إيران تشتري الوقت
هل تريد طهران إنهاء الحرب، أم تريد الوقت الذي يمنع سقوط النظام؟
كتب: عبدالله العميره
لم تمضِ ساعات على إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه لن يهاجم إيران اليوم، حتى خرجت طهران لتؤكد أنها ما زالت منفتحة على التفاوض، وأن الرسائل مع واشنطن مستمرة عبر الوسطاء.
قد يبدو ذلك مؤشرًا إيجابيًا لمن يبحث عن نهاية للحرب. لكن قراءة سلوك النظام الإيراني طوال العقود الماضية، وما فعله خلال الأشهر الأخيرة، تطرح تفسيرًا مختلفًا:
إيران لا تبحث بالضرورة عن اتفاق ينهي المواجهة، بل عن وقت يساعدها على النجاة منها.
عندما تتحدث طهران بلطف
اعتاد النظام الإيراني تغيير نبرته تبعًا لحجم الخطر الذي يواجهه.
حين يشعر بالقوة، يرفع سقف مطالبه ويستخدم أدواته العسكرية ونفوذَه الإقليمي. وحين تقترب الضربة، تنشط الدبلوماسية، وتكثر الرسائل، ويظهر الاستعداد للتفاوض.
إنها سياسة تشبه الحية؛ تنكمش عندما تستشعر الخطر، لكنها لا تفقد قدرتها على اللدغ.
وليس مستبعدًا أن يكون الانفتاح الإيراني الأخير محاولة لكسب الوقت؛ لإعادة تنظيم ما تبقى من القدرات العسكرية، وترميم شبكات القيادة والاتصال، ونقل المسؤولين المعرضين للاستهداف إلى مواقع أكثر أمنًا.
فالوقت هنا ليس مجرد مهلة سياسية، بل مورد عسكري ثمين.
وكل يوم يمر بلا ضربات قد يمنح طهران فرصة لترتيب دفاعاتها، وتقييم خسائرها، والاستعداد لجولة أخرى.
المشكلة أعمق من النووي
منذ قيام النظام الإيراني الحالي عام 1979، تبنّى مشروعًا يتجاوز حدود إيران، يقوم على تصدير الثورة وتوسيع النفوذ الإقليمي، عبر دعم مليشيات مسلحة وتنظيمات إرهابية مرتبطة به في عدد من دول المنطقة.
ولم يكن البرنامج النووي أو الصواريخ الباليستية أو الوكلاء الإقليميون ملفات منفصلة عن هذا المشروع، بل أدوات مختلفة لحماية النظام وتوسيع قدرته على التأثير.
وهنا تكمن المعضلة التي تواجه واشنطن.
يمكن تدمير منشأة نووية، وإضعاف ترسانة صاروخية، وقطع خطوط إمداد جماعة مسلحة. لكن ماذا يتحقق إذا بقيت القيادة التي صنعت هذه الأدوات، وما زالت تراها ضمانة لبقائها واستمرار مشروعها القائم على تصدير الثورة، والتدخل في شؤون دول المنطقة، وتهديد الأمن الإقليمي والدولي؟
قد تتغير الوسائل، ويبقى المشروع.
ولذلك فإن اتفاقًا يعالج السلاح ويتجاهل أسباب إنتاجه واستخدامه قد يؤجل المواجهة، لكنه يُبقي الخطر قائمًا.
ماذا بعد النظام؟
وهنا يبرز سؤال أكبر، انطلاقًا من فرضية أرى أنها ستتحقق: ماذا بعد نهاية النظام الإيراني الحالي؟
هل يأتي نظام يعيد إنتاج سياساته، أو يستحضر نموذج الحكم الذي سبقه؟ أم أن التحولات التي تشهدها المنطقة ستدفع نحو نظام مختلف، يعيد تعريف علاقة إيران بجيرانها وبالعالم؟
أرى أن نهاية هذا النظام ستفتح فرصة تاريخية لمرحلة إقليمية جديدة، تتراجع فيها مشروعات التوسع والصراعات بالوكالة، لتحل محلها علاقات تقوم على احترام سيادة الدول، والتكامل الاقتصادي، والمصالح المشتركة بين دول المنطقة والعالم.
فمكاسب السلام والتعاون والتنمية ستكون أكبر بكثير من أي مكاسب تحققها الحروب والصراعات على النفوذ.
فالمنطقة التي أنهكتها الحروب تملك من الموارد والقدرات البشرية والاقتصادية ما يؤهلها لبناء مستقبل مختلف، إذا تحولت أولوياتها من الصراع على النفوذ إلى التعاون والتكامل الاقتصادي المتكافئ من أجل التنمية والاستقرار.
وأكبر أعداء الاستقرار هو الفكر التوسعي الذي يرى في القوة وسيلة لفرض الهيمنة، لا لحماية السلام.
فهناك فرق جوهري بين قوة تُستخدم لحماية الأمن والاستقرار، وقوة تُستخدم للسيطرة على الآخرين وتهديد سيادتهم.
القوة التي تحمي السلام تبني مستقبلًا، أما القوة التي تسعى إلى الهيمنة فتُنتج صراعات لا تنتهي.
ولعل السؤال الأهم ليس من سيحكم إيران بعد النظام الحالي، بل أي إيران ستختار أن تكون: دولة تشارك جيرانها في بناء السلام، أم سلطة تعيد إنتاج صراعات الماضي؟
ماذا فهم نتنياهو؟
يبدو أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو كان ممن أدركوا أبعاد هذه المعضلة، حين وضع تغيير النظام الإيراني ضمن أهدافه السياسية، انطلاقًا من قناعته بأن الخطر لا يقتصر على البرنامج النووي والصواريخ، بل يمتد إلى طبيعة النظام وسياساته الإقليمية.
فمن وجهة نظره، لن يكون تعطيل البرنامج النووي أو إضعاف القدرات الصاروخية كافيًا إذا بقيت القيادة قادرة على إعادة بناء ما خسرته.
وهذا هو الفارق بين استهداف أدوات القوة واستهداف مصدر القرار.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة؛ فقد يكون إسقاط النظام ممكنًا بالقوة العسكرية، أما التحدي الأصعب فهو: من سيأتي بعده؟
هل ينشأ نظام يختار الاستقرار والتعاون مع دول المنطقة، أم تأتي سلطة جديدة تعيد إنتاج السياسات السابقة، وتتحول إلى أداة في أيدي قوى أخرى تسعى إلى العبث بأمن المنطقة؟
ثم إن سقوط النظام لا يعني بالضرورة اختفاء أدواته؛ فقد تبقى شبكات مسلحة، وتتوزع مراكز القوة، وتدخل إيران مرحلة اضطراب يصعب التحكم في نتائجها.
وقد تظهر قوى تسعى إلى استثمار بقايا الميليشيات والتنظيمات المسلحة، وتوظيفها في صراعات جديدة.
ولهذا فإن السؤال لا يقتصر على كيفية إسقاط النظام، بل يمتد إلى ما الذي سيأتي بعده، وكيف يمكن احتواء تبعات سقوطه؟
وهذا يتطلب جهودًا إقليمية ودولية مشتركة لإدارة المرحلة الانتقالية، ومنع نشوء فراغ أمني، وتفكيك شبكات العنف أو تحييدها، بما يحول دون إعادة إنتاج التهديدات السابقة.
فالنجاح الحقيقي لا يُقاس بسقوط النظام وحده، بل بقدرة المنطقة على تجاوز إرثه، وبناء استقرار لا يعيد إنتاج أسباب الصراع.
ترامب أمام الاختبار
ألمح ترامب أكثر من مرة إلى صعوبة معرفة من يملك القرار في طهران، خصوصًا بعد الضربات التي طالت مستويات متعددة من القيادة الإيرانية.
وهذه مشكلة تتجاوز أسماء الأشخاص.
فالنظام الذي يسعى إلى إخفاء قياداته وحماية مراكز قراره قد ينجح في توزيع صلاحياته وإطالة المواجهة، لكنه يصبح أقل قدرة على تقديم التزامات واضحة وقابلة للتنفيذ.
وقد يجد ترامب نفسه أمام مفارقة: كلما زاد الضغط العسكري على طهران، زادت رغبتها في التفاوض، لكن ليس بالضرورة رغبتها في تقديم التنازلات التي تنهي أسباب الحرب.
ومن هنا، فإن اختبار أي عرض إيراني لا يكون بلغة التصريحات، وإنما بما يتضمنه من التزامات محددة، ووقف للأنشطة المهددة للأمن، وآليات تحقق لا تسمح بتحويل الاتفاق إلى استراحة لإعادة البناء.
التوقعات
أرجّح استمرار طهران في إظهار الانفتاح الدبلوماسي، مع محاولة تجنب اتفاق يجرّد النظام من أدوات قوته الأساسية.
وأتوقع أن تستغل أي فترة تهدئة لحماية قياداتها وترميم قدراتها العسكرية حيثما استطاعت، خصوصًا إذا اقتنعت بأن الضربة الأمريكية المقبلة قد تتجاوز المنشآت إلى مراكز القيادة.
أما واشنطن، فقد تمنح المفاوضات فرصة أخيرة، لكنها ستواجه سؤالًا يصعب تأجيله: هل تريد اتفاقًا يوقف الحرب مؤقتًا، أم تسوية تمنع تكرار أسبابها؟
والإجابة تعتمد على مدى إدراك القيادات الأمريكية لطبيعة النظام الإيراني ومخاطر سياساته. فقد أظهرت تجارب سابقة أن بعض الإدارات الأمريكية تعاملت مع إيران بفهم محدود لطبيعة مشروعها الإقليمي، أو من منظور مصالح ضيقة ومكاسب قصيرة الأجل، دون تقدير كافٍ لعواقب ذلك على أمن أمريكا والعالم، واستقرار المنطقة .
ولا أستبعد أن تقترب الولايات المتحدة تدريجيًا من القراءة التي ترى أن المشكلة تتجاوز السلاح إلى طبيعة النظام نفسه، وإن ظل اتخاذ قرار بتغييره مسألة مختلفة وأكثر خطورة.
توقعي الأهم أن إيران ستفاوض لتكسب الوقت، بينما ستستخدم واشنطن الوقت لتحديد ما إذا كانت ستكتفي بإضعاف النظام، أم تسعى إلى تغيير المعادلة التي تحكم سلوكه.
وفي الحالتين، لن يكون مجرد إعلان الاستعداد للتفاوض دليلًا على تبدل السياسة الإيرانية.
فالحية التي تنكمش عند الخطر لا تصبح حمامة سلام بين ليلة وضحاها.