حربان تبحثان عن نهاية
في الشرق الأوسط تضغط واشنطن على النظام الإيراني، وفي أوروبا تراهن موسكو على الوقت والميدان؛ حربان مختلفتان في الأدوات والأهداف، لكنهما تلتقيان عند سؤال واحد: متى وكيف تنتهيان؟
إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
العالم يعيش اليوم حربين كبيرتين تختلفان في طبيعة الصراع، وفي ميزان القوة، وفي الأهداف النهائية، لكنهما تلتقيان عند المعضلة نفسها:
كيف تنتهي الحرب؟
في المواجهة الأمريكية الإيرانية، تبدو الصورة أكثر وضوحًا نسبيًا؛ واشنطن تضغط عسكريًا واقتصاديًا وسياسيًا على النظام الإيراني، فيما يحاول الأخير الصمود ورفع كلفة المواجهة عبر هرمز وأدواته العسكرية.
أما في الحرب الروسية الأوكرانية، فالمشكلة أكثر تعقيدًا؛ فروسيا لا تستطيع إنهاء أوكرانيا كدولة، وأوكرانيا لا تستطيع إخراج روسيا بالقوة وحدها من كل الأراضي التي تسيطر عليها، بينما يمنع حضور الناتو والدعم الغربي تحوّل الحرب إلى نصر روسي كامل.
وهكذا نجد أنفسنا أمام حربين مختلفتين:
الأولى تبحث عن نهاية بعد ضغط متصاعد على نظام.
والثانية تبحث أصلًا عن تعريف للنهاية المقبولة.
الحرب الأولى | أمريكا وإيران
بعد 182 يومًا، لم يعد السؤال من يربح الجولة، بل من يملك تصورًا لليوم التالي: واشنطن تضغط على النظام، وطهران تقاتل للبقاء، وهُرمز يتحول من ممر بحري إلى أداة تفاوض بالقوة
بعد 182 يومًا من المواجهة الأمريكية الإيرانية، لم تعد المشكلة الكبرى عسكرية فقط، بل سياسية أيضًا: كيف تنتهي الحرب؟
واشنطن رفعت مستوى الضغط إلى مرحلة جديدة؛ ضربات واسعة، استهداف للرادارات والقدرات البحرية ومنشآت زرع الألغام، عقوبات اقتصادية، وضغط داخلي متزايد على النظام الإيراني.
وفي الوقت نفسه، تظهر داخل الإدارة الأمريكية رغبة في إبقاء الحرب ضمن حدود لا تتحول معها إلى استنزاف مفتوح، خصوصًا مع ارتفاع أسعار النفط واقتراب انتخابات الكونغرس.
وهنا يظهر التناقض الأمريكي الأول: التصعيد مطلوب لزيادة الضغط، لكن اتساع الحرب قد يرفع كلفتها السياسية والاقتصادية على واشنطن نفسها.
في المقابل، لا تبدو إيران قادرة على استعادة التفوق العسكري، لكنها ما زالت تملك قدرة كافية لتهديد الملاحة ورفع تكلفة المواجهة.
وتشير الضربات الأمريكية الأخيرة على الرادارات والقدرات المرتبطة بكشف السفن واستهدافها إلى محاولة واضحة لتقليص قدرة طهران على استخدام هرمز كساحة ضغط، لكن هذه القدرة لم تُلغَ بالكامل.
وهنا تتضح عقدة الحرب:
أمريكا تستطيع أن تدمر جزءًا كبيرًا من قدرة إيران على التحكم في هرمز، لكنها لا تستطيع بالصواريخ وحدها أن تصنع نظامًا جديدًا في طهران.
وفي المقابل:
إيران تستطيع أن تجعل هرمز أكثر خطورة، لكنها لا تستطيع تحويل ذلك إلى نصر استراتيجي دائم.
العقدة الأمريكية
إذا كان الهدف الأمريكي هو إعادة إيران إلى التفاوض، فإن التصعيد الواسع قد يجعل العودة إلى الطاولة أصعب.
أما إذا أصبح الهدف الفعلي هو تغيير النظام، فهنا تبدأ مشكلة أكبر: من يحكم إيران في اليوم التالي؟
حتى الآن لا تظهر قوة سياسية موحدة داخل المعارضة الإيرانية قادرة بوضوح على تولي مرحلة انتقالية مستقرة، فيما تعاني قوى المعارضة في الخارج من الانقسام وضعف التنظيم داخل البلاد.
وهذا يعني أن واشنطن قد تنجح في إضعاف النظام قبل أن تعرف ماذا تفعل إذا انهار.
العقدة الإيرانية
طهران تراهن على معادلة قديمة:
إذا لم تستطع الانتصار، فارفع كلفة خصمك.
ولهذا يصبح مضيق هرمز أكثر أهمية لإيران كلما تراجعت قدراتها العسكرية التقليدية.
فالتهديد بالملاحة، ورفع أسعار النفط، وإرباك أسواق الطاقة، يمنح طهران أوراقًا لا تستطيع الحصول عليها من ساحة القتال وحدها.
لكن هذه الاستراتيجية تحمل خطرًا كبيرًا.
فكل هجوم على الملاحة أو توسع للمواجهة في الخليج قد يدفع مزيدًا من الدول بعيدًا عن إيران، وقد يحول حتى الدول التي تحاول البقاء خارج الحرب إلى أطراف أكثر تشددًا تجاه طهران.
والأهم أن القوى الكبرى المستوردة للطاقة، وفي مقدمتها الصين، لا تستطيع قبول تحول هرمز إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار.
حرب بلا منتصر واضح
المعادلة الحالية لا تمنح أي طرف انتصارًا كاملًا.
واشنطن تملك تفوقًا عسكريًا واقتصاديًا هائلًا، لكنها تحتاج إلى نهاية سياسية قابلة للحياة.
وطهران تستطيع إطالة المواجهة ورفع تكلفتها، لكنها تدفع في المقابل ثمنًا اقتصاديًا وعسكريًا متزايدًا.
لهذا أصبحت الحرب أقرب إلى سباق بين قدرة أمريكا على استمرار الضغط وقدرة النظام الإيراني على البقاء تحت الضغط.
التوقعات
السيناريو الأرجح خلال الأسابيع المقبلة هو استمرار الحرب على شكل موجات قصيرة: ضربات أمريكية دقيقة، وردود إيرانية محسوبة، مع استمرار الحصار والعقوبات.
هذا السيناريو يسمح للطرفين بالتصعيد من دون الانزلاق مباشرة إلى حرب شاملة.
أما السيناريو الأخطر فهو وقوع خطأ كبير في هرمز، أو ضربة تسقط أعدادًا كبيرة من الأمريكيين أو الخليجيين؛ عندها قد تنتقل واشنطن من استهداف القدرات العسكرية إلى ضرب مراكز القيادة والسيطرة العليا.
ويبقى السيناريو الأقل احتمالًا حاليًا هو العودة السريعة إلى تفاوض شامل، لأن الخطاب السياسي للطرفين أصبح أكثر تشددًا، حتى مع بقاء قنوات الوساطة مفتوحة جزئيًا.
ما بعد الحرب
هذه ليست حربًا تبحث عن انتصار فقط.
إنها حرب تبحث عن نهاية لا يعرف أي طرف حتى الآن كيف يصنعها.
والسؤال الأخطر لم يعد:
هل تستطيع إيران الصمود؟
بل:
ماذا سيحدث إذا لم تستطع؟
الحرب الثانية | روسيا وأوكرانيا
بعد أكثر من أربع سنوات من الحرب، لم يعد السؤال الروسي الأوكراني متعلقًا فقط بمن يتقدم بضعة كيلومترات، بل بما إذا كان أحد الطرفين يستطيع أصلًا تحويل التقدم العسكري إلى نهاية سياسية قابلة للاستمرار.
روسيا ما زالت تضغط عسكريًا، وتواصل الهجمات بالصواريخ والمسيّرات، لكن مكاسبها البرية بقيت محدودة نسبيًا، ولم تحقق اختراقًا يحسم الحرب. وفي المقابل، تواصل أوكرانيا ضرب العمق الروسي، بما في ذلك البنية النفطية ومناطق قريبة من الحدود، محاولة نقل تكلفة الحرب إلى الداخل الروسي.
وهنا تظهر المشكلة الروسية:
موسكو تستطيع الاستمرار في الحرب، لكنها لم تثبت حتى الآن أنها تستطيع إنهاءها عسكريًا.
ماذا تريد روسيا؟
هذه هي العقدة الأكثر غموضًا.
موسكو تطالب بضمانات سياسية وأمنية وإقليمية، أبرزها تثبيت مكاسبها في الشرق، ومنع انضمام أوكرانيا إلى الناتو، والحد من الوجود العسكري الغربي داخلها. وهذه المطالب ظلت جوهر الموقف الروسي في مسارات التفاوض المختلفة.
لكن السؤال هو:
هل تريد روسيا هذه المطالب نتيجة للحرب، أم تريد الحرب نفسها وسيلة دائمة لفرضها؟
فالقبول بتسوية يتطلب من موسكو الاكتفاء بجزء مما حصلت عليه، بينما الاستمرار في القتال يعني دفع كلفة أكبر من أجل مكاسب بطيئة.
العقدة الأوكرانية
أوكرانيا بدورها تواجه معادلة صعبة.
هي لا تستطيع قبول تسوية تبدو استسلامًا أو اعترافًا نهائيًا بخسارة أراضٍ واسعة، لأنها ستفتح أزمة سياسية داخلية وتمنح روسيا مكسبًا استراتيجيًا كبيرًا.
وفي المقابل، فإن استعادة كل الأراضي بالقوة تبدو شديدة الصعوبة من دون تغير كبير في ميزان الدعم الغربي أو تدخل أكثر مباشرة من دول الناتو.
ولهذا تتمسك كييف بالضمانات الأمنية باعتبارها جزءًا أساسيًا من أي نهاية محتملة للحرب. وقد تحدث الرئيس فولوديمير زيلينسكي مؤخرًا عن نافذة أمريكية للوساطة تمتد حتى صيف 2027، وعن أفكار تشمل وقف إطلاق النار وترتيبات خاصة في دونباس.
الناتو | الحاضر الذي يمنع الحسم
وجود الناتو في خلفية الحرب هو العامل الذي يجعل أي انتصار روسي كامل شبه مستحيل، لكنه في الوقت نفسه لا يعني أن الحلف يريد الدخول في مواجهة مباشرة مع موسكو.
ولهذا تستمر المعادلة الدقيقة:
الناتو يمنع سقوط أوكرانيا، لكنه يحاول ألا يدخل الحرب بنفسه.
غير أن استمرار الحوادث السيبرانية والمسيّرات وعمليات التخريب داخل أوروبا يرفع تدريجيًا احتمال أن تتجاوز المواجهة حدود أوكرانيا، وهو السيناريو الذي يمكن وحده أن يقلب ميزان الحرب جذريًا.
روسيا تفاوض بالوقت
تبدو موسكو حتى الآن وكأنها تراهن على أن الزمن يعمل لمصلحتها:
إرهاق أوكرانيا، استنزاف الدعم الغربي، وزيادة الضغط الداخلي على الحكومات الأوروبية والأمريكية.
لكن هذه الاستراتيجية ليست بلا ثمن.
فالاقتصاد الروسي يواجه قيودًا وعقوبات، فيما تحاول موسكو فتح قنوات اقتصادية مع واشنطن؛ وقد تحدث وزير المالية الروسي اليوم عن إمكانية بناء مصالح مالية مشتركة بين البلدين، بينما أكدت واشنطن أن لا تخفيف اقتصادي قبل انتهاء الحرب.
وهنا تصبح المفارقة واضحة:
روسيا تريد مكاسب اقتصادية من السلام، لكنها لم تحسم بعد ثمن السلام سياسيًا.
التوقعات
السيناريو الأرجح ليس انتصارًا عسكريًا كاملًا لأي طرف، بل استمرار القتال بالتوازي مع مفاوضات متقطعة إلى أن تصبح تكلفة الحرب أعلى من قيمة المكاسب الإضافية.
وقد نصل عندها إلى وقف إطلاق نار طويل أو تسوية مرحلية أكثر من وصولنا إلى اتفاق سلام نهائي يحل كل القضايا.
أما السيناريو الأخطر فهو انتقال الحرب خارج الحدود الأوكرانية بصورة مباشرة، بما يدفع الناتو إلى رد عسكري أكبر؛ عندها ستتغير الحرب كلها، لا خطوط الجبهة فقط.
الحربان
الفارق بين الحربين كبير.
في إيران، يمكن تصور نهاية تأتي من انهيار قدرة النظام على الاستمرار أو قبوله بشروط جديدة.
أما في أوكرانيا، فلا يوجد طرف يمكن شطبه من المعادلة.
روسيا ستبقى.
وأوكرانيا ستبقى.
والناتو سيبقى خلفها.
ولهذا قد تكون الحرب الروسية الأوكرانية أصعب في إنهائها حتى لو كانت أقل انفجارًا في بعض مراحلها.
وفي النهاية، تعود الحربان إلى السؤال نفسه:
الحرب الأمريكية الإيرانية: ماذا يحدث إذا لم تستطع إيران الصمود؟
والحرب الروسية الأوكرانية: ماذا يحدث إذا استطاع الطرفان الصمود طويلًا؟
وهنا تصبح الخاتمة الأقوى عندي:
حربان تبحثان عن نهاية؛
إحداهما قد تنتهي عندما يعجز طرف عن الاستمرار،
والأخرى قد لا تنتهي إلا عندما يقتنع الطرفان أن الاستمرار لم يعد يغيّر النتيجة.
في النهاية، لا تبدو القوة وحدها قادرة على إغلاق هاتين الحربين، ولا الحكمة وحدها كافية من دون قوة تفرض حدود الممكن.
الحرب الأمريكية الإيرانية أقرب إلى نهاية أسرع إذا فقدت طهران قدرتها على الاستمرار أو قبلت بشروط جديدة؛ أما الحرب الروسية الأوكرانية فمرشحة لأن تطول، لأنها تحتاج لحظة يقتنع فيها الطرفان أن ما لم تحسمه القوة، لن يحسمه مزيد من القوة.
النهاية الحقيقية لكل حرب: حين تعرف القوة حدودها، وتبدأ الحكمة عملها.