ينبغي.
وحين يحجب الصمت تفاصيل الظرف، يبقى حسن الظن أرحم من اختراع تفسير قد لا يكون صحيحًا.
وهناك من يرحلون.
لكن الناس لا يرحلون كاملين.
يبقى منهم شيء: عبارة تعلمناها، عادة أحببناها، ضحكة نتذكرها، أو درس جعلنا أكثر وعيًا بما نستحق.
ولهذا ليس كل رحيل خسارة كاملة؛ فبعض الراحلين يتركون معنا أفضل ما كان فيهم، ويأخذون معهم ما كان يتعبنا.
وسط كل هذا، نرتكب خطأ أكبر:
نؤجل أنفسنا.
نقول: سأرتاح حين تنتهي هذه المشكلة.
سأفرح حين يستقر كل شيء.
سأسافر حين يقل العمل.
وسأعيش كما أحب حين تأتي الإجابة، أو تتغير الظروف، أو يصبح كل شيء في مكانه.
وكأن الحياة موعد مؤجل إلى أن تصبح مثالية.
لكنها لا تصبح كذلك.
تنتهي مشكلة، فتأتي أخرى، وينغلق باب، فيفتح سؤال جديد.
ولهذا ليست الراحة كسلًا، ولا الفرح تجاهلًا للمشكلات، ولا أن تختار نفسك أنانية.
أحيانًا تحتاج فقط إلى أن تجلس من دون أن تنجز شيئًا، وأن تشرب قهوتك من دون قائمة واجبات، وأن تضحك رغم أن هناك أمورًا لم تُحل بعد.
والحكيم لا ينتظر حياةً بلا كَبَد، بل يتعلم كيف يخفف وطأتها؛ بحسن الظن، ومرونة النفس، وقبول ما لا يستطيع تغييره، وألّا يحمل الأشياء أكثر مما تحتمل.
فليس مطلوبًا منك أن تصلح العالم قبل أن تسمح لنفسك بساعة هادئة.
ستبقى أشياء بلا تفسير، وأسئلة بلا إجابات كاملة، ومواقف لن تفهمها كما كنت تتمنى.
لكن حياتك لا ينبغي أن تتوقف.
النضج أن تعرف متى تتوقف عن البحث عن جواب، وتبدأ في العيش.
لا تجعل حياتك غرفة انتظار.
لا تؤجل يومًا جميلًا من أجل رسالة، ولا فرحًا صغيرًا من أجل موقف، ولا راحتك حتى يرضى الجميع، ولا نفسك حتى تفهم كل شيء.
فالعمر لا ينتظر حتى تنتهي حيرتنا.
وبعض العمر يجب أن نعيشه… قبل أن نفهمه.