نقطة.. ومن أول السطر
كتب: عبدالله العميره
ما الذي أصاب العرب؟
أمة تملك التاريخ والمال والموقع والقوة البشرية، وفيها عقول قادرة على استعادة بريقها متى أُزيل عنها صدأ الجهل والتعصب.
أمة تجمعها لغة واحدة، وتفرّقها عقول ومواقف متباعدة.
ومع ذلك، تقف أجزاء واسعة من عالمها عاجزة أمام أزماتها، مختلفة حتى على الأخطار التي تهدد مستقبلها.
حكومات تسيء تقدير المواقف، وشعوب تستهلكها الخصومات، ونخب يُفترض أن تقود الوعي، فإذا ببعضها يغذي الانقسام.
والأشد إيلامًا أن بعض الحكومات العربية تبدو راضية عن بقاء مجتمعاتها مغيّبة عن حقائق واقعها، وكأنها ترى في ضعف الوعي ضمانة لاستمرار السلطة، وفي انتشار الجهل وسيلة لحماية الكرسي.
تغذي شعوبها بالأوهام والتعصب، وتبيعها قوة كرتونية لا تصمد أمام أول اختبار، وتتركها غارقة في الجهل والشعوذة والخرافات والصراعات المذهبية والجهوية، بدلًا من أن تفتح أمامها أبواب العلم والمعرفة والتقدم.
فحين يصبح الجهل وسيلة للحكم، يتحول الوعي إلى خطر على الحاكم.
وحين تتفاقم الأزمات الداخلية، تلجأ بعض الحكومات إلى افتعال خصومات خارجية، لتصدير مشكلاتها وصرف أنظار شعوبها عما يجري في الداخل.
وهكذا تُستنزف طاقات مجتمعات كاملة في نزاعات لا تنتهي، واختلافات على أبسط الحقائق، بينما يتقدم العالم بالعلم والإنتاج والتقنية.
والمفارقة أن بعض العرب لم يعودوا بحاجة إلى مقارنة أحوالهم بالدول المتقدمة البعيدة؛ فقد أصبحت أمامهم دول عربية سبقتهم بسنوات في التنمية والبناء، ومع ذلك يرفض بعضهم التعلم من تجاربها أو اللحاق بركبها.
وكأن الاعتراف بتقدم الآخرين أصعب عليهم من الاعتراف بتأخرهم.
إنها أحوال صعبة لا تسر صديقًا ولا عدوًا.
الصديق حزين لما آل إليه حال العرب، والعدو يخشى أن يأتي يوم تنقلب فيه الآية، فتستيقظ العقول وتتغير الموازين وتستعيد الأمة مكانتها.
والسؤال المؤلم: هل تنقص العرب مقومات القوة، أم ينقص بعضهم الوعي الذي يُحسن استخدامها؟
لقد حان الوقت للاعتراف بأن بعض ما يعانيه العرب ليس نتيجة ما يفعله الآخرون بهم وحده، بل نتيجة أخطاء يرتكبونها بأنفسهم، ثم يدفعون ثمنها، وسياسات تعطل طاقات الإنسان وتعيق تقدم المجتمعات.
نرفع شعارات الوحدة، ثم نمارس الفرقة.
نتحدث عن النهضة، ثم نحارب التجديد.
يتغنّى البعض بأمجاد الماضي، ويعجز عن تحمّل مسؤوليات الحاضر.
الأمم لا تستعيد مكانتها بكثرة الحديث عن أمجادها، وإنما بما تصنعه في حاضرها.
وهنا يستحق التاريخ أن نستوقفه.
لقد خرج من الجزيرة العربية رجال امتلكوا رجاحة العقل، وعلو الهمة، وسلامة التقدير، وقوة الإرادة، فأسهموا في صنع تحولات كبرى غيّرت مجرى التاريخ.
كان سعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد، وكان عمرو بن العاص، وكان عقبة بن نافع.
رجال تميزوا بوضوح الرؤية، وحسن التدبير، والقدرة على اتخاذ القرار وتحمل مسؤولية نتائجه.
كثير من المجتمعات العربية بحاجة إلى من يصحح المفاهيم الخاطئة، ويحرر العقول من الخرافات والتطرف، ويعالج الانقسامات الاجتماعية والثقافية، ويعيد للعلم والعمل والبناء مكانتها.
بحاجة إلى رجال يصنعون الوعي، لا إلى من يصنعون الأوهام.
رجال يدركون أن الإصلاح الحقيقي يبدأ بالإنسان؛ بفكره وثقافته، وفهمه الصحيح لدينه، وإدراكه لمسؤوليته تجاه مجتمعه ووطنه وأمته.
لكن المسؤولية لا تقع على الشعوب وحدها؛ فالحكومات مسؤولة عن قراراتها، والنخب عن مواقفها، والمجتمعات عن قدرتها على مراجعة أفكارها وممارساتها.
وليس مطلوبًا من العرب أن يكونوا نسخة واحدة في السياسة أو الثقافة أو المصالح، بل أن يتعلموا كيف يختلفون دون أن يتحول الاختلاف إلى عداوة، وكيف يتعاونون دون أن يفقد أحدهم هويته أو سيادته.
فالتجارب التي ثبت فشلها لا تستحق أن نورثها للأجيال القادمة.
وخلال سنوات عملي الصحفي وتنقلي بين عدد من الدول العربية، عشت مواقف لم تغادر ذاكرتي، وكشفت لي جوانب مؤلمة من واقع الوعي في الشارع العربي.
ذات يوم، قال لي شاب عربي بالحرف الواحد:
«أتمنى أن تحتلنا السعودية».
أدهشتني العبارة، وتكرر أمامي هذا المعنى في أكثر من بلد عربي، بصيغ مختلفة.
لم أستغرب إعجابه بالسعودية، ولا تطلعه إلى أن تنعم بلاده بما يراه من تقدم وتنمية واستقرار. فقد وجدت في كلامه تقديرًا للتجربة السعودية وثقة بقدرتها على إحداث التحولات الكبرى.
لكن ما استوقفني هو كلمة «تحتلنا».
لماذا يستعير شاب عربي مفردة من قاموس الاحتلال والاستعمار ليعبّر عن أمله في نهضة وطنه؟
كان بإمكانه أن يتمنى لبلاده الاستفادة من التجربة السعودية، أو توسيع التعاون معها، أو بناء شراكة متوازنة تساعدها على تجاوز أزماتها وتحقيق طموحات شعبها.
فالتكامل العربي لا يشترط تساوي الدول في إمكاناتها ومستويات تقدمها، ولا يعني تنازل أي دولة عن سيادتها، وإنما يقوم على تعاون مدروس، وتبادل المنافع والخبرات، والاستفادة من التجارب الناجحة بما يخدم مصالح جميع الأطراف.
ولكي يتحقق ذلك، لا بد من كسر المحظورات التي زرعتها بعض الأنظمة في وعي شعوبها، حتى أصبح قبول الدور القيادي لدولة عربية أخرى يُصوَّر وكأنه انتقاص من السيادة أو الكرامة الوطنية.
ولكل زمان دولة ورجال.
فليس عيبًا أن تتقدم دولة عربية فتقود مسارًا للتعاون والنهضة، وأن تستفيد منها دول شقيقة، ما دامت العلاقة قائمة على الاحترام والمصالح المشتركة.
فالتقدم لا يشترط تغيير من يجلس على الكرسي، بل قد يبدأ بتغيير ما يدور في العقول، والانتقال من رفض تجارب الآخرين إلى الاستفادة منها.
والغاية ليست تبديل الحكام، بل تغيير حياة الشعوب إلى الأفضل.
المشكلة ليست في طموح ذلك الشاب، بل في واقع أوصله إلى التعبير عن أمله بمصطلح يناقض المعنى الذي يبحث عنه.
لقد رأيت في كلماته تقديرًا لما أنجزته السعودية، وإحباطًا عميقًا من أحوال بلاده.
وبقي السؤال الذي لم يفارقني:
كيف نعيد للإنسان العربي ثقته بقدرة وطنه على النهوض، ونفتح أمامه أبواب الاستفادة من نجاح أشقائه، دون أن يظن أن طريق التقدم يمر بالتنازل عن سيادته؟
المشكلة ليست في شباب يحلمون بالنهوض، بل في أوضاع لا تمنح أحلامهم فرصة للتحقق.
وهذا بعض ما أعنيه بالحاجة إلى تصحيح المفاهيم، وبناء الوعي، واستعادة العقول الراجحة والهمم العالية.
وهنا نعود إلى السؤال الذي ينبغي ألا نهرب منه:
متى نمتلك شجاعة وضع النقطة؟
متى نتوقف عن تبرير الأخطاء، وعن اعتبار الاعتراف بالفشل انتقاصًا من الكرامة، والمراجعة ضعفًا؟
فليس عيبًا أن نغيّر مواقفنا عندما تتغير الحقائق، وإنما العيب أن نغيّر الحقائق في كلامنا حتى لا نضطر إلى تغيير مواقفنا.
إن العرب ليسوا بحاجة إلى ماضٍ جديد يتغنون به، بل إلى حاضر يليق بتاريخهم، ومستقبل يصنعونه بعقولهم وإرادتهم.
ولا أرى أن الطريق يبدأ بخطبة جديدة عن الوحدة، ولا بشعار آخر عن النهضة.
إنه يبدأ بتصحيح الوعي، والاعتراف بالأخطاء، وامتلاك الشجاعة لتغيير ما يجب تغييره.
فالأمم التي لا تملك شجاعة مراجعة أخطائها، ستظل تدفع ثمنها مهما تعاقبت الأجيال.
لقد آن الأوان أن نضع نقطة بعد زمن طويل من التبرير والتردد والتشرذم.
الديمقراطية لا تكتمل بالحرية وحدها، بل بعقل تحرر من عقد الماضي، وامتلك الوعي والقدرة على الاختيار دون وصاية أو تضليل.
ومن لم يجد في مجتمعه تقديرًا ولا إنصافًا، فليصبر دون أن يفقد نفسه؛ فربما سبق وعيه زمانه، ولم يتسع له مكانه.
نقطة.. ومن أول السطر.