اليوم 179: إيران تعترف بالاختناق وتستدعي الخليج

news image

بزشكيان يكشف تراجع تجارة بلاده 25–35% ويقترح رفع أسعار البنزين، وخامنئي يطلب من حكام الخليج مواجهة «العدو الحقيقي»؛ فيما توسّع واشنطن العقوبات إلى خمسة قطاعات وتُبقي باب التراجع مفتوحًا مقابل تغيير سلوك طهران

 

30 أغسطس 2026

إعداد وتحليل | إدارة الإعلام الاستراتيجي – وكالة BETH

إشراف: عبدالله العميره

دخلت الحرب، في يومها الـ179، مرحلة تكشف فيها الكلمات ما حاولت المواقف إخفاءه.

فبعد أيام من تأكيد طهران أن العقوبات الأمريكية الجديدة «لن تحقق شيئًا»، خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ليقول إن من ينكر تأثير العقوبات لا يعرف ماذا يقول له، معلنًا أن صادرات بلاده ووارداتها تراجعت بين 25 و35% خلال الأشهر الأخيرة.

وفي التوقيت نفسه، وجّه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي رسالة إلى حكام دول الخليج، دعاهم فيها إلى تحديد «عدوهم الحقيقي» والتعاون في الدفاع المتبادل.

الرسالتان لا تبدوان منفصلتين.

الأولى اعتراف بأن الحصار والعقوبات بدآ يضغطان على الاقتصاد الإيراني من الداخل، والثانية محاولة لإعادة تعريف العدو في الخارج، واستدعاء الجوار الخليجي إلى مظلة «الوحدة الإسلامية» بعدما تحملت دوله صواريخ الحرب وتهديداتها واضطراب تجارتها.

حين ضاق الاقتصاد، اتسعت لغة الأخوة.

الإنكار يتراجع

قال بزشكيان في مقابلة مع التلفزيون الإيراني إن البلاد تعيش «حالة حرب»، وإن عليها قبول ظروفها الاقتصادية، كاشفًا عن تراجع التجارة الخارجية بنسبة تتراوح بين 25 و35%.

وتكتسب هذه التصريحات أهميتها من أنها جاءت بعد أيام قليلة من قوله إن العقوبات الأمريكية الجديدة لن تحقق أهدافها.

التحول لا يعني أن إيران قررت الاستسلام، لكنه يعني أن خطاب إنكار الكلفة لم يعد قادرًا على الصمود أمام الأرقام.

فالحصار البحري الأمريكي يضيّق قدرة إيران على تصدير النفط واستيراد الوقود والسلع، فيما تلاحق العقوبات الجديدة شبكات التمويل والنقل والتكنولوجيا التي استخدمتها طهران للالتفاف على القيود السابقة.

ولم يعد الضغط محصورًا في إيرادات النفط أو سعر العملة، بل وصل إلى أحد أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع الإيراني: البنزين.

فقد اقترح بزشكيان رفع سعر الشريحة الثالثة من البنزين من خمسة آلاف تومان إلى عشرة آلاف، في محاولة لتقليل الاستهلاك والتعامل مع النقص الذي تعانيه السوق المحلية.

والمفارقة أن إيران، وهي واحدة من أكبر منتجي النفط في العالم، أصبحت تناقش مضاعفة سعر شريحة من الوقود لأن الحصار يمنعها من سد العجز في احتياجاتها.

هذه ليست أزمة موارد.

إنها أزمة قدرة على تحويل الموارد إلى حياة اقتصادية طبيعية.

رسالة إلى من تلقّى الصواريخ

في رسالة نشرها بمناسبة أسبوع الوحدة الإسلامية، دعا مجتبى خامنئي الدول الإسلامية، ودول الخليج خصوصًا، إلى الاتحاد والتعاون في المجالات المختلفة والدفاع المشترك، مطالبًا حكام المنطقة بأن يعرفوا «عدوهم الحقيقي» ويواجهوا مخططاته.

لكن الرسالة تأتي محمّلة بتناقض يصعب تجاوزه.

فإيران التي تطلب اليوم من دول الخليج وحدة الموقف، استهدفت خلال الحرب منشآت وقواعد وبنى تحتية في المنطقة، وهددت تدفقات الطاقة، واستخدمت مضيق هرمز للضغط على اقتصادات جيرانها والعالم.

ولهذا لا يكفي أن تقول طهران لدول الخليج: ابحثوا عن عدوكم الحقيقي.

فالدول لا تحدد مصادر الخطر بالخطابات، بل بالصواريخ التي سقطت، والسفن التي توقفت، والمنشآت التي تعرضت للتهديد، وكلفة التأمين والطاقة التي دفعها الجميع.

وتكشف رسالة خامنئي أن طهران تحاول نقل المعركة من كونها مواجهة بين سياساتها والعالم إلى صراع أوسع بين المنطقة وخصوم خارجيين.

إنها تطلب من الخليج أن يفصل بين إيران التي تدعوه إلى الوحدة، وإيران التي استخدمت أمنه واقتصاده ورقةً في حربها.

وهذا فصل لا تصنعه الكلمات؛ بل يحتاج إلى تغيير حقيقي في السلوك.

المرشد الغائب

تكتسب الرسالة بعدًا إضافيًا لأنها صدرت كتابةً عن خامنئي، الذي لم يظهر علنًا منذ إصابته في الضربات الأمريكية الإسرائيلية التي قتلت والده، المرشد السابق علي خامنئي، قبل ستة أشهر.

وكان المرشد قد دعا الإيرانيين، قبل يومين، إلى حماية التماسك الاجتماعي، ومنع التصريحات التي تضعف الروح المعنوية.

وهذا التركيز المتزامن على وحدة الداخل واستدعاء وحدة الخارج يشير إلى أن القيادة الإيرانية لا تواجه ضغطًا ماليًا فقط، بل تخشى تحوله إلى أزمة ثقة داخلية وعزلة إقليمية.

فالنظام يستطيع أن يحمّل العقوبات مسؤولية تراجع الاقتصاد، لكنه لا يستطيع إلى ما لا نهاية منع المواطن من مقارنة خطاب الانتصار بحياته اليومية وأسعار الوقود والسلع وقيمة دخله.

خمس بوابات تُغلق

بدأت وزارة الخزانة الأمريكية عملية «المنبوذ الاقتصادي»، التي تستهدف قطع الروابط المالية والتجارية التي تستخدمها إيران خارج حدودها.

ووسعت واشنطن نطاق العقوبات الثانوية ليشمل خمسة قطاعات رئيسية:

  • الأصول الرقمية.
  • التكنولوجيا.
  • الذهب.
  • الطيران.
  • الشحن البحري.

كما استهدفت قرابة 60 كيانًا وفردًا وسفينة مرتبطة بشبكات شراء التكنولوجيا النووية والصاروخية، والعمليات السيبرانية، وتهريب النفط وتوليد الإيرادات.

ولا تقتصر الخطة على معاقبة المؤسسات الإيرانية، بل تنقل الاختيار إلى الدول والبنوك والشركات التي تتعامل معها: إما تقليص النشاط المرتبط بإيران خلال مهلة تحددها واشنطن، وإما المخاطرة بالخروج من النظام المالي القائم على الدولار.

وبذلك تحاول الولايات المتحدة تحويل العزلة من قرار أمريكي إلى قرار تتخذه كل مؤسسة تخشى خسارة السوق والنظام المالي الأمريكيين.

لكن واشنطن لم تستخدم حتى الآن جميع أسلحتها.

فالعقوبات لم تستهدف بصورة مباشرة أكبر المؤسسات المالية الصينية المشتبه في تسهيل تجارة النفط الإيرانية، في مؤشر إلى أن إدارة ترامب تريد خنق طهران من دون تفجير مواجهة اقتصادية شاملة مع بكين قبل أن تستنفد فرص الضغط والتفاوض.

ثغرة الصين

تمثل الصين أكبر تحدٍّ لنجاح الحملة الأمريكية؛ فهي المشتري الأهم للنفط الإيراني، وترفض الاعتراف بشرعية العقوبات الأحادية، وتؤكد أن تعاونها مع طهران يجري ضمن القانون الدولي.

لكن امتلاك إيران مشترٍ راغبًا في شراء النفط لا يكفي إذا عجزت عن تحميله ونقله وتأمينه وتسوية مدفوعاته.

ولهذا قد يكون الحصار البحري أشد تأثيرًا من العقوبات المكتوبة؛ فهو يعطل السلعة قبل أن تصل إلى المشتري، بينما تطارد العقوبات السفينة والبنك والوسيط بعد ذلك.

وتراهن واشنطن على أن الشركات والمؤسسات الصينية، حتى إن رفضت حكومتها العقوبات سياسيًا، ستفكر اقتصاديًا قبل المخاطرة بوصولها إلى الدولار والأسواق الدولية.

أما الصين، فقد تحاول حماية جزء من تعاملاتها مع إيران، لكنها لن تنظر إلى إنقاذ الاقتصاد الإيراني باعتباره التزامًا مفتوحًا بلا حدود أو كلفة.

إيران لديها شريك مهم، لكنها لا تملك بالضرورة من يقبل دفع فاتورتها كاملة.

هرمز بين الشائعة والعبور

بقي مضيق هرمز مفتوحًا جزئيًا أمام حركة محدودة ومتقلبة، من دون عودة إلى معدلات ما قبل الحرب.

وتتقدم الوساطات لإنشاء ممر ملاحي مؤقت، بالتوازي مع مناقشات حول إزالة الألغام وشروط استعادة الحركة الطبيعية، فيما تعمل طهران على إعداد قائمة مطالب لإعادة فتح المضيق بصورة أوسع.

لكن السوق استجاب لاحتمال الاتفاق قبل أن يولد الاتفاق نفسه.

أنهى خام برنت تداولات الجمعة عند 89.31 دولارًا للبرميل، متراجعًا بأكثر من 5% خلال الأسبوع، بينما أغلق خام غرب تكساس عند 83.40 دولارًا، منخفضًا بأكثر من 4% أسبوعيًا.

ويكشف هذا التراجع أن السوق لا تسعّر فقط ما يحدث في المضيق، بل ما تعتقد أنه قد يحدث.

فمجرد شائعة عن اتفاق تعيد جزءًا من الاطمئنان، لكن سفن الشحن وشركات التأمين لن تعود إلى المسار الطبيعي اعتمادًا على الشائعات.

ما تحتاجه السوق ليس إعلانًا سياسيًا جديدًا، بل ممرًا يمكن العبور منه بأمان، وتأمينًا يمكن شراؤه، وضمانًا لا يسقط بعد ساعات.

الخليج يبني مظلته

وبينما تطلب إيران من دول الخليج الاتحاد معها ضد «العدو الحقيقي»، تستعد السعودية وتركيا وباكستان لعقد الاجتماع الأول للجنة اتفاق الدفاع المشترك في إسطنبول، بمشاركة وزراء الخارجية والدفاع ورؤساء الأركان في الدول الثلاث، وفق مصدر في الخارجية التركية.

وينتقل الاتفاق بذلك من التوقيع السياسي إلى بحث القدرات العسكرية المشتركة، والتوافق العملياتي، والتعاون في التصنيع والتطوير الدفاعي.

ولا يمكن فصل توقيت هذا المسار عن دروس الحرب الإيرانية.

فدول المنطقة لم تعد تنتظر نهاية الأزمة كي تعيد بناء مفهوم الردع، بل بدأت إنشاء ترتيبات تقلل اعتمادها على ضمانات خارجية منفردة، وتزيد كلفة الاعتداء على أي طرف منها.

وهنا تظهر المفارقة الأوضح:

إيران تدعو الخليج إلى وحدة بالكلمات، بينما تدفعه سياساتها إلى بناء وحدة دفاعية لا تكون هي جزءًا منها.

ثلاثة مسارات

تقف الحرب الآن أمام ثلاثة مسارات متزامنة:

الأول: استمرار الاختناق

تواصل الولايات المتحدة تطبيق العقوبات والحصار، ويتراجع تدفق النقد والوقود والسلع إلى إيران، من دون انتقال سريع إلى مواجهة عسكرية واسعة.

الثاني: صفقة الممر

تقبل طهران بفتح أوسع لهرمز ضمن تفاهم مؤقت، مقابل تخفيف محدود أو تعليق بعض الإجراءات، بما يسمح للطرفين بتقديم النتيجة على أنها مكسب لا تراجع.

الثالث: هروب إلى التصعيد

ترد إيران على الضغط باستهداف سفينة أو منشأة أو ممر للطاقة، أملاً في رفع كلفة الحصار وإجبار الوسطاء على منحها تنازلات أكبر؛ لكنها بذلك تخاطر بتوحيد خصومها وتوسيع المواجهة العسكرية.

وحتى الآن، يبدو المسار الأول هو الأكثر حضورًا، فيما يجري التفاوض على الثاني، ويبقى الثالث أداة تهديد لا يمكن استبعادها.

الخلاصة

لم تعترف إيران في اليوم الـ179 بالهزيمة، لكنها اعترفت بشيء ظلت تنكره: العقوبات والحصار يؤلمان الاقتصاد فعلًا.

ولم تطلب من الخليج إنقاذها صراحة، لكنها أعادت تقديم نفسها بوصفها جزءًا من وحدة إقليمية يفترض أن تواجه عدوًا آخر.

المشكلة أن الجوار يتذكر من هدده، والسوق يتذكر من عطّل السفن، والمواطن الإيراني يعرف أن خطاب الصمود لا يملأ خزان الوقود.

لقد انتقلت المعركة من سؤال: هل تؤثر العقوبات؟

إلى سؤال أكثر خطورة على طهران: كم تستطيع تحمّل أثرها، ومن سيقبل أن يدفع معها الثمن؟

حين كان الضغط بعيدًا، قالت إيران إنه لن ينجح. وحين وصل إلى تجارتها ووقودها، اعترفت بحالة الحرب، ثم التفتت إلى الخليج تبحث في وحدته عن نافذة تنفّس.