عيون BETH في عواصم القرار
30 أغسطس 2026
الصحافة العالمية لا تنظر إلى حرب إيران من نافذة واحدة: واشنطن تحصي ما استنزفته المعركة من ذخائر، وأوروبا تخشى تمدد العقوبات إلى تجارتها، وآسيا تبحث عن الطاقة، والشرق الأوسط يبني مظلاته الدفاعية، وأفريقيا تدفع فاتورة حرب بعيدة؛ فيما تتقدم السعودية في التغطيات الدولية من دولة تتعامل مع الأزمة إلى دولة تعيد هندسة أمن المنطقة
متابعة وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH
إشراف: عبدالله العميره
لا تتفق صحف العالم على المنتصر في الحرب، لكنها تتفق على أن آثارها خرجت من ساحة القتال.
فالخبر الذي يبدأ بصاروخ في الشرق الأوسط، يصل إلى واشنطن في صورة نقص في مخزون الذخيرة، وإلى أوروبا في سعر سلعة أو فاتورة تأمين، وإلى آسيا في شحنة غاز، وإلى أفريقيا في كيس سماد أو لتر وقود.
وبعد ستة أشهر من الحرب، لم تعد الصحافة العالمية تسأل فقط: ماذا يحدث بين الولايات المتحدة وإيران؟
بل أصبحت تسأل: ماذا فعلت هذه الحرب بنا؟
واشنطن | الحرب تأكل الذخيرة
انتقلت زاوية الصحافة الأمريكية من متابعة الضربات إلى حساب ما استهلكته الحرب من قدرة الولايات المتحدة على مواجهة خصوم آخرين.
وكشفت «وول ستريت جورنال» أن نقل كميات كبيرة من صواريخ الدفاع الجوي والأسلحة الدقيقة إلى الشرق الأوسط أثار قلق المخططين العسكريين من تراجع قدرة واشنطن على ردع الصين وروسيا.
وبحسب الصحيفة، وصلت مخزونات بعض صواريخ «باتريوت» و«أتاكمز» المخصصة لأوروبا إلى مستويات وُصفت بأنها «أكثر من حرجة»، فيما قد يستغرق تعويض بعض الأنظمة سنوات، لا أشهرًا.
وهذا يفسر جانبًا من انتقال إدارة ترامب من الضربات الواسعة إلى الحصار والعقوبات؛ فالضغط الاقتصادي لا يعكس فقط رغبة في خنق إيران، بل رغبة أمريكية في إيقاف استنزاف المخازن العسكرية.
وفي الصفحات الاقتصادية، يتقدم سؤال آخر: هل يرفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة مجددًا لمواجهة تضخم تغذيه الحرب والطاقة؟
قرأت «وول ستريت جورنال» تصريحات رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفن وارش باعتبارها تمهيدًا محتملًا لرفع الفائدة في سبتمبر، ما يضعه أمام اختبار سياسي: إما مواجهة التضخم وإغضاب البيت الأبيض قبل انتخابات التجديد النصفي، أو التريث والمخاطرة بفقدان الثقة في صرامة البنك المركزي.
أما الصحافة المحافظة، فتقدم اعتراف بزشكيان بتراجع التجارة الإيرانية بوصفه دليلًا على بدء نجاح الخطة الأمريكية، بينما تحذر أصوات أخرى من أن العقوبات قد تعمق معاناة الإيرانيين من دون أن تغيّر قرار القيادة.
واشنطن لم تعد تسأل فقط كيف تضغط على إيران، بل كيف تفعل ذلك من دون أن تستهلك سلاحها واقتصادها في حرب واحدة.
الولايات المتحدة | النفط الفنزويلي يدخل الحرب
برز في الصحافة الأمريكية ملف يبدو بعيدًا عن إيران، لكنه متصل بها مباشرة: النفط الفنزويلي.
كشفت «وول ستريت جورنال» عن خطة غير مسبوقة تمنح الحكومة الأمريكية، عبر البنتاغون، حصة في شركة خاصة تحصل على حقوق طويلة الأجل لتطوير حقول فنزويلية ضخمة، مقابل منح الولايات المتحدة وصولًا تفضيليًا إلى جزء من الإنتاج.
وتقرأ الصحيفة الخطوة باعتبارها انتقالًا للدولة الأمريكية من تشجيع الشركات على الاستثمار إلى الدخول شريكًا مباشرًا في صناعة النفط.
أما خلفيتها الأعمق، فهي أن حرب إيران واضطراب هرمز دفعا واشنطن إلى البحث عن نفط لا يمر عبر المضيق، وعن احتياطات تستطيع استخدامها لخفض الأسعار وتقليل نفوذ منتجي الشرق الأوسط.
هكذا أصبح النفط الفنزويلي جبهة غير معلنة في حرب إيران.
لندن | العقوبات قد تخنق ما وراء إيران
افتتاحية «الغارديان» حذرت من أن «الإنزال الاقتصادي» الذي أطلقه ترامب قد يرفع مستوى المخاطر بدلًا من إنهاء الحرب.
وترى الصحيفة أن ضعف الاقتصاد الإيراني لا يضمن خضوع النظام، وأن توسيع العقوبات إلى البنوك والشركات والدول المتعاملة مع طهران قد يحول الضغط على إيران إلى صدام مع الصين وشركاء آخرين، ويزيد معاناة السكان من دون نتيجة سياسية سريعة.
وفي المقابل، تركز «فايننشال تايمز» على الجبهة البحرية؛ إذ تابعت تهديد إيران عشرات السفن بالغرامة أو الاحتجاز والمصادرة بدعوى مخالفتها قواعد العبور التي فرضتها طهران في هرمز.
الزاوية البريطانية هنا عملية أكثر منها خطابية:
من يملك حق تنظيم المرور؟
من يؤمّن السفن؟
ومن يدفع إذا تحولت الرحلة التجارية إلى خسارة حرب؟
وتكشف التغطيات البريطانية أن السيطرة على المضيق لم تعد تُقاس بعدد القطع البحرية الموجودة فيه، بل بقدرة السفينة على العبور، وقدرة مالكها على شراء التأمين، وقبول طاقمها دخول منطقة الخطر.
أوروبا | الحرب تصل إلى الزعفران
اختارت صحيفة «إلباييس» الإسبانية زاوية صغيرة في حجمها، كبيرة في معناها: الزعفران.
إيران تنتج ما بين 90 و95% من الزعفران العالمي، بينما تمثل إسبانيا مركزًا مهمًا لاستيراده ومعالجته وتعبئته وإعادة تصديره.
وتخشى الشركات الإسبانية أن تعطل العقوبات الأمريكية المدفوعات والتأمين والنقل، بما يهدد سلسلة توريد لا يملك العالم بديلًا سريعًا لها.
القصة ليست عن التوابل وحدها.
إنها نموذج للطريقة التي تنتقل بها العقوبات من القطاع النووي والنفط والسفن إلى مطبخ ومصنع ومتجر في دولة أوروبية لم تشارك في الحرب.
وفي مقال تحليلي آخر، رأت «إلباييس» أن الشرق الأوسط يعيش نهاية مرحلة قديمة، مع تراجع قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأمن الإقليمي منفردة، وصعود السعودية وتركيا وباكستان بوصفها قوى تبني ترتيباتها الخاصة.
لكن الصحيفة ذهبت إلى استنتاج مثير للجدل حين قدمت إيران بوصفها قوة خرجت من الحرب بقدرة ردع متجددة بفضل هرمز، وهو استنتاج يتجاهل أن امتلاك القدرة على تعطيل المضيق لا يساوي القدرة على إدارة اقتصاد الدولة أو بناء قبول إقليمي مستدام.
بعض الصحافة الأوروبية ترى في قدرة إيران على الإيذاء قوةً، بينما تكشف أرقام إيران أن الإيذاء المتبادل لا يصنع ازدهارًا ولا انتصارًا.
أوكرانيا | مفاعل بلا كهرباء
بعيدًا عن إيران، عادت محطة زابوريجيا النووية إلى صدارة الاهتمام الأوروبي بعد انقطاع التغذية الكهربائية الخارجية عنها لأكثر من أسبوع، واعتمادها على مولدات الديزل الاحتياطية.
وحذرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية من خطورة استمرار الوضع، بينما تجري محادثات لإقامة وقف إطلاق نار محلي يسمح بإصلاح خطوط الكهرباء.
كما شغلت الصحافة الأوكرانية والأوروبية كارثة انفجار مستودع ذخيرة قرب كييف، بعد ضربة روسية أدت إلى سقوط عشرات القتلى والمصابين، ودفعت النيابة إلى التحقيق في تخزين الذخائر بالقرب من المناطق السكنية.
ويكشف حضور أوكرانيا مجددًا في الصفحات الأولى أن حرب إيران لم تُنهِ الحرب الأوروبية، لكنها سحبت منها السلاح والاهتمام السياسي، ثم تركتها تواجه خطرًا نوويًا يتقدم في الظل.
الصين | واشنطن تنفد منها الأوراق
تعرض «غلوبال تايمز» العقوبات الأمريكية بوصفها دليلًا على مأزق واشنطن لا على قوتها.
وتقول الصحيفة إن الولايات المتحدة، بعدما عجزت عن حسم الحرب عسكريًا، انتقلت إلى محاولة «الخنق الاقتصادي»، لكنها تقلل من قدرة العقوبات على إسقاط نظام اكتسب خبرة طويلة في المقايضة والتجارة بعملات غير الدولار والالتفاف على القيود.
وترى الصحيفة أن هرمز يمنح طهران وسيلة لجعل كلفة الضغط على إيران عالمية، وأن واشنطن قد تخسر إذا طال أمد المعركة أكثر مما يحتمل المواطن الأمريكي.
كما حذرت الصحافة الصينية من استهداف البنوك الصينية، واعتبرت التعاون مع إيران قانونيًا، مؤكدة أن بكين لن تتحمل مسؤولية فشل السياسة الأمريكية.
لكن خلف هذا الخطاب السياسي تظهر مخاوف اقتصادية صينية حقيقية.
فـ«تشاينا ديلي» تتابع تعثر فتح هرمز، وتأثير ارتفاع الوقود واضطراب المسارات الجوية في شركات الطيران الآسيوية، خصوصًا شركات الطيران منخفض التكلفة التي لا تملك تحوطًا كافيًا ضد تقلب أسعار الوقود.
الصين تقول إن العقوبات لن تنجح، لكنها تراقب كل سفينة وكل سعر وكل تهديد أمريكي لمصارفها.
فالرفض السياسي للعقوبات شيء، وتعريض البنوك الصينية للنظام المالي الأمريكي شيء آخر.
الهند | الغاز الأغلى منذ سنوات
تركز الصحافة الهندية على الأثر المباشر في أمن الطاقة.
وأفادت «تايمز أوف إنديا» بأن اضطراب الملاحة في هرمز أجبر شركات الطاقة الهندية على شراء الغاز الطبيعي المسال بأسعار تُعد من الأعلى منذ سنوات، ودفع نيودلهي إلى توسيع قائمة الموردين والبحث عن شحنات بديلة.
ولا تنظر الهند إلى هرمز باعتباره صراع نفوذ بعيدًا، بل شريانًا يصل إلى الصناعة والكهرباء والأسمدة والأسعار المحلية.
وفي الصحافة الباكستانية، تظهر زاوية مختلفة.
ترى افتتاحيات «دون» أن اتفاق مكة الدفاعي بين السعودية وباكستان وتركيا يمكن أن يكون نواة لترتيب أمني إقليمي أوسع، لكنها تدعو إلى طمأنة إيران ومنع تحوله إلى محور مذهبي.
وتطرح الصحيفة فتح هرمز بوصفه اختبار حسن النية الأول لطهران؛ فإيران لا تستطيع المطالبة بهندسة أمنية إقليمية مشتركة وهي تغلق الطريق الاقتصادي الرئيسي أمام جيرانها.
وفي صفحات الرأي الباكستانية يظهر أيضًا سؤال محلي: هل رفع اتفاق مكة مكانة باكستان الاستراتيجية على حساب الهند في غرب آسيا؟
وهكذا تنظر إسلام آباد إلى الاتفاق بوصفه دفاعًا إقليميًا، وعودةً باكستانية إلى مركز القرار في المنطقة في الوقت نفسه.
الصحافة العربية | هل يتحول الألم إلى احتجاج؟
ركزت صحف الخليج على انتقال الأزمة من أرقام الاقتصاد إلى احتمالات الشارع الإيراني.
وسألت «غلف نيوز» عمّا إذا كان تراجع الدخل، والتضخم السنوي الذي بلغ 66%، وارتفاع أسعار الغذاء، وانخفاض قيمة الريال، يمكن أن يدفع الإيرانيين إلى الاحتجاج، مشيرة إلى أن السلطات تعيد ترتيب أجهزتها الأمنية استعدادًا لهذا الاحتمال.
أما «عرب نيوز»، فركزت على تشدد القيادة الإيرانية الجديدة، التي تجمع بين رفض الاستسلام للخارج وتشديد السيطرة في الداخل، في ظل انقسام بين من يدعو إلى التفاوض لتخفيف الضغط ومن يرى أي تراجع تهديدًا لبقاء النظام.
وفي تغطيات أخرى، تتقدم أزمة المستوطنين في الضفة الغربية، واستمرار الضربات في غزة ولبنان، وتجدد نشاط الحوثيين تحت شعار «الحصار»؛ ما يؤكد أن حرب إيران لم تلغِ أزمات المنطقة، بل ربطتها ببعضها في مسرح واحد.
الصحافة العربية تقرأ اعتراف بزشكيان بوصفه بداية انكشاف، لكنها لا ترى أن الانكشاف الاقتصادي يعني انهيارًا سياسيًا قريبًا.
فالأنظمة قد تحتمل أرقامًا قاسية، لكنها تخشى اللحظة التي تتحول فيها الأرقام إلى غضب منظم.
إسرائيل | العدو الخارجي وعنف الداخل
تصدرت في الصحافة الإسرائيلية رسالة مجتبى خامنئي إلى حكام الخليج، وجرى تقديمها بوصفها محاولة إيرانية لكسر العزلة بعد ستة أشهر من الحرب.
لكن الاهتمام المحلي انصرف أيضًا إلى انفجار عنف المستوطنين في الضفة الغربية، واضطرار بنيامين نتنياهو إلى إدانة ما وصفه بـ«العنف الإجرامي» بعد أسابيع من الاعتداءات على قرية قُصرة.
وتناولت الصحافة الإسرائيلية وصف السفير الأمريكي بعض المعتدين بأنهم «إرهابيون»، باعتباره تحولًا حساسًا في اللغة الأمريكية تجاه المستوطنين.
كما تصدرت النقاشات أوضاع الأسرى الفلسطينيين، وارتفاع أسعار الوقود إلى أعلى مستوى منذ سنوات، واستمرار الضربات المتبادلة في غزة ولبنان.
وتكشف هذه العناوين أن إسرائيل، وهي تراقب ضعف إيران الاقتصادي، تواجه سؤالًا مختلفًا في الداخل:
هل يمكن كسب الحرب الخارجية بينما تتسع الفوضى التي يصنعها المتطرفون داخل الأرض التي تسيطر عليها؟
تركيا | الاتفاق يتحول إلى مؤسسة
يتركز الاهتمام التركي على الاجتماع الأول للجنة اتفاق مكة الدفاعي في إسطنبول، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في السعودية وتركيا وباكستان.
ولا تقدم التغطية التركية الاجتماع باعتباره مناسبة بروتوكولية، بل بداية لتحويل الاتفاق إلى آليات عمل تشمل:
- رفع التوافق العملياتي بين القوات.
- تطوير القدرات الدفاعية المشتركة.
- توسيع التعاون الصناعي والعسكري.
- بحث الإنتاج والتطوير المشترك.
- تنسيق المواقف تجاه التهديدات الإقليمية.
وتقرأ أنقرة الاتفاق من زاويتين: الأولى توسيع دور صناعاتها الدفاعية، والثانية تثبيت نفسها داخل أي بنية أمنية جديدة تنشأ في الشرق الأوسط.
كما تكرر تركيا أن الاتفاق ليس بديلًا عن حلف شمال الأطلسي، لكنه يمنحها مساحة قيادة لا تحصل عليها داخل الحلف الغربي.
إيران | دبلوماسية بلا تنازل
تجمع الصحافة الإيرانية والقريبة من السلطة بين رسالتين تبدوان متناقضتين:
إيران تريد الدبلوماسية، لكنها لا تريد أن تبدو كأنها تحتاج إليها.
وتبرز التغطيات الرسمية دعوة خامنئي إلى الوحدة الإسلامية، ورفض العقوبات الأمريكية، والتأكيد أن طهران لن تبدأ حربًا لكنها سترد بقوة على أي اعتداء.
وفي المقابل، تكشف الصحافة الإيرانية المستقلة وشبه المستقلة نقاشًا متزايدًا حول التقشف، ورفع أسعار الوقود، والتضخم، وحماية الوظائف والإنتاج المحلي.
لقد انتقل الخلاف الداخلي من سؤال: هل تؤثر العقوبات؟
إلى سؤال: من يتحمل كلفتها، وكيف تمنع الحكومة تحولها إلى غضب اجتماعي؟
ولهذا لا تخوض طهران معركة واحدة مع واشنطن.
إنها تخوض معركة خارجية لإبقاء هرمز ورقة تفاوض، ومعركة داخلية لمنع الاقتصاد من التحول إلى ورقة ضد النظام.
روسيا | أمريكا المنشغلة فرصة
يقدم الإعلام الروسي الحرب الإيرانية بوصفها استنزافًا للقوة الأمريكية وفرصة لإظهار حدود الهيمنة الغربية.
وتبرز التغطيات الروسية نقص الذخائر الأمريكية، وتراجع القدرة على دعم أوكرانيا، والاعتراض الصيني على العقوبات، باعتبارها أدلة على أن واشنطن لا تستطيع إدارة جبهات إيران وروسيا والصين في وقت واحد بالكفاءة نفسها.
وفي الملف السعودي، اهتم الإعلام الروسي باستعداد المملكة لاحتمال تجدد المواجهة مع الحوثيين، وتقديمها كجبهة إضافية قد توسع الحرب الأمريكية الإيرانية.
محليًا، تتقدم في روسيا انتخابات مجلس الدوما المقررة في سبتمبر، وسط انتقادات منابر مستقلة مثل «موسكو تايمز» للعملية الانتخابية واعتبارها وسيلة لإظهار الحياة السياسية الطبيعية أكثر من كونها منافسة مفتوحة.
وفي الوقت نفسه، تستمر الحرب الأوكرانية في صدارة التغطية الروسية، لكن حرب إيران تمنح موسكو مكسبًا غير مباشر: كل صاروخ أمريكي يغادر أوروبا أو شرق آسيا إلى الشرق الأوسط، يخفف جزءًا من الضغط الاستراتيجي عليها.
أفريقيا | كلفة حرب لم تخضها
لا تتصدر إيران كل الصحف الأفريقية، لكن كلفتها تظهر في خلفية كثير من الأخبار الاقتصادية.
فالدول المستوردة للنفط تعاني ارتفاع الوقود والنقل والأسمدة، بينما تستفيد دول منتجة مثل نيجيريا وأنغولا والجزائر نسبيًا من ارتفاع الإيرادات، وإن كانت المكاسب تتآكل أمام ارتفاع كلفة الواردات.
وتطرح «أفريكان بزنس» الحرب بوصفها إنذارًا يدفع القارة إلى بناء سلاسل توريد إقليمية وتقليل اعتمادها على الممرات والأسواق الخارجية.
أما الاهتمامات المحلية، فتتوزع بين:
- استعادة السلطات في النيجر السيطرة على قاعدة جوية بعد تمرد عسكري.
- انهيار مكب نفايات في كوناكري وسقوط عشرات الضحايا.
- مقتل 27 شخصًا في حادث مروري في زيمبابوي.
- الجدل حول إطلاق العملة الموحدة «إيكو» في غرب أفريقيا عام 2027.
- محاولة الكونغو الديمقراطية تحويل قيود تصدير النحاس إلى أداة لتعزيز سيادتها على ثرواتها.
وفي جنوب أفريقيا، برز ارتفاع أرباح مجموعة «MTN» وإقرارها إعادة شراء أسهم بقيمة 375 مليون دولار، لكن اللافت أن المجموعة سجلت خسائر محاسبية مرتبطة بحصتها في «إيرانسل» بسبب التضخم وانهيار العملة الإيرانية وتعذر تحويل أرباحها.
حتى شركة اتصالات أفريقية وجدت نفسها تحمل في ميزانيتها أثر الحرب والعقوبات على إيران.
السعودية في الصحافة العالمية | من الحماية إلى صناعة الردع
برزت السعودية في الصحافة العالمية من خلال أربعة ملفات متزامنة:
أولًا: تفعيل اتفاق مكة
اهتمت وسائل الإعلام الدولية بالاجتماع الأول للجنة الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، وقرأته باعتباره انتقالًا من إعلان التضامن إلى بناء قدرة عسكرية قابلة للعمل.
وتنظر مراكز بحث غربية إلى الاتفاق بوصفه دليلًا على أن الرياض لم تعد تعتمد على شريك أمني واحد، بل تبني شبكة علاقات توزع المخاطر وتوسع قدرتها على الردع.
ثانيًا: حماية التجارة من الحرب
كشفت «فايننشال تايمز» عن مباحثات سعودية مع وسطاء تأمين في لندن لإنشاء مظلة مدعومة من الدولة تغطي أخطار الحرب والعنف السياسي على السفن والبنية التحتية والشحنات.
وتعكس الفكرة انتقال المملكة من دفع أقساط الحرب إلى تصميم سوق تأمين يمنع المخاطر الإقليمية من تعطيل التجارة.
فالسفينة لا تتحرك بالحماية العسكرية وحدها؛ بل تحتاج أيضًا إلى وثيقة تأمين تقبل تحمل الرحلة.
ثالثًا: الاتفاق النووي أمام الكونغرس
واصلت الصحافة الأمريكية متابعة إحالة اتفاق التعاون النووي المدني السعودي الأمريكي إلى الكونغرس، مع التركيز على مدة المراجعة، ومستوى الضمانات، وقدرة الشركات الأمريكية على المنافسة في البرنامج السعودي.
لكن جوهر الملف أوسع من الجدل الأمريكي؛ فالكونغرس لا يقرر إن كانت السعودية ستبني برنامجًا نوويًا مدنيًا، بل يقرر مقدار الحضور الأمريكي في هذا البرنامج.
رابعًا: السعودية مركزًا للهندسة الإقليمية
ترى تغطيات أوروبية وآسيوية أن المملكة تتحرك على مسارات متوازية:
- تعزيز الردع الإقليمي.
- التحذير من توسيع الحرب.
- حماية تدفقات الطاقة والتجارة.
- تطوير بدائل تتجاوز هرمز.
- إبقاء قنوات الوساطة والتواصل مفتوحة.
- بناء شراكات اقتصادية وتقنية مع أوروبا وآسيا.
والتحول الأهم في صورة السعودية عالميًا أن الصحافة لم تعد تسأل فقط: كيف ستحمي المملكة نفسها؟
بل بدأت تسأل: ما النظام الأمني والاقتصادي الذي تبنيه السعودية للمنطقة من حولها؟
ما تقوله العواصم
من واشنطن إلى بكين، ومن لندن إلى نيودلهي، ومن إسطنبول إلى موسكو، لا توجد قراءة واحدة للحرب:
أمريكا تراها اختبارًا لقوة العقوبات وحدود الترسانة.
أوروبا تراها تهديدًا للتجارة والطاقة والنظام الدولي.
الصين تراها دليلًا على تراجع الهيمنة الأمريكية.
الهند تراها فاتورة غاز وامتحانًا لأمن الطاقة.
إسرائيل تراها مواجهة خارجية تتزامن مع تصدع داخلي.
تركيا تراها فرصة لبناء دور دفاعي وصناعي أكبر.
روسيا تراها استنزافًا لمنافسها الأمريكي.
أفريقيا تراها كلفة تصلها من دون أن يكون لها صوت في قرار الحرب.
أما السعودية، فتظهر في وسط هذه القراءات لا بوصفها متفرجًا بين إيران والولايات المتحدة، بل قوة تعمل على ألا يكون مستقبل المنطقة رهينةً لقرار يصدر من طهران أو واشنطن وحدهما.
العالم لا ينظر اليوم إلى حرب واحدة؛ بل إلى مرايا متعددة، ترى كل عاصمة فيها الخطر الأقرب إليها.
لكن الصورة التي تتكرر في جميع المرايا واحدة: انتهى الزمن الذي يمكن فيه لحرب تقع في مضيق ضيق أن تبقى محصورة بين ضفتيه.