لا تختبر مكانتك

news image

كتب: عبدالله العميره

بعض العلاقات لا تتعبنا لأنها سيئة، بل لأننا نُخضعها كل يوم لاختبار جديد.

نصمت لنرى من يسأل.
نتأخر لنرى من يلاحظ.
نبتعد قليلًا لنرى من يقترب.

ثم نراقب النتائج كما لو أن القلب مختبر.

المشكلة أن الطرف الآخر قد لا يعرف أصلًا أنه في امتحان.

قد يظن صمتك انشغالًا، وابتعادك رغبة في المسافة، وتأخرك أمرًا عاديًا؛ بينما أنت في الجهة الأخرى تنتظر منه إجابة عن سؤال لم تسأله.

وهكذا يمكن لعلاقة جميلة أن تتعب، لا من نقص المحبة، بل من كثرة قياسها.

أحيانًا نخسر الطمأنينة، لا لأن محبتنا قليلة، بل لأننا نطلب منها كل يوم أن تثبت نفسها.

والأشخاص الذين يمنحوننا الراحة ليسوا دائمًا الأكثر كلامًا أو حضورًا؛ بل أولئك الذين لا نشعر معهم أننا مطالبون بشرح كل شيء.

لا نفسر صمتنا.

ولا نبرر تعبنا.

ولا نستيقظ كل صباح لنسأل أنفسنا: هل ما زلت مهمًا؟

فالطمأنينة ليست أن نعرف الإجابة عن كل سؤال، بل أن تقل الأسئلة أصلًا.

ومع ذلك، ليست كل مسافة اختبارًا، ولا كل باب مغلق دعوة إلى مزيد من الطرق.

هناك لحظة يصبح فيها التوقف حكمة.

ليس لأننا أقل حبًا، ولا لأن الكبرياء انتصر؛ بل لأن الإصرار الجميل له حدود، وما بعد تلك الحدود قد يصبح استنزافًا.

وبعض ما يتأخر عنا نظنه خسارة، ثم نكتشف بعد وقت أنه منحنا فرصة لنرى الطريق كاملًا.

وبعض ما نفقده نحزن عليه طويلًا، قبل أن ندرك أن غيابه ترك في حياتنا مساحة أهدأ.

لا يعني ذلك أن نتخلى سريعًا، ولا أن نفسر كل ابتعاد بأنه نجاة.

فقط ألا نحوّل حياتنا إلى سلسلة اختبارات:

من يحب أكثر؟
من يسأل أولًا؟
من يستطيع الغياب أطول؟

العلاقات ليست مسابقات صبر.

والحب ليس جهاز قياس.

والمكانة الحقيقية لا تحتاج كل يوم إلى تجربة تثبت وجودها.

إذا وجدت إنسانًا تستطيع أن تكون معه كما أنت، بلا حسابات كثيرة، ولا رسائل مبطنة، ولا انسحابات تجريبية..

فلا تختبر مكانتك لديه كثيرًا.

لكن الأهم من ذلك أن تشعر بالتقدير من دون أن تضطر إلى طلبه.

لا تقديرًا مجانيًا بلا سبب، بل أن يُرى ما تفعله، ويُفهم ما تقصده، وتُقرأ عقليتك قبل أن تُحاكم نتائجك.

فالمشكلة ليست دائمًا في غياب التقدير؛ أحيانًا تكون في غياب الفهم الذي يصنعه.

وحين يغيب الفهم، يصبح من الصعب أن يجد الإنسان مكانته الحقيقية، مهما اجتهد في إثبات نفسه.

فالإنسان لا يحتاج إلى مكان يُصفَّق له فيه، بقدر ما يحتاج إلى مكان يُفهم فيه.

وحين يُفهم حقًا..

تأتي المكانة من تلقاء نفسها.

ومن قرأ هذا الكلام متسائلًا: ماذا يريد؟ فربما فاته المعنى كله؛ فبعض الناس يتكلمون حين يريدون شيئًا، وبعضهم لا يتكلم إلا بعد أن لم يعودوا يريدون شيئًا.

ولم ينتهِ الكلام.

فما سيأتي قد يكون أشد حاجة إلى الفهم.

والصحفي السيكولوجي الخبير لا يكتب من فراغ، ولا عن نفسه وحده؛ بل يلتقط ما يعجز كثيرون عن قوله، ويكتب للقراء على اختلافهم: سريع البديهة وبطيء التقاط المعنى، المبالي واللامبالي، المحب والكاره.

لأن المشكلة في النهاية ليست أن يختلف الناس معك، بل أن يحكموا على ما لم يفهموه أصلًا.