من يصنع الرواية؟

news image

من يصنع الرواية؟

فحص وتفكيك مقال لكاتب أمريكي عن السعودية

 

كتب: عبدالله العميره

ليس كل ما يُنشر في الإعلام الغربي عن السعودية صحيحًا، وليس كل نقد لها مغرضًا. لكن بعض المقالات يستحق قراءة تتجاوز ما يقوله الكاتب إلى كيفية بناء روايته، والوقائع التي اختارها، وما استبعده، والطريقة التي وصل بها إلى استنتاجاته.

فالتضليل لا يحتاج دائمًا إلى اختراع معلومة. أحيانًا تكفي واقعة صحيحة تُنتزع من سياقها، أو تُضخّم، أو تتكرر حتى تصبح تفسيرًا جاهزًا لكل حدث جديد.

وهنا قد تكون المعلومة صحيحة، لكن الصورة التي تصنعها مضللة.

رأي أم تحليل؟

في 23 أكتوبر 2026، نشر موقع «سيمافور» الأمريكي مقالًا بعنوان «ولي العهد السعودي يواجه حدود قوته»، كتبه مدير مكتب الموقع في السعودية، ماثيو مارتن.

والمهم أن الموقع صنّفه تحت عبارة «وجهة نظر ماثيو»، أي أنه مقال رأي، وليس خبرًا أو تحقيقًا استقصائيًا.

وقدم الكاتب رأيه بأسلوب (تحايل رأي)، مستندًا إلى تداعيات الحرب، والعجز المالي، وتعديل بعض المشروعات الكبرى، والهجمات الحوثية، والعلاقات السعودية مع واشنطن وبكين.

ثم ربط هذه الوقائع باستنتاج مفاده أن قدرة السعودية على التأثير أصبحت محدودة، وأن تحقيق طموحات رؤية 2030 بات أكثر صعوبة.

وهنا يبدأ الاختبار المهني.

فالعجز المالي حقيقة أعلنت عنها السعودية بدون مواربة يمكن قياسها، وتعديل مشروع استثماري قرار يمكن توثيقه، والهجمات العسكرية أحداث يمكن إثباتها.

لكن تحويل هذه الوقائع إلى رأي شامل على مستقبل دولة يتطلب أدلة أوسع من مجرد جمعها في رواية واحدة.

فالمقال يصف إعادة النظر في بعض مشروعات نيوم بأنها ، بحسب رأي الكاتب “اعتراف بهزيمة مكلفة”، ويربط استمرار الهجمات الحوثية بـ “محدودية القدرة السعودية”، وينتهي إلى أن “تحقيق رؤية 2030 أصبح أبعد من أي وقت مضى”..

وفي المقابل، يقر الكاتب بأن الدين السعودي لا يزال منخفضًا بالمقاييس الدولية، وأن بعض الاستثمارات مستمر رغم الحرب.

لكن أين التقييم الشامل لمؤشرات الرؤية؟ وأين المقارنة بين ما تعثر وما تحقق؟ وهل يكفي تراجع بعض المشروعات أو استمرار التحديات الأمنية للحكم على مستقبل التحول السعودي كله؟

لقد عرض المقال تحديات حقيقية، لكنه لم يقدم أدلة لإثبات أن هذه التحديات تعني تراجع المشروع السعودي بمجمله.

وهذا هو الفارق بين تحليل مهني يختبر استنتاجاته بمختلف الأدلة، وآخر  انطباعي يختار الوقائع المؤيدة لرأيه وزنًا أكبر من الوقائع التي قد تقود إلى تفسير مختلف.

لماذا نيوم دائمًا؟

منذ سنوات، وقبل الحرب الراهنة، ظلت نيوم حاضرة في تغطيات غربية تتناول تكلفتها وجدولها الزمني وحجم طموحاتها والتعديلات التي طرأت على مشروعاتها.

وهذا الاهتمام مفهوم؛ فالمشروع استثنائي في حجمه وطموحه، ومن الطبيعي أن يخضع للتقييم المستمر  .

لكن اللافت أن نيوم تتحول أحيانًا من مشروع يُناقش أداؤه إلى مقياس يُحكم من خلاله على نجاح التحول السعودي كله.

فإذا أُعيد ترتيب مرحلة من المشروع، أصبح ذلك لدى بعض الكتّاب دليلًا على تعثر الرؤية، وإذا تأخر تنفيذ أحد مكوناته، امتد الحكم إلى الاقتصاد السعودي ومستقبله.

واللافت أن هذه المسألة نوقشت مرارًا، وأجاب وزير المالية السعودي محمد الجدعان عن أسئلة الصحفيين المتعلقة، موضحًا أن إعادة ترتيب الأولويات، وتأجيل بعض المشروعات أو تعديلها، يأتيان في إطار إدارة الإنفاق وفق الجدوى الاقتصادية والمستجدات، ولا يعنيان إلغاء مشروعات الرؤية، إذ يستمر تنفيذها وفق الخطط والأولويات المعتمدة.

كما أكد صندوق الاستثمارات العامة أن مشروع «ذا لاين» ليس نيوم بأكملها، وأن إعادة ترتيب الأولويات لا تعني التخلي عن المشروع.

ومع ذلك، يواصل بعض الكتّاب تناول هذه التعديلات وكأنها اكتشاف جديد أو دليل نهائي على الإخفاق، دون إعطاء التفسيرات المعلنة والوقائع المقابلة وزنها المستحق.

وهنا لا تكمن المشكلة في نقص المعلومات، بل في منهج انتقائها وتفسيرها.

وهكذا تتحول واقعة جزئية إلى حكم كلي.

ولا يعني هذا إنكار التأخير أو تجاوز التكاليف أو ضرورة مراجعة الجدوى الاقتصادية؛ فهذه قضايا تستحق البحث والتدقيق.

لكن رؤية 2030 أوسع من نيوم، والاقتصاد السعودي أكبر من مشروع واحد.

فهل يجوز اختزال التحول الاقتصادي والاجتماعي، وسوق العمل، والأنشطة غير النفطية، والاستثمارات والصناعة والسياحة، في تقييم مشروع واحد مهما بلغت أهميته؟

ومن حق الكاتب أن يرى نيوم اختبارًا مهمًا للرؤية، لكن عليه أن يوضح لماذا يجعلها معيارًا للحكم على بقية مكوناتها.

وإذا كانت التغطية المهنية تتابع ما يتعثر، فمن الواجب أيضًا أن تقيس ما يتقدم.

المعرفة قبل الانطباع

هناك مشكلة أخرى في بعض التغطيات الدولية: إعادة إنتاج الانطباعات القديمة.

فقد يتناول كاتب بلدًا اعتمادًا على روايات سابقة، أو معلومات متداولة، أو مصادر محدودة، ثم يقدم استنتاجات واسعة عن مجتمعه واقتصاده.

وليس مطلوبًا أن يزور الصحفي كل بلد يكتب عنه؛ فكثير من التحقيقات المهنية تُنجز بالوثائق والبيانات والمصادر الموثوقة.

لكن المطلوب أن يمتلك معرفة كافية بما يكتب عنه، وألا يجعل ما قرأه بالأمس بديلًا عن البحث فيما يحدث اليوم.

فالمشكلة ليست في المسافة الجغرافية عن الحدث، بل في المسافة المعرفية عن الحقيقة.

وقد تتحول واقعة سلبية حدثت قبل سنوات، وربما عقود، إلى مرجع دائم يستحضره بعض الكتّاب كلما تناولوا شأنًا سعوديًا جديدًا.

تتغير السياسات والظروف، وتتوالى الإنجازات والتحديات، بينما يظل بعض الكتّاب أسرى واقعة قديمة، يفسرون بها كل ما يستجد».

ولا يعني ذلك أن تُنسى التحدياتة، وإنما أن توضع في سياقها، وألا تتحول إلى تفسير مسبق لكل ما يأتي بعدها.

فالتاريخ يساعدنا على فهم الحاضر، لكنه لا يغني عن دراسته.

هل هذه حرية صحافة؟

من حق الصحفي أن ينتقد الحكومات، ويكشف الأخطاء، ويختلف مع السياسات، وأن يقدم قراءة لا ترضي أصحاب القرار.

ومن حقه أيضًا أن يطرح رأيًا حادًا، أو توقعًا متشائمًا، ما دام يوضح للقارئ ما ثبت وما لا يزال تقديرًا.

لكن حرية الصحافة لا تعني إعفاءه من التحقق، أو تقديم الاستنتاجات باعتبارها حقائق نهائية.

والمعلومة الصحيحة عندما تُضخّم أو تُنتزع من سياقها قد تنتج انطباعًا مضللًا لا يقل أثرًا عن المعلومة المختلقة.

فحرية الصحافة تحمي حق الكاتب في التعبير، لكنها لا تمنح المعلومات الخاطئة حصانة من التصحيح، ولا تُعفي الاستنتاجات من الاختبار.

والصحافة المهنية لا تخشى النقد، بل تخضع له، وتتيح للقارئ التمييز بين الخبر والرأي، وبين ما ثبت وما يُتوقع حدوثه.

فالحرية تحمي حق السؤال، والمهنية تلزمنا بأمانة الجواب.

من يفكك الرواية؟

منذ سنوات، تُنشر عن السعودية مقالات تحمل أحكامًا واسعة، وتمر أحيانًا دون معالجة تصل إلى الجمهور الذي قرأها.

وقد نكتب ردًا بالعربية على مقال نُشر بالإنجليزية، فنخاطب جمهورًا يعرف تفاصيل السعودية أصلًا، بينما يظل القارئ الذي تأثر بالمقال بعيدًا عن المعالجة.

فنرد في مكان، بينما تكون الرواية قد انتشرت في مكان آخر.

وليس المطلوب أن نترصد كل مقال، أو نرد على كل انتقاد، أو ننشئ إعلامًا مهمته الاعتراض.

بل أن نرصد الروايات المؤثرة، ونفكك ما يستحق منها التفكيك، ونقدم مادة صحفية أقوى من الرد التقليدي.

نبدأ بالادعاء، ونعود إلى مصدره، ونبحث عن الأدلة التي تؤيده أو تناقضه، ونحدد ما غاب عن القارئ، وما إذا كان الاستنتاج يتجاوز المعلومات المتاحة.

وقد تكون المعالجة تحقيقًا، أو تحليلًا بالأرقام، أو مقابلة تكشف زاوية غائبة، أو تقريرًا يعيد الوقائع إلى سياقها.

ليس المطلوب أن نقول للقارئ إن الكاتب أخطأ، بل أن نمنحه المعلومات التي يستطيع بها اكتشاف الخطأ بنفسه.

وهذا عمل مختلف عن الرصد الإعلامي المكتبي المعتاد.

أما كيف نكشف مسار انتشار الرواية، ونعرف من يوسع تأثيرها، وكيف نصل إلى جمهورها، ومن يستطيع بناء هذه القدرة المهنية؛ فتلك مسألة تستحق معالجة مستقلة.

أين الإعلام العربي؟

لدينا مؤسسات إعلامية عربية كبيرة، وكفاءات مهنية، وإمكانات معتبرة، لكن امتلاك وسائل النشر لا يعني بالضرورة امتلاك التأثير الدولي.

فالحضور العالمي لا يُقاس بعدد القنوات أو المكاتب، وإنما بقدرة المؤسسة على إنتاج أخبار وتحقيقات وتحليلات يعود إليها الآخرون طلبًا للمعلومة.

ومن هنا أرى أهمية دعم وكالة أنباء سعودية مستقلة، تختلف في طبيعة عملها عن الوكالات العربية الرسمية، وتتطلع إلى حضور دولي واسع، بإمكانات تتيح لها إنشاء مكاتب قوية في عواصم القرار، واستقطاب صحفيين ومحللين يفهمون مجتمعات تلك الدول ولغاتها واهتمامات جمهورها.

وكالة لا تنتظر أن يُكتب عن السعودية لترد، بل تصنع الأخبار، وتنتج التحقيقات، وتغطي قضايا العالم، وتصبح مصدرًا تعتمد عليه المؤسسات الإعلامية والجمهور الدولي.

وهذه الرؤية ليست بعيدة عن تجارب إعلامية سعودية مستقلة، ومنها وكالة «بث» للأنباء، التي تعمل على تطوير نموذج صحفي يقوم على التحليل المهني، وتفكيك الروايات الإعلامية، ومخاطبة الجمهور العربي والدولي. لكن تحويل هذا الطموح إلى حضور عالمي مؤثر يتطلب إمكانات وانتشارًا دوليًا يتناسبان مع حجم المهمة.

ولا يكفي توفير التمويل؛ بل لا بد من استقلالية مهنية تتيح نشر الحقائق

كيف نصل إلى المتلقي؟

تبقى مشكلة الذين يتلقفون كل خبر سلبي عن السعودية ويعيدون نشره دون التحقق منه.

بعضهم يثق باسم المؤسسة الناشرة، وبعضهم لا يعرف الوقائع، وبعضهم ينتقي ما يوافق موقفه المسبق.

وهؤلاء لا يُخاطبون بطريقة واحدة.

فمن يبحث عن الحقيقة يحتاج إلى معلومات موثقة، ومن تأثر برواية ناقصة يحتاج إلى صورة أشمل، ومن يرفض الأدلة لا ينبغي أن نستنزف جهودنا في مجادلته.

وفي المقابل، لا يكفي كشف المقالات المضللة؛ بل يجب تعزيز حضور المقالات والتحقيقات الدقيقة، ومساعدتها على الوصول إلى الجمهور الدولي ومراكز البحث وصناع القرار.

فالحقيقة لا يكفي أن تكون موجودة، بل ينبغي أن تكون متاحة لمن يبحث عنها.

وماذا نريد؟

لا نريد إعلامًا يكتفي بالدفاع عن السعودية بالأساليب التقليدية، ولا إعلامًا ينشغل بمخاصمة من ينتقدها.

نريد إعلامًا سعوديًا عالميًا، يصنع الخبر، ويكشف التضليل، ويفكك الروايات، ويناقش الآراء بالأدلة، ويصل إلى الجمهور أينما كان.

إعلامًا لا ينتظر ما يرويه الآخرون ليرد عليه، بل يبادر بصناعة المعرفة، ويصبح مصدرًا موثوقًا يعود إليه العالم لمعرفة الحقيقة.