يتحدث ولا يقول شيئًا
كتب: عبدالله العميره
تستمع إلى كاتب سياسي يتحدث ساعة كاملة عن أزمات دولية، يتنقل بين التاريخ والجغرافيا والمصالح والتحالفات، ويستعرض مواقف الحكومات وتصريحات المسؤولين، ويطرح آراءه الخاصة، ثم ينتهي اللقاء دون أن تعرف ماذا أراد أن يقول!
تخرج من حديثه بمعلومات متناثرة سمعتها من قبل، وتحليلات سبق أن قرأتها، وأسئلة أكثر من الإجابات.
ظاهرة تستحق التوقف عندها في زمن اتسعت فيه المنصات الإعلامية، وأصبح لقبا «المحلل السياسي» و«الكاتب السياسي» يسبقان أسماء كثيرين، منهم الغث والثمين، حتى اختلط الحابل بالنابل، وغابت أحيانًا معايير استحقاق هذه الصفات.
فقد يجد البعض طريقه إلى الصفوف الأمامية في البرامج والمنابر الإعلامية بفضل العلاقات الشخصية والوساطات، لا بفضل المعرفة والكفاءة، ويكفيه أن يجيد الحديث طويلًا، ولو خلا كلامه من العمق والقيمة.
ولا ينفي ذلك وجود خبرات إعلامية متميزة أثبتت جدارتها في زمن الإعلام محدود الانتشار، لكن التميز في مرحلة سابقة.
فليس كل من يتابع السياسة قادرًا على تحليلها، وليس كل من يجيد الحديث يستطيع إنتاج فكرة جديدة.
هناك فرق كبير بين امتلاك المعلومات والقدرة على تفسيرها.
المحلل الحقيقي لا يكتفي بإخبارك بما حدث، بل يشرح لماذا حدث، وما الذي يعنيه، وإلى أين يمكن أن يقود.
أما المعلّق الانطباعي، أو «الحابل» كما يمكن وصفه، فيتنقل بين الأحداث والآراء دون منهج واضح، ويجمع أفكارًا متفرقة، ثم يعيد تقديمها في سرد طويل يبدو غنيًا بالمعلومات، لكنه فقير بالنتائج.
وقد يستمد بعض هؤلاء مكانتهم من روايات ينسبونها إلى شخصيات غائبة أو راحلة، مستندين إلى عبارات من قبيل: «قال لي فلان، رحمه الله»، وكأن معرفة الشخصيات والاقتراب منها يمنحان الحديث مصداقية لا تحتاج إلى دليل.
ويحضر هنا اسم الكاتب السياسي المصري محمد حسنين هيكل، الذي جمع بين الصحافة والقرب من دوائر القرار السياسي، واشتهر بسرد الوقائع من خلال علاقاته ولقاءاته مع شخصيات مؤثرة.
وقد تأثر بعض الكتّاب بهذا الجانب من أسلوبه، لكنهم ربما أخذوا منه الحكاية دون التحليل، واستعاروا أسماء الشخصيات دون امتلاك المعرفة التي تمنح الرواية قيمتها.
فليست المشكلة في الاستشهاد بمن عرفت، بل في أن يتحول «قال لي» إلى بديل عن «هذا ما حدث، وهذه أدلته، وهذا ما يعنيه».
وحين يستدعي المتحدث التاريخ دون ربطه بالحاضر، ويعرض احتمالات متعارضة دون تفسير، يجد المستمع نفسه مضطرًا إلى جمع أطراف الحديث، والبحث عن العلاقة بين أفكار لم يربطها صاحبها.
وربما كان لهذا الأسلوب جاذبيته في زمن احتكرت فيه مؤسسات محدودة وسائل الإعلام، وضاقت فيه مصادر المعلومات، وكان الجمهور أقل قدرة على التحقق والمقارنة.
أما اليوم، فقد تغير المشهد؛ اتسعت مصادر المعرفة، وتراكمت الذاكرة الرقمية، وأصبح الوصول إلى المعلومات متاحًا على نطاق غير مسبوق.
وبات الفرق أكثر وضوحًا بين من يمتلك المعلومات، ومن يمتلك القدرة على فهمها وتحليلها.
وهنا تنقلب الأدوار؛ فبدلًا من أن يساعد المحلل الجمهور على فهم الحدث، يصبح الجمهور مطالبًا بتحليل كلام المحلل!
لماذا يحدث ذلك؟
ينبغي التمييز بين ثلاثة أنماط مختلفة.
هناك من لا يمتلك معرفة كافية، لكنه يتحدث بثقة توحي بأنه يعرف أكثر مما يقول.
وهناك من يمتلك المعلومات، لكنه يفتقر إلى المنهج والقدرة على ترتيب أفكاره وإيصالها بوضوح.
وثالث قد يعرف ما يريد قوله، لكنه يتجنب تحديد موقفه خشية تحمّل مسؤولية رأيه، أو أن يُحسب على طرف دون آخر.
والخلط بين هذه الأنماط ظلم للمتحدث أحيانًا، وتضليل للمشاهد أحيانًا أخرى.
وهنا يبرز سؤال: هل نحن أمام شخصية براغماتية؟
البراغماتية، في أصلها الفلسفي، منهج يربط الأفكار بنتائجها العملية، ويختبر قيمتها من خلال أثرها في الواقع. وفي السياسة، يُوصف بالبراغماتي من يركز على الممكن والمصلحة العملية، ويغيّر الوسائل عندما تتغير الظروف.
لكن البراغماتية ليست مرادفًا للمراوغة، ولا تعني بالضرورة التخلي عن المبادئ أو تبديل المواقف لتحقيق مكاسب شخصية.
فالبراغماتي يبحث عما يمكن تحقيقه، أما الانتهازي فيبحث عما يمكن أن يكسبه لنفسه.
وهناك المعلّق الانطباعي الذي قد لا يمتلك أصلًا موقفًا واضحًا أو منهجًا متماسكًا، ويبدو أحيانًا أن الظهور الإعلامي والشهرة أصبحا غايته، بدلًا من تقديم معرفة حقيقية للجمهور.
وتكمن خطورة هذا النمط في أنه قد يترك انطباعًا سلبيًا لدى الجمهور عن مستوى التحليل الإعلامي، ويشغل مساحة كان الأجدر أن تُمنح لمن يمتلكون معرفة أعمق وقدرة أكبر على تقديم الجديد.
ولهذا لا يصح وصف كل متحدث غامض بأنه براغماتي أو مراوغ أو انتهازي، قبل اختبار أفكاره وسلوكه المهني.
والاختبار بسيط:
ما تفسيرك للقضية؟ وما الأدلة التي تستند إليها؟ وإلى أي نتيجة توصلت؟
ليس مطلوبًا من المحلل أن يمتلك إجابة قاطعة عن كل شيء، بل أن يوضح ما يعرفه وما يجهله، وما يرجحه وما يستبعده.
فالتحليل الجيد لا يشترط اليقين، لكنه يشترط وضوح التفكير.
غير أن المشكلة قد تكون أعمق من ضعف أداء المتحدث؛ فقد يفتقر إلى عمق المعرفة والتحليل، لكنه يمتلك قدرة لافتة على إقناع الآخرين بأنه الأكثر معرفة وعمقًا وأهمية.
وهنا تكمن المفارقة: قدرة استثنائية على تسويق الذات، لا يقابلها بالضرورة إنتاج فكري بالمستوى نفسه.
وأخطر ما في هذه الظاهرة صناعة الوهم المعرفي، في زمن تطور فيه وعي المتلقي واتسعت قدرته على الفهم والمقارنة والحكم.
فكثير من المتلقين اليوم أصبحوا أكثر فهمًا لبعض القضايا من محللين يتصدرون الشاشات، ويمتلكون من أدوات البحث والمعرفة ما يمكّنهم من التمييز بين التحليل الحقيقي واستعراض المعلومات.
ولو كان للمتلقي دور مباشر في اختيار من يتحدث إليه، لربما شكر بعض الأسماء على ما قدمته خلال سنوات حضورها الإعلامي، ثم طالب بإفساح المجال لعقول تمتلك أدوات العصر، وتستطيع مخاطبة جمهور تغيرت معارفه وتوقعاته.
فالتقدير لما قدمه السابقون لا يعني منحهم حقًا دائمًا في احتكار المنابر.
وإذا لم يكن للجمهور قرار في اختيار من يظهر أمامه، فإن لديه القدرة على الحكم على ما يسمعه؛ فالإنتاج يكشف مستوى صاحبه، والنتائج أصدق من الألقاب.
ويحضر هنا القول العربي المأثور: «البعرة تدل على البعير، وأثر السير يدل على المسير».
فقد يستمع المشاهد إلى حديث طويل مليء بالمصطلحات السياسية والإشارات التاريخية، فيخرج مقتنعًا بأنه تلقى تحليلًا عميقًا، بينما لم يحصل إلا على معلومات متفرقة، وآراء متداولة، واستنتاجات لا تستند إلى أدلة واضحة.
وهنا لا يقتصر الضرر على إهدار وقت المشاهد، بل يمتد إلى تشكيل فهمه للأحداث على أساس معرفة تبدو متماسكة وهي ليست كذلك.
فالحضور الإعلامي لا يصنع الخبرة، كما أن البلاغة لا تعوض غياب الفكرة.
لكن المسؤولية لا تقع على المتحدث وحده، بل تشمل المؤسسة الإعلامية التي تختار من تقدمه للجمهور، وتمنحه صفة الخبير أو المحلل دون معايير مهنية واضحة.
فمن يصنع المحلل السياسي: معرفته، أم المنصة التي تقدمه؟
وهنا نصل إلى ما يحتاجه الإعلام اليوم.
الإعلام يحتاج إلى خبير يواكب التطور، وكفاءات تتجدد مهنيًا في الإدارة والتحرير، وقيادات قادرة على بناء فرق عمل متكاملة ومتناغمة ومبتكرة، يجمعها حس وطني راسخ ومبدأ ثابت.
فما قيمة عقود طويلة يقضيها إعلامي في المهنة إذا لم تتطور معارفه وأدواته؟
وما جدوى قيادة إعلامية تعجز عن تشكيل فريق صغير متكامل، يحسن العمل الجماعي ويبتكر ويصنع الفرق؟
وما قيمة الخبرة والكفاءة والابتكار إذا غاب عنها الحس الوطني الصادق، والمبدأ الذي لا يتبدل بتغير المصالح والظروف؟
فالسنوات وحدها لا تصنع الخبرة، والمناصب لا تصنع القيادة، والظهور لا يصنع التأثير، والوطنية ليست شعارًا يُرفع، بل مسؤولية تظهر في المواقف والعمل.
تلك خلاصة الخلاصات.